الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي تشهدها بغداد والعديد من المدن الأخرى، منذ الأول من أكتوبر / تشرين الأول الماضي، للمطالبة بإصلاح النظام وتغير الدستور ومحاربة الفساد وانهاء نظام المحاصصة، والتي تسببت بحسب بعض التقارير بسقوط نحو400 شهيد و 20 ألف جريح تصاعدت بشكل كبير في الفترة الاخيرة، ويرى بعض المراقبين ان التصعيد المستمر لمطالب يأتي بسبب الخطوات والقرارات غير المدروسة التي تتخذها الحكومة والطبقة السياسية في العراق والتي ماتزال تراهن على عامل الوقت، وهو ما حذرت منه المرجعية العليا التي ايدت مطالب المتظاهرين السلميين ودعت الكتل السياسية الى اجراء اصلاحات عاجلة بعيدة عن التدخلات الخارجية، والتي اكدها ممثل السيستاني خلال خطبة في مدينة كربلاء المقدسة حيث قال "ليس لأي شخص أو مجموعة أو جهة بتوجه معين أو أي طرف إقليمي أن يصادر إرادة العراقيين أو يفرض رأيه عليهم". واكد ايضاً على ضرورة الإسراع في إنجاز قانون الانتخابات وقانون مفوضيتها... لأنهما يمهدان لتجاوز الأزمة الكبيرة التي يمر بها البلد.

وفيما يخص اخر تطورات هذا الملف أغلق محتجون غاضبون من الحكومة الطرق الرئيسية في العديد من المحافظات، في خطوة وصفها بعض المراقبين بانها تصعيد جديد لإعلان العصيان المدني، وسبق أن أغلق المحتجون ميناء أم قصر من 29 أكتوبر تشرين الأول إلى التاسع من نوفمبر تشرين الثاني باستثناء استئناف قصير للعمليات لمدة ثلاثة أيام. وقال متحدث باسم الحكومة وقتئذ إن هذا الإغلاق أفقد العراق أكثر من ستة مليارات دولار خلال الأسبوع الأول فقط.

احتجاجات ووعود

واصل متظاهرون عراقيون احتجاجاتهم دون اكتراث بوعود جديدة أعلنتها كتل سياسية كبيرة ولا بما ستثمر عنه قرارات البرلمان ، لأن كلاهما لا يلبي مطلب "اسقاط النظام" وإجراء إصلاحات سياسية كاملة. واجتمعت الكتل السياسية التي تمثل أطرافا رئيسية في الحكومة، صدرت في ختامه مقترحات لخطوات إصلاحية حتى نهاية العام الحالي. وضم الاجتماع الرئيس العراقي برهم صالح ورئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني وقادة كتل سياسية بينهم رئيسا الوزراء السابقان حيدر العبادي ونوري المالكي وقادة اخرين بغياب رئيس الحكومة الحالي عادل عبد المهدي.

وأمهل المجتمعون الحكومة 45 يوما تنتهي بنهاية عام 2019 لتنفيذ الاصلاحات التي وعدت بها "وفي حال عجزت عن ذلك سيتم سحب الثقة عنها"، وتعديل قانون الانتخابات الحالي "بشكل عادل لتوفير فرص متكافئة للفوز للمرشحين المستقلين". كما أمهل المجتمعون مجلس النواب المدة الزمنية ذاتها "لإقرار القوانين التي طالب بها المتظاهرون"، وإلا سيدعون الى انتخابات تشريعية مبكرة.

ولم تلق هذه المقترحات صدى لدى المتظاهرين في ساحة التحرير. وقال طالب الماجستير حيدر كاظم (25 عاما) "منذ 16 سنة والسياسيين يتكررون. يتعدل قانون الانتخاب ونفس الأشكال تعود (...) يلعبون بنا شطرنج، يحركون القطع يميناً ويساراً". وقالت خيرية، وهي متظاهرة في الستينات من العمر لفت العلم العراقي حول عنقها، "انسحبت الثقة بين السياسيين والشعب (...) حتى لو يملِّكون كل عراقي قصرا من ذهب، لن يفيدهم ذلك". وأضافت "الإصلاحات لهم وليست لنا".

وأوضح المتحدث باسم عبد المهدي، سعد الحديثي، ان رئيس الحكومة سيقدم تعديلات وزارية إصلاحية. وإضافة الى بغداد، شهدت مناطق عدة في جنوب البلاد احتجاجات متواصلة، حيث أغلقت دوائر حكومية ومدارس في مدن الكوت والنجف والديوانية والناصرية، بحسب وفي محافظة البصرة، الغنية بالنفط، قطع متظاهرون الطرق المؤدية الى حقول للنفط وموانئ البلاد، بحرق إطارات سيارات لمنع وصول العاملين الى تلك المواقع. وفي ساحة التحرير، قال أبو حيدر، السبعيني المتحدر من مدينة الحلة "الشباب كلهم لا يؤمنون لا بتعديل، لا بإصلاحات، لا بزيادة رواتب. يؤمنون بشيء واحد: إلغاء الحكومة، البرلمان والدستور". بحسب فرانس برس.

