تطورات متسارعة يشهدها شريان إمداد النفط الأساسي في العالم وسط مخاوف من سيناريوهات تهدد الملاحة البحرية في منطقة الخليج، آخر تلك المستجدات هو استهداف ناقلتي نفط في خليج عمان.

إيران من جهتها سارعت إلى انقاد أربعة وأربعين بحارا وبنفس السرعة أعربت عن قلقها من الحادث واصفة إياه بالمثير لشك، وسط دعوات للاتحاد الأوروبي من اجل تخفيف حدة التوتر.

طهران اعلنت وبكل شفافية ووضوح ان هذه الحادثة هي حادثة مفتلعة، حيث جاءت بتوقيت حرج بالنسبة لايران وهو زيارة رئيس الوزراء الياباني ولقاءه خامنائي، اذ يفسر ان هنالك جهة غير قابلة باللقاء وتحاول تمرير الصفقة الامريكية في المنطقة عبر الضغط على ايران وزيادة حدة التوتر بين الطرفين.

الاطماع الامريكية هي من تقف وراء هذا الحادث لاستغلاله بتأجيج الصراع مع ايران وتقسيم المنطقة وفق ما تريده.

طهران اعتادت على مثل هذه الاتهامات منذ عدة عقود والعزف على هذا الوتر القديم المتجدد تراه ايران لا يغير شيئ من الواقع، لانها تعتبر قوة اقليمية داعمة للكثير من شعوب المنطقة، ولولا وجودها لانهارت بعض الانظمة.

أمريكا وحلفاؤها بالخليج أمام مهمة صعبة لحماية ممرات شحن النفط، حيث قال خبراء ومصادر بالخليج إن الولايات المتحدة وحلفاءها قد يضطرون لتخصيص وحدات مرافقة أمنية لحماية السفن التجارية للحيلولة دون وقوع مزيد من الهجمات في ممرات شحن النفط بالخليج.

لكن حتى إذا تم تسيير مثل هذه الحراسات، فإن استخدام القدرات البحرية والجوية التقليدية لدول الخليج والدول الغربية التي تتولى حفظ الأمن في المياه التجارية الحيوية قد يكون محدودا أمام تكتيكات الحرب التي لا تتبع نمطا المشتبه بها في العمليات الأخيرة ومنها الألغام البحرية.

وأصيبت ست ناقلات نفط خلال الأيام الثلاثين الماضية في هجومين قرب مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس شحنات النفط العالمية، واتهمت واشنطن والرياض إيران بالتورط في الواقعتين، وهو ما تنفيه طهران.

وذكرت ثلاثة مصادر بالخليج أنه توجد خيارات محدودة ومنها طرح تدريجي لنظام المرافقة الأمنية الذي استخدم في ”حرب الناقلات“ إبان الحرب الإيرانية العراقية خلال الثمانينيات من القرن الماضي ولاحقا في هجمات القراصنة الصوماليين، وتطبيق قواعد اشتباك جديدة، والقيام بعمليات لإزالة الألغام.

مالذي حصل للناقلتين

نشر الجيش الأمريكي مقطع فيديو يوم قال إنه يظهر ضلوع الحرس الثوري الإيراني في الهجوم الذي استهدف الناقلة النرويجية فرنت ألتير والناقلة اليابانية كوكوكا كاريدجس في خليج عمان عند مدخل الخليج.

وقال الجيش الأمريكي إن مقطع فيديو بالأبيض والأسود التقطته مقاتلة أمريكية يظهر أفرادا من الحرس الثوري على متن أحد قوارب الدورية الخاصة بهم وهم يقتربون من كوكوكا كاريدجس بعد أن شهدت الناقلتان انفجارات ويزيلون لغما لاصقا لم ينفجر من هيكل الناقلة.

ويجري قطر الناقلة اليابانية، التي أجلي طاقمها، إلى ميناء إماراتي يوم الجمعة بعد أن قالت شركة هولندية إنه تمت الاستعانة بها لإنقاذ الناقلتين.

