يبدو ان صحافة المواطن قادمة بكـل قواهـا فـي المسـتقبل، سـواء فـي نقــل الأخبــار أو تحريــك الــرأي العــام، أو إجبــار الدولــة والحكومــات علــى اتخــاذ قــرارات معينة يقرها المواطن والنشطاء، وزاد تأثير صحافة المواطن في العالم العربي خـلال الأعـوام الماضـية، خاصـة بعـد انـدلاع ما يعرف بثورات الربيع العربي، ومساهمة وسائل التواصل الاجتماعي في نجـاح الثـورات، وتدشـين صـفحات تطالب بحقوق المواطنين.

وأجبرت صحافة المـواطن، معظـم الجرائـد العالميـة، علـى إدراج أقسـام خاصـة لتلـك المادة الخبرية المرسلة من المواطن، وذلك لمواكبة التطور التكنولوجي، وسـاهمت الأحـداث السياسـية وتطــورات أوضـاع المنطقـة خــلال الفتـرة الأخيـرة فــي تنشــيط دور صــحافة المــواطن والإعــلام الجديــد، اذ بــرز دور وســائط الاتصــال الاجتمــاعي وكــاميرات الهواتــف المحمول والمــدونات وغيرهــا فــي نقــل الحــدث وبنــاء القصة الصحفية.

وكــان واضــحا أن تلــك التطــورات كــان لا بــد ان تــأتي علــى حســاب الــدور التقليــدي للصـحافة الرســمية أو ال تقليديـة التــي لــم تعـد قــادرة علــى منافسـة الكــم الهائــل المتـوافر مـن المعلومـات عبـر وسـائل التواصـل الاجتمـاعي، رغـم أن الأخيـرة لا تلتـزم إلى حد كبير بأدبيات وقواعد العمل الصحفي وأخلاقيات المهنة المتعارف عليها.

وفـــي النهايـــة لا أحـــد يغفـــل عـــن أن صـــحافة المـــواطن، هـــي الوســـيلة الإعلاميـــة المسيطرة خلال الأعوام المقبلـة، خاصـة بعـد التوسـع التكنولـوجي العمـلاق، وزيـادة وعـي المـواطنين، ومعـرفتهم بتـأثير الكلمـة، وذلـك لتسـطر كلمـة الكـرة الأرضـية أصبحت بيت من الزجاج الكل يرى ويسمع الأخر.

ماهية صحافة المواطن

صحافة المواطن: وهي معروفة أيضا بالصحافة العامة أو التشاركية، أو الديمقراطية أو صحافة الشارع الشعبية، وهو مصطلح يرمز لأعضاء من العامة يلعبون دورا نشيطا في عملية جمع ونقل وتحليل ونشر الأخبار والمعلومات على الإنترنت.

قد يكون التحول الأبرز الذي حصل خلال العقد الأخير على مستوى الإعلام هو بروز ظاهرة صحافة المواطن كشكل جديد من أشكال الممارسات الصحافية غير المهنية، ومع تطور هذه الممارسات، بدأت صحافة المواطن تأخذ حصتها من النقاشات والأبحاث في البلدان المتقدمة على المستوى الإعلامي، وقد كان ولا زال يشار إلى هذه الظاهرة الإعلامية باستعمال مصطلحات متنوعة ، منها: “الصحافة التشاركية” (participatory journalism)، و”الإعلام مفتوح المصادر” (open-source media)، و”الإعلام الديمقراطي” (democratic media)، و”صحافة الشارع” (street journalism)، و”الإعلام البديل” (alternative media)، و”الصحافة الشعبية” (grassroots journalism) إلى غير ذلك من التسميات والمصطلحات.

ويُعد مصطلح (صحافة المواطن) من أكثر المصطلحات المثيرة للجدل ويعود ذلك إلى حداثته من جهة، واختلاف الباحثين حول معناه وأهم وسائله من جهة أخرى. وهذه أهم مفاهيمه: يشير مصطلح صحافة المواطن "أن بإمكان أي شخص أن يكون صحفيا ينقل رأيه ومشاهداته للعالم أجمع، دون الحاجة لأن يحمل شهادة في الإعلام، أو أن ينتمي لمؤسسة إعلامية لإيصال صوته للعالم.

فقد أشار الدكتور جمال الزرن إلى أنه مصطلح إعلامي واتصالي في نفس الوقت، وهو على المستوى التاريخي حديث النشأة، وهو مصطلح غير مستقر على المستوى المفاهيمي. وتشخص صحافة المواطن عند البعض على أنها إعلام المواطن.

