لا يمكن تجاهل النفوذ الكبير الذي أصبحت عليه مواقع التواصل الاجتماعي بعد ان انطلقت لتأدية وظائف تقليدية الى حد ما، كالترفيه والاخبار ومعرفة أحوال الآخرين عبر خاصية الاتصال المباشر التي اتاحتها بصورة يسيرة فضلا عن انخفاض تكلفتها مقارنة بوسائل الاتصال الأخرى.

فقد تخطت مرحلة نشر الأشياء المضحكة وقضايا السخرية الى ما هو ابعد من ذلك بكثير، وقت برهنت الاحداث التي حصلت على مختلف المستويات ذلك، فكلما حل جديد كان لمواقع التواصل الاجتماعي دور في انتشاره، وقللت من دور المؤسسات الأخرى المعنية بالأمر، فقد رفعت الكثير من مسؤولية الجهات ذات العلاقة وقامت بذلك الدور دون الحاجة للسماح لها بتأدية المهمة.

للشبكات الاجتماعية سلطة هائلة وقوة حقيقة لا يمكن الاستهانة بها لإحداث تغييرات مجتمعية، وتوعية العديد نحو قضايا لم تكن معروفة سابقا، الى جانب تعميق النقاشات والحوارات حول ادق واعقد القضايا السياسية والاقتصادية والدولية، فقد أسهمت بزيادة الوعي بمجريات الاحداث ونبهت العالم الى ما يدور حولها من متغيرات واجبة الفهم.

ومن الجدير بالتناول هو إمكانية مواقع التواصل الاجتماعي بوصفها مؤشر من مؤشرات التغيير في المجتمعات، ففي أمريكا على سبيل المثال تمكنت من تأجيج الرأي العام عندما أقدم ضابط شرطة على مقتل شخص من ذوي البشرة السمراء، ورأينا حجم التفاعل مع القضية وتحريك الرأي العام العالمي وليس الداخلي فحسب.

وكان لها القدرة الفريدة على جلب الانتباه الى الجوانب الإنسانية، اذ تمكنت من توحيد الهم الإنساني وكونت جبهة دفاعية عن الكرامة الإنسانية، فلا تقل قضية الاعتداء على الأسمر الأمريكي بالأهمية عن العنف الاسري وبعض الموضوعات المتعلقة بالجوانب الاسرية والاجتماعية لم نكن نعلم بها او نحيطها لولا انتشارها على الشبكات الاجتماعية واخذها قدرا ليس بالقليل من الاهتمام.

ولا حظنا كم كانت تلك الشبكات قوية عندما أجبرت الملايين على التعاطف مع حادثة ريان الطفل المغربي الذي سقط في البئر وتمكنت قوى الإنقاذ من إخراجه بعد خمسة ايام من المحاولات المستمرة وفارق الحياة، إذا لا يمكن ان يستهان بقدرة الشبكات الاجتماعية وعبر الحملات التي تطلق عليها على ترتيب اهتمامات واولويات الجمهور المستخدم لها ومختلف المجالات.

اما على المستوى السياسي فكان لمواقع التواصل الاجتماعي الدور الكبير في العديد من الاحداث الدولية والداخلية، حتى وصل الامر الى اتخاذ بعض القرارات المهمة على ضوء ما يروج له على تلك المواقع، كالقرارات المتعلقة بدفع المستحقات المالية لبعض الشرائح، والمناشدات التي تطلق لتحسين الأوضاع المعيشية وإصلاح الخلل في منظومات الكهرباء ومعالجة البطالة والقضاء على الفساد.

وجراء الاهتمام بما ينشر على مواقع التواصل فقد رأينا العديد من الاستجابات لمناشدات يطلقها أطفال يعانون من مشكلة ما او لديهم حلم يحاولون تحقيقه، كالطفلة التي تروم لقاء شخصية دينية مرموقة، وآخر يريد الحديث مع رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، وبالفعل كان لهم ما أرادوا، وهذه ليست حوادث معزولة، ولا تمثّل مجرد ضجيج صاخب وعابر، بل أصبحت حقائق ملموسة لا يمكن تجاوزها.

وقد أسهمت الشبكات الاجتماعية بإقناع أصحاب النفوذ وصانعي القرارات بإيجاد الحلول وتنفيذها على الفور، حرصا منهم على عدم تأليب الرأي العام، اذ تمثل هذه الحملات الإعلامية والاجتماعية وسائل للتصحيح الذاتي بطريقة ديمقراطية، وتخرج القصة من الحيز الضيق الى فضاء رحب تتنفس فيه الصعداء وتأخذ مهمتها لممارسة الضغط والحصول على حلول من السلطات المختصة.

ولكل شيء وجهان ومع جل الإيجابيات التي ذكرت هنالك استثناءات سلبية، تدعونا لعدم الانجرار وراء النوايا الخبيثة التي تقف وراءها جهات او جماعات لا تحب الخير للبشرية، وتسعى لبث الأفكار السلبية بين الأوساط المجتمعية، لذا ومن باب المسؤولية الاجتماعية تقع على عاتق الشخصيات والجهات الفعالة على مواقع التواصل الاجتماعي مسؤولية كبيرة وهي عدم الاقتراب الى ما يؤثر على الأفكار الإيجابية والداعمة للمجتمعات والمحافظة على ديناميكية حركتها.

مواقع التواصل الاجتماعي لم تأخذ هذا الكم من النفوذ لولا تعاطي الافراد معها وتشكيل وحدة متكاملة من جبهتين تقوي احداهما الآخر، وعلى الرغم من انها لم تكن العامل الأساس لحل اغلب المشاكل او تشخيصها، لكنها نجحت في تسخير هذا النفوذ لخدمة القضايا الإنسانية واتاحت فرصة التفكير معا لإيجاد حلول بشكل مدروس لتحقيق التغيير الفعلي.

اضف تعليق