جاء هذا الهجوم الذي وقع في جنوب مضيق هرمز بعد شهر من استهداف أربع سفن في ”هجمات تخريبية“ قبالة ساحل إمارة الفجيرة، أحد أكبر موانئ التزويد بالوقود في العالم. ونأت إيران بنفسها عن تلك الهجمات.

ولم يتضح على الفور ما الذي حل بالناقلة فرنت ألتير النرويجية أو الناقلة اليابانية كوكوكا كاريدجس بعد أن تعرضتا لانفجارات مما أجبر أفراد الطاقمين على تركهما في المياه بين دول الخليج العربية وإيران.

وقال مصدر إن الانفجار في فرنت ألتير التي اشتعلت فيها النيران وتصاعد منها عمود من الدخان ربما كان بسبب لغم ممغنط، وبينت الشركة المشغلة للناقلة كوكوكا كاريدجس إن هجوما استهدفها يشتبه في أنه نفذ بطوربيد، لكن مصدرا مطلعا قال إن هذا الهجوم لم ينفذ باستخدام طوربيدات.

وتضاربت الروايات التي تفسر سبب الانفجارات التي وقعت يوم الخميس. وأظهر تقرير أولي أن الناقلة كوكوكا كاريدجس أصابها طوربيد لكن مصدرا مطلعا نفى ذلك، وقالت الشركة المالكة للناقلة التي كانت تحمل الميثانول في وقت لاحق إن ”جسمين طائرين“ أصاباها.

ويشابه الموقف الراهن ما حدث خلال حرب الناقلات التي نشبت عام 1984 خلال الحرب بين العراق وإيران التي استمرت ثماني سنوات. ونفذ الجانبان آنذاك هجمات على ناقلات وسفن تجارية في الخليج في تصعيد هدد إمدادات النفط العالمية وتسبب في تدويل الصراع.

اسعار النفط لم تبقى مستقرة فهي الاخرى تأثرت بحرب التصريحات وارتفعت بنسبة نحو 1% وهو ما يعكس القلق العالمي كما قالت شركات للتأمين على الملاحة إن تكلفة التأمين على السفن التي تمر في الشرق الأوسط قفزت بنسبة 10 بالمئة على الأقل بعد الهجمات.

وقال جون هامرسمارك مدير إدارة الأمن والأزمات في رابطة ملاك السفن النرويجية ”يصعب جدا على السفن التصدي للتهديد الماثل أمامها في هذه المنطقة.“

وأضاف لرويترز ”ينبغي على المجتمع الدولي التحرك وفقا للإجراءات المتاحة لديه وبالأخص الهيئات الحكومية، إذا ازداد هذا الأمر سوءا، فإن الملاحة، أو جزء منها على الأقل، ستتوقف“.

امريكا تجد الذريعة

ترامب يحمل إيران مسؤولية هجوم خليج عمان ويؤجج المخاوف من مواجهة، وقال لشبكة فوكس نيوز ”إيران فعلتها.. وتعلمون أنها فعلتها لأنكم رأيتم القارب“، وفي ذلك اشارة الى ضلوع الحرس الثوري الايراني في الهجوم الذي استهدف الناقلة النرويجية فرنت ألتير والناقلة اليابانية كوكوكا كاريدجس في خليج عمان عند مدخل الخليج.

وقال ترامب إن أي خطوة لإغلاق مضيق هرمز، الذي تستخدمه السعودية أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم وغيرها من الدول المنتجة بمنطقة الخليج لتصدير الخام، لن تستمر طويلا.

وفي الشأن ذاته اضاف وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو للصحفيين ”حكومة الولايات المتحدة خلصت إلى تقييم هو أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية مسؤولة عن الهجمات التي وقعت في خليج عُمان“ وذلك في تصريحات مقتضبة لم يقدم خلالها أدلة تدعم موقف بلاده.

واكمل قوله ”هذا التقييم يستند إلى معلومات مخابرات ونوع الأسلحة المستخدمة ومستوى الخبرة اللازمة لتنفيذ هذه العملية والهجمات الإيرانية المشابهة التي وقعت في الآونة الأخيرة على قطاع الشحن وحقيقة أنه لا توجد مجموعة تعمل بالوكالة في تلك المنطقة تملك الموارد أو الكفاءة للتحرك بهذه الدرجة العالية من التطور“.