ويرى أن مفهوم صحافة المواطن يعتمد على:

1-شبكة الانترنت كفضاء للنشر والتعبير عن الرأي.

2-تأكيد حضور المواطن في قضايا الشأن العام ودعم الممارسة الديمقراطية.

3-اعتبار مخرجات صحافة المواطن امتدادا لمرجعيات الإعلام البديل والصحافة البديلة.

وصحافة المواطن" هي الصحافة التي يصنعها أو يشترك في صنعها المواطن ويقوم بتوظيف الصحيفة في تبادلها في مجال الأخبار والرأي بينه وبين باقي المواطنين عبر شبكة الإنترنت. ولا شك في أن اشتراك المواطن في العملية الإعلامية هي قديمة في تاريخ الصحافة والإعلام، لأن المواطن "القارئ أو المستمع أو المشاهد" هو العنصر المستهدف في تلك العملية منذ بدايات نشأة الصحافة المطبوعة والإذاعة والتلفزيون.

مميزات صحافة المواطن

1- كل مواطن هو باحث عن المعلومة، وكل شخص بإمكانه أن يتحول إلى مصدر للأخبار والمعلومات.

2- التحول من وسائل الإعلام الجماهيرية إلى وسائل إعلام الجماهير: تقوم وسائل الإعلام الجماهيرية على قاعدة نشر المعلومة من الفرد إلى المجموعة، وتقوم صحافة المواطن بقلب المعادلة والاعتماد على نشر المعلومة من الكل إلى الكل وذلك بالاعتماد على مواطنين صحفيين.

3- سياسة تحرير مختلفة: حيث تعتمد صحافة المواطن على سياسة تحرير خاصة، فالأخبار التي تنشر يجب أن تكون دقيقة ولها صلة بالأحداث الموضوعية وأن تتميز بأقصى قدر من السبق.

4- المشاركة الشخصية: تعتبر الديمقراطية المتحركة عملا فرديا تطوعيا غير خاضع لتوجهات منظمات معينة بل للقناعات السياسية للفرد نفسه خلافا للوسائل الاتصالية التقليدية 5-التفاعلية.

أشكال صحافة المواطن:

1- الشبكات الاجتماعية: هي مواقع تستخدم من قبل طرف واحد، وهي تحقق التعارف والتواصل الاجتماعي وإقامة العلاقات، ويمكن عن طريقها أن يكتب نصوص ومقالات وينشر صور والفيديوهات ومن أشهرها: تويتر، الفيسبوك.

2- المدونات: هي موقع شخصي ووسيلة جديدة مهمة في الاتصال وتحرير الكلمة، متعددة الاهتمامات والمجالات، يعبر فيها المدون عن أي موضوع وفي أي مجال دون قيود ويرجع ذلك للحرية المطلقة وعدم وجود رقابة، تكون موجهة للجمهور الذي يقاسمه نفس الاهتمامات وتمكنهم من التعليق عليها.

3- مواقع بث الفيديو: وهي مواقع تتيح إمكانية بث مقاطع فيديو مسموعة، أو مرئية، ويمكن حتى تحميلها ومشاهدتها، وهناك عدة مواقع مشهورة جدا، لدرجة أنها أصبحت تبيع مقاطع من مضامينها لوسائل الإعلام، بل وحتى هذه الأخيرة تقوم ببث برامجها عبر هذه المواقع، ومن أشهر تلك المواقع (يوتيوب).

4- المواقع الإخبارية التشاركية: أو ما يطلق عليها الويكينيوز وهي مواقع شبيهة جدا بالصحف الإخبارية، لكن يشارك في إنتاج وإعداد محتواها مواطنون عاديون يكونون في الغالب متطوعون وناشطون حقوقيون وهواة يقومون بالتدقيق في موضوعية ومصداقية كل خبر، ومن أشهر تلك المواقع موقع (أوه ماي نيوز) الكوري.

5- مواقع التحرير الجماعي: هي مواقع تقوم على إنتاج ونشر الصفحات على الإنترنت إذ يسمح لزوار المواقع بأن يضيفوا أو يعدلوا أو يكتبوا ما يريدون، وينشروا ذلك بصورة لحظية على الإنترنت. ومن ثم فإن هذه التقنية تتيح الفرصة لظهور مشروعات كبرى قائمة على المشاركة التطوعية من عدد كبير من الأفراد، ومن أشهر الأمثلة عليها (موسوعة ويكيبيديا).

6- التدوين بالفيديو: ويقتصر غالبا على استخدام الفيديو كتقنية حديثة لجذب عددا أكبر من الزائرين للصفحة أو الموقع، ومع ذلك يظل يحمل كافة خواص التدوين من حيث الفردية والحرية وتغليب الرأي والانطباعات الشخصية.

