أحداث كثيرة نسمع بها، وربما لا نقتع بصحة وقوعها، وقد ننظر إلى من يتكلم عن أحداث الخير التي مرّت به نظرة تشكيك، ولكن الكثير منها يمكن أن يكون وقع فعلا مع هذا الإنسان أو ذاك، فليس شرطا أن تصدّق وقوع الحدث إلا إذا كنت شاهدا عليه أو حدث معك شخصيا.

هنا أريد أن أقص عليكم هذا الحدث الذي وقع معي، بعد منتصف نهار أمس، وضعت حاسبتي في الحقيبة وتوجهت لعملي، زوجتي أعطتني غلاف قطرة للعين سعرها (30) ألف عراقي (ما يقارب (25) دولارا، وطلبت ان اشتريها لها من صيدلة خاصة بأدوية العيون....

قلت لها ربما أنسى، ولكن سأحاول، بعد ساعات في العمل عدت أواخر العصر في الطريق المعتاد الى البيت، نسيت تماما قطرة زوجتي مع أهميتها القصوى كي تقلل ضغط عينها، قبل أن اصل البيت أوقفني طفل عمره 11 سنة معه امه وثلاثة اطفال آخرين.

الطريق رمليا ولا توجد فيه سيارات كثيرة ولا خط لسيارة الاجرة، ورغم التعب الذي كنت أعاني منه ورغبتي بالوصول للبيت للراحة، توقفت للطفل، ثم اقتربت مني امه وقالت نريد أن نصل الى الحي (الفلاني)، الحي بعيد بعض الشيء، لكن لاحظت قلة السيارات وصغر الاطفال، فقلت للمرأة تفضلوا اصعدوا.

ركب الى جانبي طفلان وفي الخلف المرأة وطفلة وطفل، وبدأت الأم تسرد صعوبات الحياة التي تواجهها، هم يسكنون في حي جديد لا خدمات فيه، لا كهرباء ولا ماء، ولكنهم اضطروا للسكن بسبب غلاء تأجير البيوت، وزوجها يعمل بأجر يومي حكومي قليل، المرأة قالت بالحرف:

انني لم اعد اطيق هذه الحياة، تعبت منها، يوميا اسند ظهري للجدار وابكي كثيرا، كلنا نتكدس في غرفة، بعنا كل شيء كي نتخلص من الإيجار، اطفالها في المدارس، حياتهم كما أغلب العراقيين في غاية الصعوبة.

من خبرتي في الحياة عرفت ان هذه المرأة صادقة، فعرضت عليها بعض المهن التي قد تناسبها مقابل اجر قد يسد جانبا من احتياج العائلة، لكنها لم تجب بوضوح، فتركتها وشأنها، وصلنا الى الحي المقصود، وأوصلت العائلة الى باب دار والدها.

قبل أن تنزل اعطتني اجرة، فلم استلم منها الاجرة ورفضتُ ذلك بشكل قاطع لكنها أصرت بشكل غريب واعطت الاجرة لطفلها الذي يجلس جنبي في المقعد الامامي، وعندما رفضت، ألقى الطفل بالأجرة فوق (دشبول السيارة) ونزل بسرعة من السيارة، طلبت من المرأة برجاء اخير وأقسمت لها أنني لا اتقاضى أجرة، عند ذاك رضخت واستعادت الاجرة.

عدتً الى البيت في طريق آخر، فكرتُ مع نفسي أنني قمت بعمل صالح وصحيح، وان هذه المرأة التي لا تعرفني ولا أعرفها، سوف يبقى لديها أمل بالحياة وبالناس، وأن اطفالها الاربعة سوف يتعلمون مساعدة الآخر، كنت لا أزال ناسيا قطرة زوجتي، طريق العودة قادني بشكل غير مقصود الى صيدلية العيون الوحيدة التي اجد فيها (قطرة عين زوجتي).

فشكرت الله على ذلك وركنت السيارة مقابل الصيدلية وركضت اليها وطلبت القطرة (الأصلية صنع بلجيكي)، فبحث الطبيب الصيدلي في الرفوف وقال نعم موجودة، وعندما سألته عن السعر قال (20 ألف عراقي)، فوجئت بهذا التخفيض، وشككت بمفعول القطرة، ولاحظ الطبيب ترددي فقال:

في الشهر الماضي كانت بـ (30 ألف عراقي)، لكن حدث تخفيض عليها بسبب قلة شرائها، وتم تخفيض السعر من المصدر فصار (20 ألفا....)..

فكرت أن العائلة هي التي قادتني الى الصيدلية لأنني كنت ناسيا اصلا قطرة زوجتي، ثم هذا التخفيض الكبير (10 آلاف دينار).. فعادت لي أجرة العائلة أضعافا من دون أن افكر بها أو اسعى إليها...

هذا الحدث بكل تفاصيله حدث معي بشكل عفوي، ومن دون أي تخطيط مسبق، ولذلك عمل الخير سهل وبسيط ومرْبِح أيضا، وإذا أردنا أن لا نفكّر بثواب هذا العمل، فإن مكافأة عمل الخير موجودة حاليا (في الدنيا)، وأن الجميع سوف يستفيدون منها، بمن فيهم القائم بعمل الخير وكل الآخرين - لأننا بعيدا عن المثاليات- نساهم في بناء علاقات صحيحة وجيدة بين الناس.

والنتيجة سوف تكون بناء مجتمع جيد متعاون ومتعايش بسلام، يعيش فيه أولادي وأولادكم، أحفادي وأحفادكم بخير وأمن وسلام...

افعلوا الخير تجدوه أمامكم...........

اضف تعليق