وتقول الإدارة الأمريكية إن الاتفاق النووي الموقع في 2015 والذي تفاوض عليه باراك أوباما سلف ترامب قاصر جدا وترى أن إعادة فرض العقوبات على طهران سيعيدها لطاولة التفاوض ويجبرها على تقديم المزيد من التنازلات.

وبينت القيادة المركزية الأمريكية في بيان مساء يوم الخميس ”ليس لدينا مصلحة في خوض صراع جديد في الشرق الأوسط... سندافع عن مصالحنا لكن الحرب مع إيران ليست في مصلحتنا الاستراتيجية ولا في مصلحة المجتمع الدولي“.

باتريك شاناهان القائم بأعمال وزير الدفاع الأمريكي أثناء المشاركة في منتدى شانجري لا في سنغافورة في أول يونيو حزيران 2019، قال إن الإدارة الأمريكية تركز على بناء إجماع دولي عقب هجمات على ناقلات نفط بالشرق الأوسط ألقت واشنطن باللوم فيها على إيران.

وأضاف شاناهان أن دور البنتاجون في هذا الجهد سيشمل تبادل معلومات المخابرات مثلما فعلت القيادة المركزية بالجيش الأمريكي يوم الخميس بنشرها تسجيل فيديو يعرض لقطات لدورية من الجيش الإيراني وهي تزيل لغما لم ينفجر من جانب إحدى الناقلتين.

ايران موقف هادئ

وقالت البعثة الإيرانية في الأمم المتحدة إن إيران ترفض بشكل قاطع الزعم الأمريكي الذي ”لا أساس له“ بشأن الهجمات.

وسائل اعلام ايرانية رسمية نقلت عن المتحدث باسم وزارة الخارجية عباس موسوي قوله ”نحن المسؤولون عن الحفاظ على أمن المضيق وقمنا بإنقاذ طاقم الناقلتين في أقصر وقت ممكن“.

لم تخرق ايران الاتفاق النووي وتقول إنها ما زالت ملتزمة ببنوده لكنها لن تبقى على ذلك الموقف إلى ما لا نهاية إلا إذا حصلت في المقابل على بعض المزايا الاقتصادية التي نص عليها الاتفاق.

ووصف وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الحادث على تويتر بأنه ”مريب“ ودعا إلى حوار إقليمي لتجنب التوتر. وفي تغريدة لاحقة على تويتر وصف ظريف المزاعم الأمريكية بأنها في إطار ”دبلوماسية التخريب“.

كيف تنظر اوربا للحادثة

نظرة حلفاء امريكا في اوربا تختلف عما تنظر اليه الادارة الامريكية، اذ لم يتفق أغلب الحلفاء مع ذلك النهج ويقولون إن الانسحاب من الاتفاق كان خطأ سيدعم موقف المتشددين في إيران ويضر بالإصلاحيين الذين وافقوا على القيود النووية بناء على وعود بمنافع اقتصادية مع انفتاح بلادهم على العالم.

وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش إن العالم لن يتحمل ”مواجهة كبيرة في منطقة الخليج“. ودعت الصين والاتحاد الأوروبي وغيرهما كل الأطراف المعنية إلى ضبط النفس.

ودعت الصين والاتحاد الأوروبي وغيرهما جميع الأطراف إلى ضبط النفس. وقالت ألمانيا إن مقطع الفيديو الذي نشرته الولايات المتحدة لا يكفي لتحميل إيران المسؤولية عن هجوم الخميس.

وذكرت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) أن الرئيس الصيني شي جين بينغ أبلغ نظيره الإيراني حسن روحاني خلال اجتماع يوم الجمعة على هامش قمة إقليمية في قيرغيزستان أن الصين ستسعى لتعزيز علاقاتها مع إيران بغض النظر عن تغير الوضع.