مرجعيات صحافة المواطن

يمكن بيان مرجعيات صحافة المواطن انطلاقا من مخرجاتها أي بالعودة إلى الخطاب الذي تسوق له والمؤسس على قاعدة تفعيل دور المواطن في العملية السياسية وذلك من خلال استغلال وتوظيف تكنولوجيات الاتصال الحديثة مجسدة في شبكة الإنترنت. أما المستوى الثاني من مرجعيات صحافة المواطن فيتغذى من العنصر الأول-الديمقراطية-ويكمن في نقد خصائص الإعلام التقليدي الذي بدوره يحيلنا إلى مرجعية ثالثة أساسها الدعوة إلى إعلام بديل وهي كالاتي:

1. الديمقراطية في متناول الجميع: إن نقد وسائل الإعلام السائدة من قبل صحافة المواطن والمدونات هو مقدمة لنقد حال الديمقراطية، فهيمنة وسائل الإعلام على المجال العمومي وخضوعها للوبيات الضغط السياسي والاقتصادي وإقصاء المواطن من حقه في الحصول على المعلومات الضرورية لصياغة مستقبله تعتبر كلها قضايا خلافية وذلك لما لها من تأثير على صيرورة الديمقراطية.

إن الصحافة التي تشخص بأنها مرتشية وغير محايدة علامة على أن الديمقراطية القائمة في خطر، وفي هذه المرحلة بالتحديد على المواطن أن يتدخل ويتفاعل وبشكل ملتزم مع هذا المعطى الجديد وذلك من خلال تفعيل حقوقه وواجباته المدنية المادية والمعنوية. فالصحافة في النهاية لا تعدو أن تكون اليوم على مستوى الشعار مجرد سلطة رابعة، لكنها سلطة في حاجة إلى رقابة المواطن عند الممارسة، فقد أصبحت هذه الرقابة الآن متوفرة بفضل ما تقدمه شبكة الإنترنت من امتيازات النشر، هكذا على المواطن أن يوظف قيم الإنترنت الجديدة أحسن توظيف وذلك من أجل حماية كل من قيم المواطنة التي لا يمكنها أن تتحقق بعيدا عن الديمقراطية وأن هذه الديمقراطية لا جوهر لها بدون صحافة وإعلام حر.

لذلك تقوم الديمقراطية التشاركية المبناة على أساس صحافة المواطن على خلفية نقد اداء وسائل الإعلام التقليدية المنحاز، وهو ما يحيلنا إلى أنها بذلك تنقد أيدلوجيا الهيمنة التي تعتمد على وسائل الإعلام للتشريع لسياستها.

2. تفاعلية الوسيط الجديد وتمثلاته: إذا كان لتبسيط التقنية في شبكة الإنترنت من دور في ظهور فرص جديدة في فضاءات التعبير عن الرأي وحرية التعبير للجماهير العريضة فإن كل ذلك لا يفهم في غياب مسائلة السياق الاجتماعي الذي فيه تبلورت ظاهرة صحافة المواطن. وتعتبر صحافة المواطن ظاهرة تواصلية وجزء لا يمكن تجاهله من المجال الاجتماعي العام. إنها ظاهرة اتصالية اجتماعية يمكن تأطيرها في سياق تفاعلات مكثفة ضمن فضاء للتبادل والتفاعلية بين الجمهور المتعدد، وصحافة المواطن شكل من أشكال الوسائطية والتفاعلية عبر الوسيلة-الإنترنت-تمكن الفرد من التملك المنفرد لرموز جماعية، فهي توفر فرصة التجاذب بين بعد فردي للموضوع وعمق جماعي لارتداداته.

3. نقد الإعلام السائد: غياب الثقة في أهل الثقة

في الأصل صحافة المواطن هي رد فعل قد يكون في نفس الوقت عفوي وواع عن تقلص حضور المواطن في قضايا الشأن العام، وتأكيد لحالة من التشكيك في مصداقية الصحافة، وهي بذلك تعكس ظرفا حرجا من عدم الثقة بين وسائل الإعلام التقليدية والجيل الجديد من مستخدمي الإنترنت والإعلام الإلكتروني.

