بقلم: نوكوكانيا مسومي، وريتشارد ليسيلس، وكوليكا مليسانا، وتوليو دي أوليفيرا

الإخفاق في توفير اللقاحات المضادة لـ«كوفيد-19» للشعوب التي ارتفعت فيها معدلات الإصابة بصورة متقدمة ولا يمكن السيطرة عليها من فيروس نقص المناعة البشرية، يجعل المصابين بهذا الفيروس أكثر عُرضة للخطر، وقد يُسفر عن ظهور سلالات متحوِّرة من فيروس كورونا الجديد.

بوصفنا علماء وممارسين إكلينيكيين يعملون في مستشفيات ومختبرات من جميع أنحاء جنوب إفريقيا، فقد شاهدنا بأنفسنا مدى الدمار الذي جلبه «كوفيد-19» إلى البلد. وكثير من زملائنا (ومن بينهم علماء ومتخصِّصو رعاية صحية بارزون) فقدوا حياتهم. وقد لاحظنا كذلك مدى تزايُد الصعوبات التي أضحى المصابون بفيروس نقص المناعة البشرية يواجهونها من أجل تلقي العلاج ومتابعة حالتهم الصحية. وهو ما أدَّى إلى إيداع مزيدٍ منهم المستشفيات لتلقي العلاج من أمراض خطيرة، مثل السل والتهاب السحايا الفطري.

وفي ضوء التغيّرات العالمية التي تطرأ على خلفية جائحة «كوفيد-19» -من الانتقال من مواجهة الأزمة على الأمد القصير إلى وضع تدابير صحة عامة للتصدي للجائحة على المدى الطويل- نحثُّ الحكومات، ووزارات الصحة، والباحثين، والجهات المعنية الأخرى حول العالم على تكريس مزيدٍ من الاهتمام والموارد لدراسة التفاعلات بين جائحة «كوفيد-19» وفيروس نقص المناعة البشرية.

فعديدٌ من الدراسات التي أُجرِيت قبل طرح اللقاحات المضادة لـ«كوفيد-19»، أظهرت أن احتمالية وفاة المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية جرَّاء الإصابة بـمرض «كوفيد-19» تزيد بمعدل يتراوح بين 30 و50% عنها بين غير المصابين بهذا الفيروس. وفوق ذلك، قد يُفضي الإخفاق في التعامل العاجل مع الجائحة في البلدان ذات المعدلات المرتفعة من الإصابة بصورة متقدمة لا يمكن السيطرة عليها من عدوى فيروس نقص المناعة البشرية، إلى نشوء سلالات متحوِّرة من فيروس كورونا «سارس-كوف-2»، تكون قادرة على الانتشار بسهولة أكبر بين الأفراد، أو تخفِّض فاعلية اللقاحات المضادة لـ«كوفيد-19». من جهة أخرى، يمكن كبح جماح كلا المَرضين بمزيد من الفاعلية إذا جرى التصدي لهما في آن واحد، عبر إجراءات صحة عامة تعزِّزها الدروس المستفادة من كليهما.

تحليل المخاطر

في عام 2020، أنشأت منظمة الصحة العالمية منصة للبيانات الإكلينيكية القياسية التي جُمِعت بخصوص الأفراد الذين اشتُبه في إصابتهم بـ«كوفيد-19»، أو الذين تأكَّدت إصابتهم به. وكشف تحليل أوَّلي لهذه البيانات المستقاة من 37 دولة (ومعظمها صادر عن جنوب إفريقيا) أن احتمالية وفاة المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية ممن أودعوا أحد المستشفيات جرَّاء الإصابة بـ«كوفيد-19» تزيد بمعدل 30% عنها بين غير المصابين بهذا الفيروس، باحتساب تأثيرات عوامل أخرى1.