وفي عاصمة الضباب قال وزير الخارجية البريطاني جيريمي هنت إن بريطانيا تعمل على أساس أن إيران مسؤولة عن الهجمات وحذرت إيران من أن هذه الأفعال ”غير حكيمة للغاية“.

واوضح هنت في بيان ”هذا أمر مقلق للغاية ويأتي في وقت يشهد توترا كبيرا بالفعل. لقد كنت على اتصال مع (وزير الخارجية الأمريكي مايك) بومبيو، وفي حين سنقوم بإجراء تقييمنا الخاص بوعي وعناية، من الواضح أن نقطة البداية بالنسبة لنا تتمثل في تصديق حلفائنا الأمريكيين“.

بعض المحللين في المنطقة يعتقدون أن الهجمات من تنفيذ إيران على الأرجح ووصفوها بأنها وسيلة من طهران لكسب نقاط أثناء التفاوض وربما زيادة الضغوط الدولية فيما يتعلق بإجراء محادثات أمريكية إيرانية.

وقال ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمم المتحدة إن روزماري ديكارلو وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية وبناء السلام التقت بوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف على هامش اجتماعات منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان يوم الجمعة. وأضاف أن جوتيريش وفريقه على اتصال بكثير من الدول المعنية لإبلاغها بضرورة تجنب أي تصعيد.

الموقف العربي

الجامعة العربية اوضحت موقفها من الهجوم وعلى لسان امينها احمد ابو الغيظ الذي لا يعتقد أن أي بلد عربي سيحاول تعطيل الممرات البحرية بالتصرف بالطريقة التي جرت في خليج عمان أو في مضيق هرمز.

السعودية لم تبقى في حالة الصمت بل قامت بتعزيز استعدادها لمواجهة أي تهديدات، لكن الاجزء الاكبر من تأجيج الوضع في المنطقة يقع على تعامل الرئيس الامريكي دونالد ترامب بعد قراره المتعلق بالانسحاب من الاتفاق النووي الدولي مع إيران المبرم عام 2015، وإعادة فرض العقوبات الأمريكية على طهران، وزيادة الوجود العسكري الأمريكي في الخليج ردا على مؤشرات عن تهديدات إيرانية.

منصور العتيبي سفير الكويت لدى الأمم المتحدة ورئيس المجلس لشهر يونيو حزيران بعد الاجتماع يقول إن جميع أعضاء المجلس أدانوا الهجمات.

اما الامارات تقول وبحسب وزير خارجيتها أنور قرقاش إن مصداقية وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف ”تتضاءل“.

وقال قرقاش ”تزداد إشارة وزير الخارجية الإيراني ظريف إلى الفريق باء هزلية وتتضاءل مصداقيته يوما بعد يوم“. وأضاف ”العلاقات العامة ليست بديلا حقيقيا للسياسات البناءة. وقف تصعيد الموقف الحالي يتطلب أفعالا تتسم بالحكمة وليس كلمات جوفاء“.

وردا على تصريحات قرقاش قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية عباس موسوي في تغريدة ”من يفتقرون للمصداقية والشرعية وحتى الاستقلالية والذين يعتمد وجودهم على شراء الأمن من الغربيين ... ليسوا في موقف يسمح لهم بالتشكيك في مصداقية مسؤولي الجمهورية الإسلامية الإيرانية“.

وآخر ما يمكن قوله هو ان امريكا ومن خلفها اسرائيل تحاول ان تجر ايران الى حرب بشتى الوسائل او الجلوس الى طاولة الحوار، الشيئ المثير للغرابة هو ان ترامب وبعد ساعات من الهجوم على الناقلات وجهة اصابع الاتهام صوب الغريم التقليدي، ايران لن تجلس ما دام هنالك عقوبات مفروضة عليها.

ربما اقدام امريكا على هذه الافعال هو لتدويل مضيق هرمز والذهاب الى مجلس الامن واصدار قرار بأن هذا المضيق الدولي لا يحق لاي جهة غلقه تحت اي ذريعة، ويستبعد موافقة بعض الدول على هذا السيناريو.

انقر لاضافة تعليق