يواجه حلف شمال الأطلسي (الناتو) وبعد مرور 70 عاماً على تأسيسه ازمات وتحديات ومشكلات كبيرة بسبب الخلافات والتباينات بين اراء قادة دوله المشاركة في هذا التحالف، ومنها رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدور هذا الحلف وجدوى بقاء الولايات المتحدة فيه، فضلا عن تكلفته المرتفعة. فقد عرفت واشنطن في عهد ترامب وكما نقلت بعض المصادر، خطابا مغايرا تجاه الحلف، حيث استخدم الرئيس الأميركي لغة تصادمية غير مألوفة في الحديث عن جدوى الناتو وعن الالتزامات المالية للدول الأعضاء فيه والعبء الواقع على واشنطن بدفاعها عن القارة الأوروبية. يضاف الى ذلك الانتقادات التي وجهها قادة آخرون مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي اعتبر الحلف في حال "موت دماغي"، ما أثار علامات الدهشة والاستغراب.

وتحتل الولايات المتحدة المركز الأول في نسبة الإنفاق العسكري بين دول الحلف، وتبلغ مساهمتها 3.5% من قيمة الناتج القومي الإجمالي، وتنفق أغلب دول الحلف نسبا أقل من 2%، مع تعهد بأن تصل إلى نسبة 2% بحلول عام 2024، وهو ما يثير حفيظة الرئيس ترامب. وخلال عام 2018 بلغت قيمة المساهمة الأميركية في موازنة الناتو حوالي 70% من إجمالي نفقات الحلف العسكرية. ويعمل الناتو على استرضاء الرئيس الأميركي بشأن الإنفاق على قطاع الدفاع، وذلك بعد انتقاداته المتكررة لحلفاء الناتو لعدم مشاركة عبء التمويل "بصورة عادلة".

كما يواجه الناتو تحديات متجددة تتمثل في التهديدات الروسية للقارة الأوربية التي بدأت إرهاصاتها في جورجيا وأكرانيا، ثم بلغت ذروتها مع انهيار معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى التي ا لتزمت بها موسكو وواشنطن لعقود طويلة. كما مثل التدخل الروسي العسكري القوي في سوريا، واستمرار التهديدات الإرهابية وزيادة الطموحات العسكرية للصين خاصة في منطقة جنوب وشرق آسيا تهديدات إضافية.

وكانت التباينات عبر ضفتي الأطلسي سمة من سمات الناتو منذ تأسيسه في 4 أبريل (نيسان) عام 1949، فالأزمات التي وقعت تباعاً حول العالم وأدت إلى خلافات في الرأى خاصة التي حدثت خارج إطار الناتو جغرافياً تم تجاوزها مثل أزمة السويس (العدوان الثلاثي على مصر) عام 1956، والغزو الأميركي للعراق عام 2003، وخروج فرنسا من الشق العسكري للحلف عام 1966 وأزمة نشر صواريخ بيرشينغ الأميركية في أوروبا خلال الثمانينيات وانتهاء بالخلاف حول اقتسام عادل للتكاليف المالية. لكن ما أبقى على الحلف متماسكاً في النهاية هي المصلحة الاستراتيجية المشتركة للحفاظ على الغرب موحداً ضد التهديد الذي مثله الاتحاد السوفييتي وروسيا من بعده.

خلافات مستمرة

وفي هذا الشأن يسعى أعضاء الحلف الأطلسي الـ29 لإبداء وحدة ظاهرية مع الذكرى السبعين لتأسيس المنظمة، في ظل الخلافات التي خرجت إلى العلن بين الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا. وبعد ثلاثين عاما على سقوط جدار برلين، يواجه الحلف الموروث من حقبة الحرب الباردة تحديات هائلة ما بين عسكرة الفضاء وعودة روسيا بزخم إلى الساحة الدولية وصعود الصين كقوة عسكرية.

لكن اللقاءات انطلقت في ظل تبادل الانتقادات عقب التصريحات الأخيرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي اعتبر أن الحلف الأطلسي في حال "الموت الدماغي"، داعيا إلى مراجعة استراتيجيته. ولم يكتف ماكرون بالتمسك بموقفه بالرغم مما أثاره من انتقادات شديدة من حلفائه، بل دعا إلى استئناف "حوار استراتيجي" مع موسكو وطالب تركيا بتوضيحات حول عمليتها العسكرية ضد وحدات حماية الشعب الكردية، الحليف الرئيسي للدول الغربية في المعركة ضد تنظيم داعش، متهما أنقرة بالتعامل مع متطرفين قريبين من التنظيم.

