منذ فترة يراودني سؤال عن حقيقة العلاقة بين الحبّ، والممارسة الجنسية بين الرجل والمرأة؟! فهل يصح أن نطلق على شاب مشحون بطاقة جنسية، يميل بغريزته الى فتاة –في أي مكان- بأنه وقع في حب هذه الفتاة؟!

ربما يكون للمناخ الاجتماعي المحافظ، مدخلية في الاستعانة باللغة لاستعارة مفردة محببة للنفوس لتكون عنواناً لهذا المطلب الغريزي، بيد أن الفارق الكبير بين الحب ذو المفهوم والدلالة الواسعة، وما يحمله من معانٍ مقدسة، والرغبة الجنسية العابرة، تفسر لنا جانباً من أزمة اجتماعية متفاقمة يتخبط بها الناس منذ سنوات، فقضايا الطلاق على طاولات المحاكم، وانتشار العقد النفسية، والكآبة، واليأس بين شريحة من الشباب، تمثل الوجه الآخر للعلاقات الرومانسية تحت عنوان "الحب".

الحب في زمن السرعة

ربما تكون ثمة علاقة بين عصر السرعة في العمل والانتاج منذ اواسط خمسينات القرن الماضي، وسقوط الانسان بين عجلات اقتصاد السوق، وبين تسهيل الأمر لهذا الانسان المُتعب والمرهق من ساعات العمل الطويلة؛ رجالاً ونساءً، ليجد الفسحة الزمنية لتلبية رغبته الجنسية التي تتكفل بتحقيق حالة من الانبساط نفسياً وجسدياً –ولو لدقائق معدودة-، فقد أدرك القائمون على الاقتصاد العالمي وجود آثار توتر في نفوس العمال والتقنيين، وكل العاملين في المصانع والبنوك والشركات التجارية بسبب تراكم العمل والالتزامات الصارمة، مما حداهم لفتح نوافذ لتغيير الجو من خلال حملة واسعة من الاصدارات الأدبية؛ من مجلات وصحف، وقصة ومسرحية، وايضاً الانتاج التلفزيوني والسينمائي، الى جانب دعم ومساندة الحفلات الغنائية بتغطية اعلامية ودعائية متميزة، فضلاً عن إفساح المجال أمام البِغاء ليكون مهنة معترف بها في بعض المدن الغربية، ثم سنّ القوانين الداعمة للإجهاض لتأخذ الحرية الجنسية طريقها بسلاسة في حياة الناس.

وفي بلادنا الاسلامية وجد هذا الحل مكانه بسرعة مذهلة في الحياة الاجتماعية، مع بعض الفوارق، بسبب ضغوط من نوع آخر يتعلق بالاجواء السياسية المحتقنة، الى جانب التخلف الاقتصادي والعلمي القائم اساساً، فلم تعد الفرصة متاحة لأولياء الأمور لتربية الابناء على الحشمة والعفة، بل وتقديم الصورة الصحيحة للجنس وفق النظام والاحكام التي جاءت بها السماء، مما تسبب في انتشار ظاهرة المعاكسات والعلاقات المحرمة بين الشباب والشابات تحت عنوان "الحب"، و كان الدور الكبير والفاعل في إذكاء نار الغريزة الجنسية، يعود الى المسلسلات التلفزيونية، والافلام السينمائية، وبعض الاعمال الفكرية والأدبية المحفّزة، ثم جاء الانترنت ليعزز هذا الدور ويزيد بالإثارة بشكل مكثف وبلا حدود.

هذه الإثارة الجامحة هددت بشكل مريع معاني ودلالات الحب بأبعاده الواسعة المشتملة للعلاقات العاطفية ذات الطابع النبيل في الوسط الاجتماعي، مثل علاقة الأم بأبنائها، وعلاقة الزوج بزوجته، وعلاقة الأخ بأخيه، وهكذا؛ سائر العلاقات الودية بين الأفراد، ثم تهديد الدائرة المعنوية الأوسع لمفهوم الحب، في تهميش العلاقة الودية بين الانسان و ربه، وبينه وبين الأولياء الصالحين، وبينه وبين القرآن الكريم، وبين منظومة القيم والمبادئ، لان الحب تقيّد فقط وفقط للجنس الآخر المثير للغريزة، علماً أن القرآن الكريم في خطابه المعرفي يؤكد غير مرة في آياته الكريمة على مكانة الحب في تحقيق النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة، وأن من أهم عناوين الانسان المؤمن هو أنه يُحبّ الله، ويُحبّهُ الله –تبارك وتعالى-.