وفي دراسة أكثر تفصيلًا2 لبيانات الحالات التي أُودعت مستشفيات جنوب إفريقيا، لم ترتفع احتمالية الوفاة جراء الإصابة بـ«كوفيد-19» إلا بين المصابين بصورة متقدمة من عدوى فيروس نقص المناعة البشرية. إذ عانى الأفراد في هذه المجموعة من ضعف مناعي حاد؛ فكان تعداد الخلايا التائية من نوع CD4 لديهم أقل من 200 خلية لكل ميكرولتر، مقارنة بتعداد يتراوح بين ـ500 خلية و1500 خلية لكل ميكرولتر لدى غير المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية. (الخلايا التائية خلايا دم بيضاء تضطَّلع بدور محوري في مكافحة العدوى). وفي تحليل شمل 3.5 مليون شخص من سكان مقاطعة ويسترن كايب في جنوب إفريقيا (كان نحو 500 ألف شخص منهم يعاني من الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية)، وُجد أن احتمالية وفاة المصابين بهذا الفيروس جرَّاء مرض «كوفيد-19» تزيد بمقدار الضعف عنها بين غير المصابين به (انظر المرجع 33)، في حين كانت هذه الاحتمالية أكبر بأربعة أضعاف بين المصابين بصورة مُتقدمة لا يمكن السيطرة عليها من عدوى فيروس نقص المناعة البشرية.

وتشير تقارير أخرى صدرت على مدار العام الماضي من دول مختلفة إلى أن الأفراد الذين يعانون من ضعف الجهاز المناعي قد تمتد إصابتهم بعدوى فيروس «سارس-كوف-2» عدَّة أسابيع أو أشهر. (وعلى العكس من ذلك، فإن الأفراد الأصحاء الذين يصابون بالعدوى يتعافون منها في المتوسط خلال أسبوعين تقريبًا). وقد وُثق حدوث تلك الإصابات الممتدة بالعدوى بالدرجة الأولى بين أوساط الأفراد الذين تلقوا علاجًا كيميائيًّا مقاوِمًا للسرطان، وغير ذلك من العوامل المثبطة للمناعة، إلا أن هذه الإصابات لوحظت كذلك بين المصابين بصورة متقدمة لا يمكن السيطرة عليها من فيروس نقص المناعة البشرية.

وقد أشار بعض الباحثين إلى أن طول آماد حالات العدوى قد يُفسِّر ظهور "السلالات المتحورة المثيرة للقلق" من فيروس «سارس-كوف-2 »4. وتلك السلالات المتحوِّرة لديها قدرة أكبر على الانتشار مقارنة بفيروس «سارس-كوف-2» الذي اكتُشف بداية، أو قادرة على الإفلات جُزئيًا من الاستجابات المناعية الناجمة عن الإصابة بالعدوى أو التطعيم. وقد أوردنا في شهر يونيو الماضي توصيفًا لإصابة استمرَّت لأكثر من ستة شهور بفيروس «سارس-كوف-2»، لدى مريض كان مصابًا أيضًا بصورة مُتقدِّمة لا يمكن السيطرة عليها من عدوى فيروس نقص المناعة البشرية5. وقد كشفت فحوص تعيين التسلسل الجينومي المتكررة عن تغيرات كبيرة شهدها تطوُّر فيروس «سارس-كوف-2». كما أن بعض سلالات هذا الفيروس المتحوِّرة التي أخذت في الظهور، احتوى على طفرات مماثلة لتلك التي لوحظت في السلالات المتحوِّرة الثلاث المثيرة للقلق.

جملة القول أن طول أمد الإصابة بـ«كوفيد-19» بين الأفراد الذين يعانون اضطرابات مناعية يجعل بزوغ السلالات المتحورة الأكثر قدرة على الانتشار من السلالة المتحورة «دلتا»، أو القادرة على إضعاف فاعلية لقاحات «كوفيد-19» المتوافرة حاليًّا، أمرًا واردًا ومنطقيًا.

