إسلاميات - الإمام الشيرازي

مفهوم الأخوَّة وتأثيره في التماسك المجتمعي

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

(إن الإنسان أخ لبني نوعه مهما كان الفرق بينهما) الإمام الشيرازي

الأخوَّة مفردة تُشتَقّ من معنى الإخاء، فالإنسان أخو الإنسان، وقد حثّت الكتب السماوية والأديان على هذه التقارب الإنساني الأخوي بين البشر، فيما سعى المفكرون وعلماء الدين الأجلّاء والفلاسفة من أصحاب الأفكار الإنسانية الجيدة، على أهمية دعم الإنسان لأخيه الإنسان، مع التعميق المستمر لمبدأ الأخوّة الذي يجعل الناس أقرب إلى بعضهم، فيما حث الإسلام والكثير من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة على تعميق الأخوة بين الناس.

تأتي أهمية الأخوّة من كونها عامل كبير ومهم في زيادة اللحمة الاجتماعية، وتُسهم بشكل كبير في استقرار المجتمع، وللأخوة قصب السبق في تعضيد السلم الأهلي، وتقود المجتمع إلى الاستقرار بما يجعل منه قادرا على الانشغال بفرص التطور، بعيدا عن النزاعات التي تحدث في حال غابت أواصر الإخاء بين أفراد ومكونات المجتمع.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، تناول مفهوم الأخوَّة في كتابه القيم، الموسوم بـ (الفقه السلم والسلام، الجزء السابع)، فقال في ذلك:

إن (مفهوم الأخوة في القرآن يمكن أن يشمل ثلاثة أصناف:

الأول: الأخوة في العقيدة. الثاني: الأخوة في النسب. الثالث: الأخوة في الإنسانية).

وأعظم ما في هذا المفهوم إنه يلغي جميع الفوارق بين الناس، وينظر إليهم بعين واحدة ومسافة واحدة، بعيدا عن اللون، أو اللغة، أو العرق، وقد أشار أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) إلى هذا المعنى في قوله الشهير (الناس صنفان، إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)، وقد تم تثبيت هذا المعنى الإنساني الكبير في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، نظرا للقيمة المعنوية التي تدعم المساواة بين البشر.

هذه المساواة ونشر العدالة، وبث روح التعاون والتكافل بين الناس، هو ما تهدف إليه الأخوّة بين البشر، وهي التي تساوي قيمة العقيدة والإيمان في تقريب الإنسان لأخيه الإنسان، وتحث الجميع على الترابط المصيري من خلال التعاون على المصاعب التي تواجهها البشرية في هذه الحياة العسيرة.

تمتين البنية الاجتماعية

في كل الأحوال لا فرق بين إنسان وآخر إلا في التقوى، والأخيرة تعني الأخوة بأعلى درجاتها، كما أنها تشمل القيم الصالحة التي تجعل من ميّالا إلى السلوك المتعاطف والأخوي، وهو بذلك يسهم في تمتين البنية الاجتماعية، ويقلل المشاحنات والتصادمات إلى أدنى المستويات، فالعلاقات الأخوية بين بني البشر تزيدهم ترابطا وتعاونا وتقاربا من بعضهم.

يقول الإمام الشيرازي:

إن (مفهوم الأخوة في العقيدة يشمل المؤمنين بمختلف أقسامهم وألوانهم ولغاتهم، فالمؤمن أخو المؤمن في العقيدة والدين وهذا المعنى هو الذي أراده الإمام علي (عليه السلام) في قوله لمالك الأشتر (الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق) ومن هذا يعرف أن أهمية رباط العقيدة والإيمان لا تختلف عن أهمية رابطة الأخوة النسبية بل تفوقها).

هناك رابط أو صفة تتوافر بين أفراد الأمة أو المجتمع، ونعني بها صفة الإيمان، وهي تجعل من البشر أخوان بعيدا عن خاصية النسب، فالمؤمن أخو المؤمن، يحرص عليه، ويقف إلى جانبه، ويحزن لحزنه، ويتألم لألمه، كأن الأمة كلها أشبه بالجسد الواحد، يحدث هذا بسبب التلاحم الأخوي بين أبناء المجتمع الواحد.

هذه الوحدة الأخوية الاجتماعية ركز عليها الرسول (صلى الله عليه وآله)، ونبّه إليها أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وطالبوا بأن يحب المؤمن أخاه المؤمن، ويبادر الإنسان بمحبة أخيه الإنسان، وأن يسعى بكل الوسائل والسبل المتاحة لتطوير وترسيخ هذه المحبة، بما يزيد من لحمة المجتمع، ويضاعف من متانة النسيج المجتمعي من خلال نشر الأخوة بين الجميع، واعتما القيم وأواصر المحبة بين أبناء الأمة.