وصوت مجلس النواب العراقي في وقت سابق على مجموعة من القوانين الإصلاحية في محاولة لتهدئة غضب المحتجين الذين يواصلون حراكهم منذ أكثر من شهر. وصوت المجلس بحضور 220 نائبا على "قوانين إلغاء الامتيازات المالية للمسؤولين في الدولة العراقية و’هيئة النزاهة والكسب غير المشروع‘ والتعديل الأول لقانون التقاعد الموحد‏، وقانوني انتخابات مجلس النواب العراقي والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات".

من جانبه قال رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، إن المطالب التي ينادي فيها المتظاهرون قابلة للتنفيذ، لافتا إلى أنها كشفت عوامل الخلل في النظام السياسي في البلاد، وقال عبدالمهدي وفقا لبيان سابق "إننا نعمل على إصلاح البلد بتلبية متطلبات التنمية الشاملة وليس بالاستجابة للمطالب المشروعة فقط". وكشف المتحدث باسم الحكومة العراقية سعد الحديثي بحسب بعض المصادر، عن قرب تقديم رئيس الوزراء عادل عبد المهدي تعديله الوزاري الأول، وذلك على الرغم من أن الحراك لا يرى في المحاولات الحكومية الحالية على مستوى التعديل الوزاري، أو ما يعرف بحزم الإصلاح المتتالية التي أعلن عنها، سوى محاولةٍ لكسب الوقت، وأكد الحديثي قرب إجراء عبد المهدي تعديله الوزاري الذي سيشمل عدداً غير قليل من الحقائب، "على أن يكون الوزراء الجدد بعيدين عن الكتل والأحزاب السياسية"، في إشارة إلى أن التسميات لن تخضع لمعيار المحاصصة.

قوانين مرفوضة

الى جانب ذلك وفي اول رد فعل على مناقشة قانون الانتخابات في مجلس النواب، اعلن المتظاهرون في ساحة التحرير وكما نقلت بعض المصادر الاعلامية، رفضهم القانون مؤكدين انه لا يلبي مطلبهم بالتغيير الجذري لنظام الحكم والنظام السياسي بأكمله .. فمازالت الاحزاب والقوى المتنفذة متمسكة ببقائها في السلطة برغم المطالبات والاحتجاجات المستمرة في بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية .. وتسعى هذه القوى، الى الالتفاف على قانون الانتخابات الجديد، الذي تمت مناقشته وقراءته تحت قبة البرلمان، مع مشروع قانون المفوضية العليا للانتخابات ..

وصوّت أعضاء مجلس النواب لصالح تعديل قانوني ينهي عمل مجالس المحافظات غير المنتظمة في إقليم ومجالس الأقضية والنواحي الحالية التابعة لها، ويكلف أعضاء البرلمان بمهمة مراقبة عمل المحافظ ونائبيه في كل محافظة على حدة. ورغم إقرار هذا التعديل استجابة لمطالب الاحتجاجات، فقد حالت الخلافات دون تمرير مشروع قانون الانتخابات التشريعية في قراءته الثانية، حيث تؤيد بعض الأطراف مقترحا يمنح الأولوية لأصحاب الأصوات الأكثر للفوز بعضوية البرلمان، بينما يرى آخرون اقتصار ذلك على ما نسبته 50% من مقاعد البرلمان، على أن يظل الفوز ببقية المقاعد وفق النظام القديم.

ومشروع القانون بصيغته المفترض ان تكون معدلة، ارسلته الحكومة الى البرلمان بصيغة تبقي على " روح " القانون القديم القائم على المحاصصة الحزبية والطائفية وتقاسم النفوذ بين القوى الكبيرة والمتنفذة .. هذا ما اكده عضو مجلس النواب عن كتلة سائرون سلام الشمري ، بقوله :" ان ارادة الاحزاب السياسية وبقاء وجودها في السلطة تحققت من خلال مشروع الانتخابات المعد والمرسل من قبل مجلس الوزراء". واضاف الشمري :" ان مشروع قانون الانتخابات المرسل من قبل مجلس الوزراء يمثل التفافا على مطالب المتظاهرين واستخفافا بدماء الشهداء من المطالبين بالإصلاح"، مشيرا الى :" ان الحكومة تحاول جاهدة المراهنة على الوقت لانهاء التظاهرات السلمية، اضافة لاساليبها الاخرى التي ادت الى العديد من الضحايا والمصابين وعدم اطلاع الرأي العام على الجهات التي تخطف الناشطين بشكل خاص".

اما النائب عن تحالف القوى العراقية عبد الله الخربيط، فقد اكد :" ان الكتل السياسية تريد تشريع قانون انتخابات ينسجم مع ما تريده هي ، لا ما يريده الشارع". وقال الخربيط :" برغم كل ما يعلن من كلام حول جدية الكتل السياسية في اقرار قانون عادل للانتخابات يرضي الشارع الغاضب ، لكن في حقيقة الأمر هي تريد تشريع قانون ينسجم مع ما تريد هي لا ما يريده الشارع " ، مبينا :" ان الكتل السياسية ليست جادة في احداث تغيير جدي سواء على صعيد القانون او المفوضية التي يراد استبدالها ". ودعت يونامي ايضا السلطات العراقية إلى إدخال تحسينات لتلبية مطالب الشعب خلال عملية إعداد مسودة التشريع. وبحسب بيان المنظمة، فإن الإصلاح الانتخابي بات مطلبا مهما للمتظاهرين، ويطالب المتظاهرون، بإصلاح النظام السياسي وتغيير كامل لطبقتهم الحاكمة التي يعتبرونها فاسدة.