أزمة فيروس نقص المناعة البشرية

يعيش اثنان من كل ثلاثة مصابين بفيروس نقص المناعة البشرية حول العالم في الدول الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى. وفي العام الماضي، تلقَّى 19.5 مليون شخص في هذه المنطقة علاجًا مضادًا للفيروسات القهقرية، يتمثَّل في مزيج من العقاقير التي تمنع فيروس نقص المناعة البشرية من التنسّخ، ومن ثمَّ تُقلل الضرر الذي يلحقه الفيروس بالجهاز المناعي. وقد ارتفع هذا العدد من 12.1 مليون شخص قبل 5 سنوات. وهي زيادة ترجع إلى حدٍ كبير لتبنّي الحكومات الإفريقية قدرًا أكبر من الالتزام بالتصدّي لأزمة فيروس نقص المناعة البشرية، وإبرامها اتفاقيات مع منتجي العلاجات المضادة للفيروسات القهقرية من أجل خفض أسعارها، إلى جانب تلقّيها مزيدًا من التمويلات المُقدَّمة من بعض المنظمات مثل خطة رئيس الولايات المتحدة الطارئة للإغاثة من الإيدز (PEPFAR)، والصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا.

من جهة أخرى، يوجد 8 ملايين مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية في الدول الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى (يُشكِّلون نحو 21% من إجمالي 37.7 مليون مصاب بالفيروس حول العالم)، ولا يتلقّون علاجًا فعالًا مضادًا للفيروسات القهقرية. ويواجه بعضهم صعوبة في الوصول إلى العيادات من أجل تلقي العلاج. وبعضهم الآخر قد لا يعي بتوافر اختبارات للكشف عن المرض وخيارات لعلاجه، أو يخشى التواصل مع مُقدِّمي الرعاية الصحية خوفًا من الوصم، إلى جانب أسباب أخرى.

فضلًا عن ذلك، لا تزال جائحة «كوفيد-19» تُعطِّل إلى حدٍ كبير برامج علاج فيروس نقص المناعة البشرية والوقاية منه.

ويرجع جزء من المشكلة إلى ما تعانيه أنظمة الرعاية الصحية من إجهاد. إذ لَقي ما يزيد على 1300 شخص من مُقدِّمي خدمات الرعاية الصحية حتفَهم بفعل الإصابة بـ«كوفيد-19» في الفترة ما بين مارس عام 2020 حتى أغسطس عام 2021 في جنوب إفريقيا وحدها. وقد هَجَرت آلافٌ إضافية منهم المهنة بسبب تأثير «كوفيد-19» في صحتهم العقلية والجسدية، حسبما ورد في تقرير صادر عن المجلس الدولي للتمريض. إضافة إلى ذلك، انخفض حجم التمويل الدولي المُخصَّص لمواجهة فيروس نقص المناعة البشرية. على سبيل المثال، قلَّصت حكومة المملكة المتحدة إنفَاقها على المعونات الدولية هذا العام، وهو ما أدَّى إلى خفض تمويلات ما يزيد على 80% من المنظمات الرئيسية التي تلعب دورًا في الاستجابة العالمية لفيروس نقص المناعة البشرية، بما فيها برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بمواجهة فيروس نقص المناعة البشرية / متلازمة نقص المناعة المكتسب (الإيدز)، والذي يُعرف اختصارًا بـاسم (UNAIDS).

وهكذا تقلَّص حجم خدمات الفحص والوقاية الطبية التي تلعب دورًا محوريًا في 13 دولة يدعمها الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا، بين عامي 2019 و2020. ويقع 12 من هذه الدول في إفريقيا. ومقارنة بعام 2019، فقد انخفض معدل اختبارات الكشف عن فيروس نقص المناعة البشرية بنسبة 22%، كما انخفض بنسبة 27% معدل الختان الطبي التطوِّعي للذكور، الذي يحدُّ من انتقال هذا الفيروس عبر الممارسة الجنسية بين الذكور والإناث بنسبة 60%. وانخفض عدد الأمهات اللاتي يتلقين أدوية تمنع نقل الفيروس إلى أطفالهن الرضع بنسبة 4.5% (انظر المرجع 66).