كذلك أوجبت الأخوة عملية النصح والنصح المتبادل، فلابد أن تكون هناك نصائح بين الناس، ولابد من جعل العلاقات الأخوية المتينة، منطلقا لهذه النصائح التي تهدف إلى البناء وليس الهدم، وتروم ترميم الثغرات الاجتماعية التي قد تحدث بسبب ضعف أو غياب مبدأ الأخوة بين الناس، لأسباب كثيرة، فالمهم أن لا تتسلل الكراهية إلى القلوب، وأن يحب المؤمن أخاه المؤمن، ويسانده في الضراء والسرّاء، ويكون عونا له لا عليه.

كما يؤكد ذلك الإمام الشيرازي في قوله:

(إن المؤمنين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له الأعضاء بالسهر والحمى، وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) تحث على توثيق الأخوة في العقيدة والنصح والإخلاص لها، ومنها ما جاء عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) حيث قال: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).

كيف يكون العالم أكثر أمنا وسلاما؟

الأخوة الإنسانية، هي التي تجمع الإنسان بأخيه الإنسان، والرابط هنا ليس العقيدة، وليس النسب أو الدم، وإنما الإنسانية التي أكدها الإمام علي (عليه السلام) حين قال (نظير لك في الخلق، أي نظير لك في الإنسانية، وهذا يعني أن جميع الناس هم أخوان لبعضهم البعض، بغض النظر عن انتمائهم العرقي أو الديني أو الجغرافي وما شابه.

فطالما هو إنسان هذا يعني إنه أخ لك، وعليك أن تنطلق من منطلق الإنسانية، لترتبط به أخويا، وتتعامل معه من هذا المنطلق، وهذه الفلسفة توضّح بجلاء نظرة الإسلام للعلاقات البشرية، وانطلاقها من مبدأ الإخاء لتسهم بشكل فعال في تمتين النسيج الاجتماعي، وزيادة منسوب السلم الأهلي، وتفرّغ الجميع للتطور والارتقاء بدلا من الانشغال بالشر، والتصادم، والنزاعات التي لا طائل ولا جدوى من ورائها.

لهذا يقول الإمام الشيرازي:

(أما الأخوة الإنسانية، أي الأخوّة العامة، وهذا يسمى بالأخوة الإنسانية، وهو الذي عبر عنه الإمام علي (عليه السلام) في قولـه لمالك الأشتر: »أو نظير لك في الخلق«، أي أن الذي تجتمع معه في الإنسانية والخلق يعتبر أخا لك).

لو أن البشرية وعت مبدأ الأخوة وعرفت قيمته وعملت به، لكانت اليوم في غنى عن حالات الاحتقان والحروب والتوترات التي تسود العالم أجمع، ولو كان البشر أخوان لبعضهم، حريصون على بعضهم، محبون لبعضهم، متآخون مع بعضهم، متآزرون على المصاعب والمحن التي تحيق بهم، لما أصبحنا بهذا الحال الذي نحن عليه.

فالمهم هو أن يكون الناس أخوانا لبعضهم، ولا يفرقوا بين هذا وذاك بسبب الدين أو اللغة أو العرْق، لأن الأخوة الإنسانية تفرض عليهم التقارب الإنساني والمحبة الإنسانية المتبادَلة فيما بين الجميع، تطبيقا للمعنى الكبير الذي يقول (أحب لأخيك ما تُحب لنفسك).

يقول الإمام الشيرازي:

(إن الإخاء الوارد في هذا الصنف هو (الأخوة الإنسانية)، ومعناه لزوم العمل بمصاديق الأخوة العامة، فالإنسان أخ لبني نوعه مهما كان الفرق بينهما في الدين واللغة والعرق واللون والوطن).

هكذا يمكن أن تكون الأخوة ذات تأثير كبير وحاسم في تمتين النسيج المجتمعي للأمة، بل للبشرية كلها، ومتى ما سادت الأخوة في العقيدة، والدين، والإنسانية، تسود روح الإخاء لتجمع بين البشر، وتجعلهم أكثر قربا وانسجما مع بعضهم البعض، ويكون عالمنا المشحون بالأزمات والنزاعات، أكثر توازنا واستقرارا وسلاما.

اضف تعليق