زيارة مفاجئة

في زيارة مفاجئة للعراق تفقد مايك بنس نائب الرئيس الأمريكي قوات بلاده في العراق والتقى بالأكراد من مسؤولي إقليم كردستان مستثنيا مسؤولي السلطة المركزية في بغداد. فيما تتواصل الاحتجاجات الشعبية ضد الطبقة السياسية. وفي زيارته الأولى للعراق، حط بنس على متن طائرة عسكرية في قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار بغرب البلاد. إثر ذلك، أجرى نائب الرئيس الأمريكي اتصالا هاتفيا برئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، قبل الانتقال إلى مدينة أربيل مركز إقليم كردستان الشمالي، حيث التقى رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني. وبنس هو أعلى مسؤول أمريكي يزور بلاد الرافدين منذ زيارة الرئيس دونالد ترامب في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2018، والتي اقتصرت على تمضية ساعات قليلة مع القوات الأمريكية في قاعدة عين الأسد.

وأثارت زيارة ترامب جدلا كونها لم تشمل لقاء أي مسؤول عراقي. ونشر بنس عبر تويتر صورا له برفقة زوجته كارن وجنود خلال الزيارة التي تأتي قبيل احتفال الأمريكيين بعيد الشكر. وبحث بنس في اتصاله مع عبد المهدي "تعزيز العلاقات بين البلدين وآفاق التعاون المشترك، إلى جانب بحث التطورات التي يشهدها العراق وجهود الحكومة وإجراءاتها الاصلاحية استجابة لمطالب المتظاهرين"، بحسب مكتب رئيس الوزراء العراقي.

وأوضح المصدر نفسه أن الزيارة كانت بعلم عبد المهدي، ومثلها قرار بنس زيارة أربيل. في المقابل، أكد مكتب الرئيس العراقي برهم صالح، أنه لم يكن على إطلاع مسبق على الزيارة. وانتقل بنس من القاعدة العسكرية في الأنبار إلى أربيل حيث عقد اجتماعا مع رئيس الإقليم ورئيس وزرائه مسرور بارزاني. وقال بنس للصحفيين ”تحدثنا عن الاضطرابات التي وقعت في الأسابيع الأخيرة هنا في العراق... أكد لي أنهم يعملون على تجنب العنف أو نوع القمع الذي نراه يحدث، حتى ونحن نتحدث، في إيران“.

وزار بنس أربيل لإظهار التقدير الأمريكي لتضحيات الأكراد وتأكيد رسالة دعم الولايات المتحدة للمقاتلين الأكراد وشراكتها معهم. وقال بنس في بداية لقائه مع برزاني في مطار أربيل ”نيابة عن الرئيس دونالد ترامب اغتنم الفرصة أيضا لتأكيد الروابط القوية التي توطدت بين الأمريكيين والأكراد أثناء الحرب في هذه المنطقة“. وشنت تركيا الشهر الماضي هجوما في شمال شرق سوريا بعد قرار ترامب المفاجئ سحب جميع الجنود الأمريكيين من المنطقة وعددهم ألف. وأبرم بنس اتفاق هدنة مع أنقرة لمنح المقاتلين الأكراد فرصة للانسحاب. بحسب رويترز.

وردا على سؤال عما إذا كان عليه أن يخفف عن الأكراد أي شعور بالخيانة، قال بنس ”لا أعتقد أن هناك أي لبس الآن بين القيادة هنا في المنطقة الكردية في أن التزام الرئيس ترامب بحلفائنا هنا في العراق وكذلك بالنسبة لمن هم في قوات سوريا الديمقراطية، القوات الكردية التي قاتلت إلى جانبنا، لم يتغير“. وقال مسؤول أمريكي إن بنس لم يذهب إلى بغداد لمقابلة رئيس الوزراء في أول زيارة له للعراق كنائب للرئيس بسبب مخاوف أمنية متعلقة بالاحتجاجات.

من جانب اخر قال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إن الولايات المتحدة على استعداد لفرض عقوبات على المسؤولين العراقيين الذين يسرقون ثروات بلادهم وعلى الذين اشتركوا في قتل المحتجين. وأضاف بومبيو ”لن نقف مكتوفي الأيدي بينما يتسبب المسؤولون الفاسدون في معاناة العراقيين“. وتابع ”الولايات المتحدة ستستخدم سلطتها القانونية لفرض عقوبات على أفراد فاسدين يسرقون ثروات العراقيين وأولئك الذين يقتلون ويصيبون المحتجين السلميين“.

انقر لاضافة تعليق