وفي هذه الأثناء، يُغفل تمامًا توزيع أدوات تشخيص «كوفيد-19»، وعلاجه، ولقاحاته في إفريقيا، بينما يجري توزيعها في عديد من مناطق العالم. فمع حلول منتصف شهر نوفمبر الماضي، بلغت نسبة من اكتمل تطعيمهم ضد المرض حول العالم 40%، في حين تقل هذه النسبة في إفريقيا عن 7% (انظر القسم المُعنوَن "إفريقيا المنسية" في هذا المقال). ففي إفريقيا، كما في البقاع الأخرى، تُمنح لكبار السن -كما ينبغي- أولوية تلقي التطعيمات ضد هذا المرض. بَيْد أن هذا يعني تأخيرًا أكبر في تطعيم الفئة الأهمّ من الأفراد ضعاف المناعة بالقارة. فقرابة 80% من المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية في إفريقيا تقلّ أعمارهم عن 50 عامًا7.

وقد كان الهدف الرئيسي من مبادرة «إسراع إتاحة لقاحات كوفيد على الصعيد العالمي» COVAX -التي أطلقتها في أبريل عام 2020 منظَّمات متنوعة، من بينها منظمة الصحة العالمية، بهدف توزيع اللقاحات على الدول سواء منخفضة الدخل أم متوسطة الدخل- هو إتاحة ملياري جرعة من لقاحات «كوفيد-19» مع نهاية عام 2021. بَيد أنه بحلول منتصف نوفمبر من العام نفسه، لم يتوافر سوى 507 ملايين جرعة، ويُعزَى ذلك إلى حدٍ بعيد إلى إخفاق الدول المانحة في الوفاء بتعهداتها.

وهذه العوامل مجتمعة جعلت الدول الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى عُرضة بدرجة كبيرة للاجتياح المستمر وتفاقم انتشار «كوفيد-19»، وفيروس نقص المناعة البشرية. وسوف تؤثِّر هذه العوامل سلبًا كذلك في باقي بلدان إفريقيا والعالم أجمع.

عصفوران بحجر واحد

نحثُّ الأطراف المعنية على الالتزام بتحقيق أربعة أهداف، نعرضها في ما يلي:

تطعيم شعوب قارة إفريقيا: لحماية الأفراد المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية من «كوفيد-19»، يجب تجديد الالتزام بتحقيق العدالة في توزيع اللقاحات بين الدول. ولا بدَّ أن تتبنَّى الدول مرتفعة الدخل والمبادرات متعدِّدة الأطراف، على غرار مبادرة «إسراع إتاحة لقاحات كوفيد على الصعيد العالمي» هذا الالتزام8 فبالإضافة إلى الحجج الأخلاقية الداعمة للتصدي للنَزَعات القومية في توزيع اللقاحات وخفض أعداد الوفيات عالميًّا، تدل البيانات المتاحة بقوة على أن تطعيم سكان إفريقيا سوف يساعد على تقليل معدلات انتشار العدوي عالميًّا، ويحدّ من نشوء السلالات المتحوِّرة الجديدة، ويسرّع خطى جهود السيطرة العالمية على الوباء9.

إعطاء أولوية للأبحاث: ثمة عدّة فجوات معرفية تشوب فهمنا للتفاعلات بين مرض «كوفيد-19» والإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، ولا بدَّ من علاج هذه الفجوات على وجه السرعة كي نرشَّد جهود وسياسات التصدّي لكلا المرضين في مجال الصحة العامة.

وقد تكشف دراسات إكلينيكية وأولية أخرى ما إذا ما كان طول أمد العدوى بـ«فيروس سارس-كوف-2» لدى مَن يعانون صورة مُتقدِّمة ولا يمكن السيطرة عليها من عدوى فيروس نقص المناعة البشرية معتادًا أم شديد الندرة، وما إذا كان ذلك النوع من العدوى يحدث حتى بعد تلقّي هؤلاء الأفراد التطعيمات. بَيْد أن دراسة التفاعلات بين «كوفيد-19» وفيروس نقص المناعة البشرية يجب ألا تصرف الاهتمام عن تقديم الرعاية اللازمة والعاجلة للمصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، لا سيّما توفير العلاجات المضادة للفيروسات القهقرية، أو أنواع جديدة من هذه العلاجات، إذا لم تفلح الأنواع السابقة منها.