وإذ شدّد الرئيس الفرنسي على أن الإرهاب هو "العدو المشترك"، أبدى خلال لقاء مع الرئيس الأميركي "أسفه للقول إنه ليس لدينا حول الطاولة التعريف نفسه للإرهاب". وحين لفت الرئيس الأميركي إلى أن العديد من الجهاديين قادمون من أوروبا سائلا ماكرون من باب المزاح إن كان يريد استرجاع بعضهم، رد الرئيس الفرنسي بنبرة جافة "لنكن جديين". من جانبه، لم يخف ترامب استياءه حيال تصريحات ماكرون الذي وصف الحلف الأطلسي بأنه "في حال الموت الدماغي" وندد بعدم القيام بمراجعة استراتيجية حيال روسيا والإرهاب، فأكد الرئيس الأميركي أن هذه التصريحات "مهينة للغاية" و"مسيئة جدا"، مشيرا إلى أن "لا أحد بحاجة إلى الحلف الأطلسي أكثر من فرنسا".

وأوضح ماكرون أن الهدف من تصريحه كان تحفيز الحلف والتنديد بالقرارات الأحادية التي اتخذتها الولايات المتحدة وتركيا بدون تشاور والتي عرضت للخطر العمليات ضد تنظيم داعش الجارية في سوريا بمشاركة قوات من فرنسا ودول حليفة أخرى. واتخذت الانتقادات الموجهة لأنقرة التي كان يؤخذ عليها بالأساس شراؤها منظومة صواريخ روسية، منحى حادث دبلوماسي حين رد إردوغان على ماكرون بأنه هو نفسه "في حال الموت الدماغي". بحسب فرانس برس.

وطلب الرئيس الفرنسي من أنقرة توضيح موقفها، لكنه لم يلق استجابة خلال اجتماع رباعي مع الرئيس رجب طيب إردوغان والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل وبوريس جونسون قبل بدء القمة. وفضل ماكرون عدم زيادة التوتر في علاقاته المعقدة بالأساس مع نظيره التركي، مشددا على "ضرورة المضي قدما". غير أن الخلاف لا يزال قائما، إلى حد أن فرنسا تخشى أن تعرقل تركيا أي تقدم خلال قمة على ما أورد مصدر دبلوماسي.

وقال الأمين العام لحلف الأطلسي ينس ستولتنبرج في مؤتمر صحفي ”استطعنا التغلب على خلافاتنا ومواصلة مهامنا الأساسية لحماية بعضنا البعض والدفاع عن أنفسنا“. وقال زعماء الحلف”تشكل أفعال روسيا العدوانية تهديدا للأمن الأوروأطلسي، ولا يزال الإرهاب بكل صوره وأشكاله تهديدا مستمرا لنا جميعا“. رغم الخلافات قال مسؤولون إن قرارات مهمة اتخذت، منها الاتفاق على ضمان أمن الاتصالات وخصوصا شبكات الجيل الخامس للهاتف المحمول. وتريد الولايات المتحدة أن يحظر شركاؤها في الحلف أجهزة شركة هواوي الصينية. وقبيل القمة دعا رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، الذي تستضيف بلاده هذه القمة، إلى الوحدة وقال ”ما يوحدنا أكثر بكثير مما يفرقنا“.

الانفاق الأوروبي

الى جانب ذلك أكّد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ أن أعضاء الحلف الأوروبيين زادوا إنفاقهم الدفاعي لأربع سنوات على التوالي، وقال ستولتنبرغ أن الدول الأوروبية وكندا ستزيد إنفاقها على الدفاع بنسبة 4,6 بالمئة سنة 2019، مشدداً على أنها ستكون أنفقت بذلك ما مجموعه 130 مليار دولار بين سنة 2016 ونهاية العام المقبل.

ويعني ذلك ان دول الحلف تتجه الى إنفاق 2% من إجمالي ناتجها الداخلي على الدفاع بحلول 2024. ولم تبلغ إلا تسع دول هذا الهدف حتى الآن، بينما تقر ألمانيا بأنها لن تحقق هذا الهدف قبل 11 عاما. وقال ستولتنبرغ للصحافيين إن "الرئيس ترامب محق بشأن أهمية إنفاق الحلفاء الأوروبيين وكندا المزيد وأوصل هذه الرسالة بشكل واضح جداً للحلفاء عدة مرات". وتدارك "لكن على الحلفاء الأوروبيين وكندا عدم الاستثمار في الدفاع لإرضاء الرئيس ترامب. عليهم الاستثمار في الدفاع لأننا نواجه تحديات جديدة ولأن بيئتنا الأمنية باتت في وضع أكثر خطورة".