وقد جَرَت المحاولات –وما تزال- لتبيين حقيقة الأمر، وأن الحب، ليس فقط حقٌ مشروع، بل هو عامل بناء للعلاقات الاجتماعية السليمة، إنما يحتاج الأمر الى صبر وتأنّي لاستحصال النتائج، وكما قال أحد الاصدقاء الظرفاء، بان من فنون العلاقات الزوجية الناجحة، فتح حساب للحب في قلب الزوجة، تشحنه بما تستطيع من الالتفاتات الكريمة، والمواقف النبيلة، والثناء والترحيب، بما ينفعك في قادم الأيام عندما تكون في عسرة مالية، او نفسية، فتأتيك النتيجة لتلك المواقف الايجابية برصيد يمسح عنك كل الهموم والغموم.

بيد أن مشكلة البعض؛ تغييب العقل مقابل تغوّل الشهوة العابرة، والتسرّع في اتخاذ قرارات يحسبون أنهم بها يُحسنون صُنعا، ولا أدلّ على ما نقول؛ من العلاقات الشائعة بين الشباب والشابات في أماكن مختلفة، يقولون أنها بهدف الزواج تحت شعار "الحب"، ولكن الأيام واختبارات المال، والجاه، والوعود الكبيرة غير الواقعية، تكشف اللثام عن المستور داخل النفوس.

و لإيجاد مخرج من مشاهد الانتحار والانتقام والامراض النفسية، انطلق علماء النفس، وعلماء التنمية بحثاً في الطاقات الايجابية، والبدائل الممكنة، فنصحوا المرأة بأن تكون قوية تارة، وذكية تارة أخرى، في محاولة منها لتسكين الآلام المبرحة للقلوب بسبب جذور المشكلة المتأصل في نفوس البعض.

وفي الآونة الاخيرة خرجت بحوث اكاديمية تضع هذا الحب على طاولة المشرحة وتكشف حقيقته، منها ما سلطت الضوء عليه الباحثة واستاذة علم الاجتماع في الجامعة العبرية بالقدس؛ إيفا إيلوز، وتوصلت في كتابها الصادر عام 2020 بعنوان "انتهاء الحب.. سوسيولوجيا العلاقات السلبية"، الى أن انحراف الحب، كمفهوم وتطبيق عملي عن مساره الصحيح، بسبب النزعة الفردية التي ثقفت لها "الرأسمالية الاستهلاكية" التي هيمنت على العقول ودفعت الناس للتفكير بذواتهم وبالجنس الآخر كسلعة في السوق قابلة للاستبدال. ثم وضعت هذه الباحثة يدها على الجرح، ربما للمرة الأولى، عندما اشارت الى دور شركات الازياء ومستحضرات التجميل، وانتاج المواد الاباحية، "لتحويل الرغبة الى أداء سطحي"، ثم اشارتها الى استبدال القيم الاجتماعية "بالتوافق"، وفي نهاية المطاف تصل الى النتيجة النهائية في التأثير السلبي العميق للعلاقات التوافقية على نفسية المرأة تحديداً عندما تجد نفسها وقد تحولت على حين غرّة، الى مجرد وسيلة لاشباع رغبة الرجل "في حين تميل وترغب في إقامة علاقات قائمة على التقدير الشخصي"، وهو الأمل الكاذب الذي طالما يداعب آذان الفتيات والنساء خلال جولات التنزه في الحدائق والمطاعم، ومؤخراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

العقل الإطار الجميل للحُب

ما تزال المحاولات جارية من علماء وباحثين لمعالجة الآثار السلبية للعلاقات الرومانسية الفاشلة بسبب الفهم الخاطئ للحُب، يغلب عليها الطابع "الميكانيكي"، إن جاز التعبير، والاجراءات السطحية المرتكزة على أعمال وممارسات معينة، بناءً على أفعال، و ردود أفعال عكسية، تُحسب من نشاطات الدماغ والجهاز العصبي، وحتى الابحاث الجديدة الكاشفة لاساس المشكلة التي أشرنا اليها، فهي تبىقى مجرد تشخيص للمرض دون حلول جذرية، في حين ثمة حلول نابعة من ذات الانسان، تتيح له فرصة التحكم واتخاذ القرار الصائب مع الأخذ بنظر الاعتبار النتائج المتوقعة لتفادي الفشل.