وعلى الرغم من أن لقاحات «كوفيد-19» ثبت أمانُها للمصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، فثمة بعض الإشكاليات المُتعلِّقة باستراتيجيات تطعيمهم بهذه اللقاحات.

فبوجهٍ عام، نسبة المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية المشاركين في المرحلة الثالثة من التجارب على لقاحات «كوفيد-19»، التي أجرَتها شركات «فايزر» Pfizer، و«بيونتك» BioNTech، و«موديرنا» Moderna، و«أسترازينكا»Astrazeneca ، وجونسون آند جونسون Johnson & Johnson، تقل عن 1%. (وجميع هذه التجارب أثبتت أمان هذه اللقاحات وفاعليتها، لكن لا تزال متابعة أحوال المشاركين في التجارب مستمرة). وفي الواقع، كشفت دراساتنا أن تجارب المرحلة الثالثة الخاصة ببعض اللقاحات التي يجري توزيعها حاليًّا في إفريقيا (مثل لقاحات سينوفارم وسينوفاك وسبوتنيك) قد أقصَت المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية من المشاركة فيها.

ويبدو أن الأفراد الذين يتلّقون العلاجات المضادة للفيروسات القهقرية، مِمن أمكن السيطرة على أعراض إصابتهم بفيروس نقص المناعة البشرية، يُظهرون استجابات مناعية بفعل لقاحات «كوفيد-19»، تشبه استجابات الأفراد غير المصابين بهذا العوز المناعي 11،10. بَيْدَ أن عدّة دراسات رصدية تشير إلى أن الاستجابات المناعية التي تحفّزها اللقاحات المضادة لـ«كوفيد-19» قد تكون أضعف في الأفراد الذين ينخفض لديهم تعداد الخلايا التائية من نوع CD412. ويتَّسق هذا مع ما نعرفه عن استجابات الجهاز المناعي لدى المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية للقاحات الأخرى13.

وتشير بيانات التجارب الإكلينيكية إلى أن الجرعات الإضافية من لقاحات «كوفيد-19» ربما تُعزّز الاستجابة المناعية لدى المجموعات الأخرى من الأفراد المصابين باضطرابات مناعية14 مثل الأفراد الذي خضعوا لعمليات نقل أعضاء ويتلقّون علاجًا لكبح الجهاز المناعي.

وبالفعل، فإن المبادئ التوجيهية الدولية، مثل تلك الصادرة عن الجمعية البريطانية لعلاج فيروس نقص المناعة البشرية، ومراكز الولايات المتَّحدة الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، توصي مقدِّمي الرعاية الصحية بإعطاء جرعات إضافية للمصابين بصورة مُتقدِّمة ولا يمكن السيطرة عليها من عدوى فيروس نقص المناعة البشرية. إلا أن حكومات الدول سواء منخفضة أم متوسطة الدخل قد تطالب بتوفير أدلة علمية أقوى على وجوب ذلك، قبل أن تموِّل توزيع جرعات إضافية للفئات المصابة باضطرابات مناعية. ولم يتَّضح بعد أي من الفئات الفرعية المصابة بفيروس نقص المناعة البشرية قد يستفيد من هذا الإجراء، وما التوقيت الأمثل للتطعيم بجرعات إضافية من لقاحات «كوفيد-19»، لا سيّما حال المصابين الذي يبدؤون علاجًا مضادًا للفيروسات القهقرية أو يستأنفونه.

ومع طرح لقاحات في البلدان التي ترتفع بها معدلات الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، يجب أن تدعم الحكومات، تحت قيادة منظمات مثل منظمة الصحة العالمية والمراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، أنظمة مراقبة ومتابعة لتقييم فاعلية اللقاحات المضادة لـ«كوفيد-19» لدى المصابين بهذا الفيروس.