واوضح ستولتنبرغ إن أعضاء حلف الأطلسي باستثناء الولايات المتحدة كانوا يخفضون ميزانياتهم المخصصة للدفاع قبل 2014، عندما وقّعوا تعهّدا "للتحرّك باتّجاه" هدف 2% من إجمالي الناتج الداخلي بحلول 2024. إلا أن المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أقرّت بأن ألمانيا، القوّة الاقتصادية الأكبر في أوروبا والتي كثيراً ما يستهدفها ترامب بانتقاداته، لن تبلغ هذا الهدف قبل "مطلع 2030". بحسب فرانس برس.

ويحاول ستولتنبرغ على ما يبدو إرضاء ترامب عبر التحدّث عن عقد بقيمة مليار دولار مع مجموعة بوينغ الأميركية لصناعة الطيران لتحديث اسطول طائرات الاستطلاع التابعة للحلف. واتّفق الطرفان على خفض سقف مساهمة الولايات المتحدة في الميزانية التشغيلية المحدودة نسبيًا لحلف الأطلسي (2,5 مليار دولار)، ما يعني مساهمة أكبر من ألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية.

من جانب اخر ستخفض الولايات المتحدة إسهامها في الميزانية التشغيلية لحلف شمال الأطلسي، وفق ما أعلن مسؤولون. وفيما يتركز غضب ترامب على ميزانيات الدفاع الوطني الأوروبية، اشتكى مسؤولون أميركيون أيضا من حجم إسهام الولايات المتحدة في التكاليف التشغيلية للحلف، واتفق التكتل الذي يضم 29 دولة الآن على إجراء تغيير.

وقال مسؤول في الحلف "جميع الحلفاء وافقوا على صيغة جديدة لتقاسم الكلفة. بموجب الصيغة الجديدة، تتم زيادة حصص التقاسم لغالبية الحلفاء الأوروبيين وكندا، فيما تنخفض حصة الولايات المتحدة". واضاف "هذا دليل مهم على التزام الحلفاء تجاه الحلف وتجاه تقاسم أكثر عدلا للأعباء". وتسهم واشنطن حاليا ب22,1 بالمئة من ميزانية الحلف -- ما مجموعه 2,5 مليار دولار (2,37 مليار دولار) في 2019 -- وألمانيا 14,8 بالمئة، بموجب صيغة ترتكز على إجمالي الدخل الوطني.

وبموجب الاتفاقية الجديدة، ستخفض الولايات المتحدة اسهامها وصولا إلى 16,35 بالمئة من إجمالي الموازنة، وسيرتفع إسهام ألمانيا إلى نفس المستوى، فيما سيدفع حلفاء آخرون مبالغ أكبر. ورغم أن المبالغ المعنية ضئيلة نسبيا من الناحية العسكرية -- أنفق التحالف الذي يضم 29 دولة ما مجموعة ترليون دولار على الدفاع في 2018 -- إلا أن ليس جميع الحلفاء سعداء بالخطوة. ويقول دبلوماسيون إن فرنسا رفضت الموافقة على الترتيبات الجديدة وستبقي إسهامها عند نفس المستوى وهو 10,5 بالمئة، معتبرة أن الاتفاق على تغيير الأرقام تم ترتيبه بين ترامب والمستشارة أنغيلا ميركل من دون استشارة الحلفاء الآخرين بصورة صحيحة.

الحلف والاتحاد

صرحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي يتكاملان ولا يتنافسان. وقالت وزيرة الدفاع السابقة في حكومة المستشارة الألمانية انغيلا ميركل ، إنه في مجال الدفاع الأوروبي "الاتحاد الأوروبي والناتو متكاملان ولا يتنافسان". وأضافت أن الحلف الأطلسي الذي انتقده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هو "بالتأكيد أقوى حلف عسكري في العالم والاتحاد الأوروبي لن يتحول ابدا الى حلف عسكري ومختلف تماما".

