(أ ف ب) - بعد سنوات من الجهود الشاقة وتهديدات وصلت حد التلويح بالقتل، نجح عبد الله حداد أخيراً في مسعاه بصدور حكم قضائي يقضي بإغلاق الكسارات غير الشرعية في قريته عين دارة في لبنان. لكن انتصاره لم يدم سوى أيام قليلة.

في أحد أيام شهر تموز/يوليو، كان حداد (61 عاماً) يقف مقابل جبل أنهكته الكسارات حين تلقى الخبر السعيد، فقد أصدرت المحكمة قرارها أخيراً بإغلاق 16 كسارة من أصل 17 تنهش سفوح جبال عين دارة الواقعة بين جبل لبنان وسهل البقاع، وليس بعيداً من محمية أرز الشوف الشهيرة، لم يطل الأمر كثيراً.

وما هي سوى خمسة أيام حتى عادت الشاحنات للعمل لنقل الحجارة ووصل عددها إلى مئة شاحنة يومياً، وفق حداد الذي ما كان منه سوى أن تقدم في الـ27 من آب/أغسطس بشكوى أمام النيابة العامة الاستئنافية للتبليغ عن "التفاف الكسارات على قرارات الختم بالشمع الأحمر"، خلال 25 عاماً، هدّمت الكسارات أكثر من مليوني متر مكعب من جبال عين دارة، وفق حداد الذي لا يتردد في أن يصف الأمر بـ"الجريمة" بحق الجبل.

ويوضح حداد أن غالبية أصحاب الكسارات "يعملون من دون ترخيص، ولديهم في أحسن الأحوال تراخيص منتهية الصلاحية أو مبنية على مستندات مزورة"، بعد سنوات أمضاها في العمل في القطاع المصرفي في فرنسا، عاد حداد إلى لبنان لينضم سريعاً إلى سكان من قريته للتصدي "للنزيف" الحاصل في جبالها، ويقول "بدأ تحركنا في العام 2016، وخلال السنوات الثلاث هذه قمنا باعتصامات عدة ومارسنا الضغوطات وقدمنا ستة إخبارات أمام النيابة العامة والنيابة العامة المالية"، لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة، ويوضح حداد "تلقيت اتصالات هاتفية من مجهولين هددوني بكسر ساقاي أو حذروني بعدم الذهاب إلى عين دارة وهددوني بالقتل".

السياسيون والكسارات

وحين صدر القرار القضائي الأخير في 26 تموز/يوليو، انتشر عشرات الجنود وعناصر الأمن منذ الفجر في عين دارة، حيث عادة ما يتحدث السكان عن مسلحين يحرسون الكسارات، وأغلقت القوى الأمنية الكسارات بالشمع الأحمر، وإحداها تعود لشخصية سياسية معروفة، ولكن سرعان ما "عاد معظمهم إلى العمل متجاوزين الأختام"، يقول حداد بأسف، وشهد قطاع الكسارات في لبنان ازدهاراً بعد الحرب الأهلية (1975-1990) مع دخول البلاد مرحلة إعادة الإعمار. ويصدر لبنان سنوياً مئات آلاف الأطنان من الاسمنت.

ويُنظم مرسوم صادر في العام 2002 عمل الكسارات في لبنان. وتعمل أكثر من 1300 منها في مساحة تبلغ 50 كيلومتراً مربعاً في كافة أنحاء البلاد، وفق دراسة صادرة في العام 2017 عن الجيش اللبناني، ويقر مسؤول في وزارة البيئة اللبنانية، فضّل عدم الكشف عن اسمه، أن "عدداً قليلاً منها فقط يعمل بما يتناسب مع المرسوم"، مشيراً إلى أن "تكلفة التدهور البيئي الناتج عن هذه الكسارات تصل إلى 610 ملايين دولار سنوياً".

وفي بلد يقوم على المحاصصة السياسية والطائفية في كل مرافق الدولة، يلقي النشطاء اللوم على الفساد المستشري فيه وأداء الطبقة السياسية فضلاً عن عدم اهتمام الرأي العام بالقضية أساساً، ويقول هؤلاء إن شخصيات سياسية مهمة تعمل في مجال صناعة الاسمنت ما خلق نوعاً من الحصانة لتلك الكسارات. وبين هؤلاء الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي يمتلك أسهما في ثالث أكبر معمل اسمنت في البلاد.

وفي عين دارة، يمتلك بيار فتوش وشقيقه الوزير السابق نقولا فتوش كسارات عدة. وفي حزيران/يونيو، أصيب خمسة أشخاص بجروح خلال اعتصام أمام مدخل إحدى تلك الكسارات، ويوضح مارون بدر، رئيس بلدية عين دارة، "خرجنا لنعترض (...) تجمع رجاله وهجموا علينا وأطلقوا النار باتجاهنا"، ويضيف بنبرة غاضبة "إن سكوت الدولة تجاه ممارسات الميليشيات هذه غير مقبول"، وبحسب حداد، فإن الأخوين فتوش استثمرا "مليون متر مكعب بموجب ترخيص منح لهما في العام 1994 ويسمح لهما فقط باستثمار ألفي متر مكعب". ولم يجب فتوش على طلب وكالة فرانس برس للتعليق.

إرهاب بيئي

ويخشى ناشطون اليوم أن يزداد عدد الكسارات أكثر لاهتمام رجال أعمال في الاستثمار في إعادة الإعمار في سوريا المجاورة أو حتى العراق، وفي محاولة منهم لمواجهة الأمر، شكل عدد منهم تحالفاً أطلقوا عليه "الائتلاف الشعبي للمقالع والكسارات في لبنان"، وينشط فيه رئيس جمعية مزارعي الزيتون في الكورة (شمال) جورج عيناتي.

ويقول عيناتي (55 عاماً) إن "مقالع التراب الأبيض أزالت وشوهت واجهات الجبال البحرية" في قريته كفرحزير ومحيطها، كما "قضت على زراعات الزيتون واللوز والتين"، ويضيف "إنها جريمة إبادة جماعية، جريمة إرهاب بيئي"، وبعكس عين دارة، لم يتمكن أهالي كفرحزير من الانتصار على الكسارات، ويتهم عيناتي أصحاب الكسارات بدفع رشى للحفاظ على عملهم، ويقول "يتم دفع مبالغ إلى القوى السياسية والمراجع الدينية وبعض البلديات لتغض النظر عن الجرائم التي ترتكب".

انقر لاضافة تعليق