الاستمرار في تقديم الخدمات للمصابين بفيروس نقص المناعة البشرية. على الحكومات ووزارات الصحة والمنظمات، مثل خطة رئيس الولايات المتحدة الطارئة للإغاثة من الإيدز، والصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا اتخاذ خطوات عاجلة لضمان ألا يضيع التقدم المُحرَز على مدار السنوات القليلة الماضية في مجال السيطرة على وباء فيروس نقص المناعة البشرية.

وقد عمد مقدّمو خدمات الرعاية الصحية في مختلف الدول الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى إلى مقاربات متنوِّعة سعيًّا إلى منع تعطّل الخدمات الصحية الأساسية بسبب وباء «كوفيد-19». ومن بين المقاربات التي اتَّبعتها برامج مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية تقديم علاجات مضادة للفيروسات القهقرية تكفي عدة أشهر، بدلًا من شهر أو شهرين، وتوفير هذه العلاجات أو وسائل فحص تعداد خلايا CD4 التائية في المنازل أو المراكز المجتمعية. وكذلك إتاحة خدمة حجز المواعيد مع الأطباء على الإنترنت15 ويمكن لمقدِّمي خدمات الرعاية الصحية وغيرهم الاستفادة من الخبرات التي اكتسبوها على مدار العامين الماضيين لتحديد أنسب الطرق للتوسّع في الاستراتيجيات الصحية الفعالة مستقبلًا.

وعلى المدى الطويل، تستطيع الجهات الصحية المعنيّة كذلك استخدام بعض الابتكارات التي برزت في أثناء الاستجابة العالمية لـ«كوفيد-19» للتصدِّي لفيروس نقص المناعة البشرية. على سبيل المثال، الإنجازات المُذهِلة التي أُحرزت على صعيد تتبُع انتشار حالات الإصابة والوفاة، وعلى صعيد المراقبة الجينومية، وتبادل البيانات، أبرزت كم الاستفادة التي يمكن أن يُحقِّقها "فهم الوباء" في تطوير وإرشاد سياسات الصحة العامة للتصدّي له على المستويات العالمية والوطنية والمحلية.

وفي الواقع، إلى جانب جهود التعاون الباهرة التي بُذِلَت لمكافحة جائحة «كوفيد-19» على الصعيد الدولي، أدَّت الجهود العلمية في ذلك الإطار إلى تعزيز التعاون البحثي المحلّي والإقليمي عبر إفريقيا، بما في ذلك التعاون في الأبحاث الإكلينيكية، وفي التجارب على اللقاحات والعلاجات، وفي مجالي الأمراض الوبائية ودراسات الجينوم 16-18. وينبغي للمجتمع العلمي الدولي دعم شبكات التعاوُن تلك وتوسيع نطاقها للمساعدة على التصدي لفيروس نقص المناعة البشرية وغيره من أولويّات الصحة العامة في إفريقيا، مثل مكافحة أمراض السل والملاريا والأمراض الاستوائية التي لا تحظى بالاهتمام الكافي.

تحقيق التكامُل بين الأنظمة الصحية: يجب على الحكومات ووزارات الصحة وبرامج مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية إيجاد طرق أفضل لتحقيق التكامُل بين خدمات التصدي لـ«كوفيد-19» وفيروس نقص المناعة البشرية. على سبيل المثال، توفير لقاحات «كوفيد-19» في العيادات والمراكز التي تتيح حاليًّا اختبارات الكشف عن فيروس نقص المناعة البشرية والعلاجات المضادة للفيروسات القهقرية قد يساعد على ضمان إعطاء المصابين بصورة مُتقدِّمة ولا يمكن السيطرة عليها من هذا الفيروس أولوية في تلقي هذه اللقاحات، بما في ذلك أي جرعات إضافية قد يُوصَى بمنحها.