وكانت ميركل دافعت أمام النواب الألمان عن الحلف مؤكدة إن لبلادها مصلحة في ضمان وحدة التكتل اليوم أكثر من أي وقت مضى حتى أثناء الحرب الباردة. وقالت ميركل إن الحلف كان "سدا منيعا من أجل السلام والحرية". وأضافت أمام مجلس النواب "من صالحنا الحفاظ على حلف شمال الاطلسي اليوم أكثر من أثناء الحرب الباردة". ورأت فون دير لاين من جهتها أن لدى الاتحاد الأوروبي من أجل تطوير دفاع أوروبي "مجموعة أدوات هائلة" عبر مختلف أشكال الاستثمار.

من جهة أخرى، رأت فون دير لاين أن ألبانيا وشمال مقدونيا "كانت تستحقان" بدء مفاوضات انضمامها إلى الاتحاد. وقالت ردا على سؤال، إن "هذين البلدين يستحقان ألا نغير المعايير في منتصف الطريق". وكانت فرنسا خصوصا عطلت بدء مفاوضات انضمام البلدين اثناء قمة المجلس الأوروبي في تشرين الأول/أكتوبر لأنها ترغب في تغيير إجراءات الانضمام قبل أي عملية توسيع جديدة للإتحاد. ويتطلب هذا النوع من القرارات مواقفة الدول بالإجماع. إلا أن فون دير لاين عبرت عن "سرورها لأن مراجعة إجراءات الانضمام أصبحت مطروحة على الطاولة". بحسب فرانس برس.

وبموازاة المبادرة الفرنسية، عبرت ست دول (النمسا وسلوفينيا وسلوفاكيا وتشيكيا وبولندا وإيطاليا) عن "استعدادها للالتزام بشكل بناء من أجل تحسين عملية" توسيع الاتحاد الأوروبي. وقالت رئيسة السلطة التنفيذية الأوروبية الجديدة التي ستتولى مهامها في الأول من كانون الأول/ديسمبر "من مصلحتنا الاستراتيجية إدخال دول غرب البلقان" في الاتحاد الأوروبي.

من جانب اخر هاجم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون على خلفية انتقاده التدخل العسكري التركي في سوريا، مشيراً إلى أن سيّد الإليزيه في حالة "موت دماغي"، مستعيراً العبارة التي استخدمها ماكرون مؤخراً لوصف حلف شمال الأطلسي. وقال إردوغان "أتوجه إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وسأكرّر ذلك له في (قمة) حلف الأطلسي. عليك قبل أي شيء أن تفحص موتك الدماغي أنت نفسك. لا تناسب تصريحات من هذا النوع إلا أمثالك الذين في حالة موت دماغي".

واقتبس إردوغان تصريحات نظيره الفرنسي الأخيرة التي قال فيها إن حلف شمال الأطلسي يعاني من "موت دماغي" جرّاء غياب التعاون الاستراتيجي بين أعضائه. وقال الرئيس التركي لماكرون "حين يتعلق الأمر بالتباهي، أنت تتقن ذلك. لكن حين يكون المطلوب تسديد المبالغ المترتبة عليك للحلف الأطلسي، يختلف الأمر. إنك مجرّد مبتدئ". وفي رد فعلها على تصريحات إردوغان، أعلنت الحكومة الفرنسية أنها ستستدعي السفير التركي في فرنسا لمناقشة المسألة، في ثاني استدعاء للسفير خلال شهرين.

وقالت الرئاسة الفرنسية "هذا ليس تصريحًا، إنها إهانات" مضيفة "سيتم استدعاء السفير الى الوزارة لكي يفسر ذلك". ويبدو أن إردوغان انزعج خصوصًا من انتقادات ماكرون للعملية العسكرية التي نفّذتها تركيا عبر الحدود في تشرين الأول/أكتوبر ضد المقاتلين الأكراد الذين دعمهم الغرب في المعركة ضد داعش في سوريا. وقال ماكرون إنه يتفهّم المخاوف الأمنية "لدى حليفتنا تركيا التي تعرَّضت لعدة هجمات على أراضيها". لكنه أضاف "لا يمكنك من ناحية القول إننا حلفاء وطلب التضامن في هذا الصدد، ومن ناحية أخرى وضع حلفائك أمام الأمر الواقع المتمثل في عملية عسكرية تعرّض للخطر أعمال التحالف المناهض لتنظيم الدولة الإسلامية الذي ينتمي إليه حلف شمال الأطلسي".

انقر لاضافة تعليق