كتب العلماء كثيراً في ضرورة الاحتكام الى العقل كقوة عظيمة موهوبة من السماء تساعد النفس البشرية على كشف الحقائق، وبمقدار وجود هذا النور يكون الانسان في مأمن من ارتكاب الخطأ، لاسيما فيما يتعلق بمفهوم الحُب، وتحديد علاقته بالممارسة الجنسية، وقد استند العلماء في بحوثهم على القرآن الكريم مستلهمين مفردة "الهوى" التي تغيّب العقل عن النفس البشرية، وتلقي بصاحبه في أعماق الغفلة والجهل، والآيات الكريمة واضحة في التحذير من الهوى، بالمقابل؛ الدعوة والترغيب لاحتكام العقل للتفكّر والتأمل وحساب النتائج.

والحلقة المهمة لانجاح العملية؛ الإرادة، فهي التي تدفع لاحتكام العقل، او الانحناء للأهواء والرغبات، وهذه الحلقة نقرأها في الادبيات؛ "حرية الاختيار" بعيداً عن الالتزامات الخارجية، من قيم مجتمعية، او أحكام دينية، فاذا كان الانسان يعد نفسه حراً بحق وصدق من أعماق نفسه، فعليه وضع نفسه في اختبار الاسئلة عن دوافعه لخوض هذا النوع من الحبّ، ومن هذه الاسئلة: هل بالامكان النظر في بدائل أخرى تلبّي الحاجة الجنسية بشكل صحيح؟ ومنها ايضاً؛ "هل ان الناس كلهم يرون مثل ما أرى؟ دعني أجعل نفسي مكانهم وأتصور ما اذا كانوا فعلاً يعتقدون بما اعتقدت به"، وهي نفس النقطة التي بدأ علماء النفس والتنمية هذه الايام بالتركيز عليها والدعوة الى المعيارية الاجتماعية، الى جانب المعيارية القيمية، وهذا يساعد النفس البشرية على تحفيز الإرادة للبحث عن الأصوب والأحسن من الخيارات دفعاً للضرر.

وهنا نكتشف الخطأ القاتل للسابقين بأن "العقل لا يعدو كونه مجموعة أحكام سابقية، وأن النفس هي التي تفكر وتتصور، ومادام الانسان لا يدرك كل الواقع فما الذي يحملنا على الاعتراف بكل الواقع، بل نعكس ونقول: ان ما لا يدرك فهو غير موجود، ولقد انطوت هذه الفلسفات على ضلالة بعيدة نشأت عن الغفلة عن نور العقل الذي فضح النفس ويكشف تأثيراتها، ولذلك فهي لا تستطيع ان تحجب عن الانسان الحقيقة بسبب تأثراتها".

هذا هو المنهج المتبع في الثقافة الغربية، بل وفي ثقافة الحضارة المادية التي ترتكز على جانب الانفعال والقلق في النفس البشرية، دون النظر في الجوانب المشرقة التي يقودها العقل، ليس فقط الى الاختيار الصحيح، وأن تكون علاقته الرومانسية مع الفتاة المُفضلة باتجاه الزواج وتشكيل الأسرة والانجاب –مثلاً- بل وأبعد من ذلك؛ لصقل مفاهيم أعظم في الحياة ذات مدخلية في تحقيق السعادة مثل؛ الإخلاص، والرضى، واليقين، وهي كلها –وغيرها- من الخصال والفضائل، تمثل نتاج لقوة الصبر والتفكّر بنور العقل بما في الواقع الحاضر، وفي المستقبل.

اضف تعليق