تبدو إشكالية انحسار وغياب الثقة بين وسائل الإعلام والمواطن قضية-عند البعض-قديمة قدم وسائل الإعلام، فهي تحتد وتفتر من فترة تاريخية إلى أخرى، لكن اهتزاز الثقة في هيئتها الحديثة تعود بالأساس إلى مسألة التوازن البيئي بين وسائل الإعلام وخاصة علاقة الصحافة بالإنترنت، النتيجة وبغض النظر عن التوصيفات هي وجود حالة لا يمكن تجاهلها من عدم الثقة لدى المواطن تتمظهر في عدم قابليته لتصديق كل ما تقذف به وسائل الإعلام من أخبار وتحاليل ومدى حيادية مخرجاتها. وهو ما يستدعي من المؤسسات الإعلامية التقليدية ضرورة مراجعة أدائها وقواعد العمل الإعلامي التي تعتمدها. كما أن كل هذا النقد والتشخيص لواقع الممارسة الديمقراطية ولأداء الإعلام التقليدي يعتبر أيضا إعلان عن البحث في إعلام بديل تجسده صحافة المواطن.

مستقبل صحافة المواطن

تؤكد المؤشرات أن صحافة المواطن هي السلطة القادمة المسـيطرة علـى وسـائل الإعلام الأعوام المقبلة، خاصة في ظل التطور التي تشـهده التكنلوجيا فـي العصـر الحالي، إضافة إلى القضاء على الصحافة التقليدية.

وبدأ ذلـك المؤشـر يظهـر مـع اختفـاء الصـحف الورقيـة، وكثيـر مـن الصـحف العالميـة المشهورة أغلقت مطابعها الورقية لتتحـول إلكترونيـة فقـط مـع التحـديث لتواكـب العصر، وقـديمًا قـالوا إن الإعـلام رفـع الحواجز والحـدود أمـام الـدول والشـركات والمؤسسـات والشـــبكات الدوليـــة والاقتصـــادية والإعلاميـــة والثقافيـــة، ولكـــن صـــحافة المـــواطن جعلت العالم بيت من الزجاج، لا يمكن أن تخفي خبر أو حدث عن الإنسان.

وستنجح صحافة المواطنين عندما يدرك المواطن نفسه دوره الفعال والمـؤثر فـي إحــداث التغييــر الاجتمــاعي والاقتصــادي والسياســي والثقــافي عبــر صــحافة تلتــزم بــالقيم والأخــلاق بعيــداً عــن التجــارة بمســتقبل وحيــاة البشــر وهــذا يعنــي نقــل الحقيقــة بموضــوعية وعــدم الان الانحيــاز إلــى جانــب علــى حســاب الآخــر، والابتعــاد عــن التكهنـــات والآراء الشخصـــية المتعصـــبة لفكـــر أو أيديولوجيـــة معينـــة، ولابـــد مـــن القضـاء علـى الفوضــى ولغـة البـذاءة التــي تسـود عالمهـا الناشــئ لتقـديم نمــاذج إصلاحية جديرة بالاقتداء.

الخاتمة:

مما تقدم نستنتج ان صحافة المواطن تعد من أهم التحولات الجذرية التي طرأت على علم الإعلام والصحافة في العصر الحديث وعلى المستويات المختلفة، مما يدفعنا الى السؤال الأهم وهو إلى أي مدى يمكن لصحافة المواطن ان تشكل حافزا للمواطن العراقي في رصد القضايا التي تستبعدها وسائل الاعلام التقليدية وهل بإمكان هذا النوع من الصحافة تحقيق التغییر الاجتماعي والسياسي الذي ينعكس على واقع البلد بمختلف قضاياه؟

.............................................................................................
المصادر والمراجع:
1- السيد بخيت، الصحافة والإنترنت، العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، 2000.
2- ثریا السنوسي، صحافة المواطن وإعادة إنتاج الأدوار، بحث منشور، مجلة العلاقات العامة، الجمعية المصرية للعلاقات العامة، القاهرة، 2014.
3- جمال الزرن، تساؤلات عن الإعلام الجديد والإنترنت، العرب وثورة المعلومات (جماعي)، مركز دراسات الوحدة العربية، 2005.
4- حنان بو عزيز، دور مواقع التواصل الاجتماعي في تفعيــل صحافة المواطن، رسالة ماجستير، جامعة العربي بن مهيدي أم البواقي، كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية، قسم العلوم الإنسانية، 2015.
5- حنان، كامل إسماعيل، دور المواطن الصحفي في الحراك السوري، من وجهة نظر قادة الرأي الإعلامي العربي (الأردن والكويت ومصر انموذجا، رسالة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط، كلية الاعلام، 2012.
6- فتحي حسين عامر، صحافة الفيديو: تقنياتها واشكالياتها، القاهرة، العربي للنشر والتوزيع، 2020م.
7- مركز، هردو لدعم التعبير الرقمي، تأثير صحافة المواطن ومستقبلها في ظل التطور التكنلوجي، دراسة بحثية، مصر، 2016.

اضف تعليق