وبالمثل، ينبغي إتاحة اختبارات الكشف عن فيروس نقص المناعة البشرية في مراكز التطعيم ضد «كوفيد- 19» في الدول التي تعاني من ارتفاع معدلات الإصابة بهذا الفيروس. وحاليًّا، توصي منظمة الصحة العالمية بأن يتاح لسكان هذه الدول إجراء اختبار الكشف عن فيروس نقص المناعة البشرية كلما تواصلوا بأي شكل مع النظام الصحي. (وهو ما يحدث بشكل متقطع على أرض الواقع). ومن ثمًّ، فإن توفير خدمات الوقاية والرعاية المتصلة بـ«كوفيد-19» يتيح فرصة دعم الرعاية والعلاج المقدم لفيروس نقص المناعة البشرية.

وفي نهاية المطاف، فإن الجهود المتواصلة لضمان تشخيص المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية وضمان منحهم علاجات مضادة للفيروسات القهقرية، ثم متابعة حالتهم الصحية لضمان كبح الحِمل الفيروسي لديهم (انظر الشكل المُعنوَن نقص في علاجات فيروس نقص المناعة البشرية في إفريقيا) تضطلع بدور حاسم في تقليل الأعباء التي تتأتَّى مع الصورة المتقدمة من عدوى هذا الفيروس، ومن ثمَّ تحدّ من احتمالات إصابتهم بعدوى مُطوَّلة بفيروس «سارس-كوف-2». ومن الباعث على التفاؤل، أنه في دراسة الحالة التي أجريناها على مريض جنوب إفريقيا سالف الذكر، وجدنا أنه قد تعافَى من عدوى «سارس-كوف-2» في غضون ثلاثة أسابيع بعدما أُعطي علاجًا فعَّالًا لفيروس نقص المناعة البشرية.

تجنُب الوصم

أظهر العام الماضي أن التغاضِي المُبكِّر، والمستمر، عن آليات تطوُّر وباء «كوفيد-19» في إفريقيا، لم يكن في محله، والاكتفاء بمقارنة البيانات، التي جُمِعت باستخدام استراتيجيات اختبار وأنظمة إبلاغ مختلفة، عن حالات الإصابة والوفاة بهذا المرض عبر البلدان أو القارات ذات الخصائص السُكَّانية المُختلفة قد يعكس صورة مُضللة19. على سبيل المثال، أظهر تحليل مرحلي لحالات الوفاة الإضافية التي شهدتها دولة جنوب إفريقيا أن الوفيات الناجمة عن «كوفيد-19» قد تكون أعلى من الوفيات المُسجّلة بضعفين أو ثلاثة أضعاف، وأن دولة جنوب إفريقيا هي إحدى البلدان الأكثر تضرّرًا من الوباء في العالم (انظر go.nature.com/3r6dt3j). ولا شكّ أن ارتفاع احتمالات الوفاة الناجمة عن «كوفيد-19» بنسبة تتراوح من 30 إلى 50% بين الشباب، والذين يُشكِّلون الجزء الأكبر من قوة العمل قد يُسفر عن عواقب وخيمة على المدى الطويل.

من جهة أخرى، فإن المخاطر الواضحة التي تترتَّب على جذب الانتباه إلى التفاعلات بين «سارس-كوف-2» وفيروس نقص المناعة البشرية، تُعرِّض المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية لمزيد من الوصم. وقد تشجع كذلك على تطبيق إجراءات غير مُنصفة في مجال الصحة العامة (على غرار فرض القيود على السفر) إلى الدول التي ترتفع بها معدلات الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية.

على سبيل المثال، حظرت الولايات المتحدة دخول البلد على الأفراد من غير مواطنيها، ممن أثبتت التحاليل إصابتهم بفيروس نقص المناعة البشرية، وذلك لمدة 22 عامًا (ولم يُرفَع هذا الحظر سوى عام 2010). وكثير من الدول الأخرى، مثل أستراليا ونيوزيلاندا، لا يزال يرفض منح حقوق المواطنة للأفراد المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، حتى مع توافر العلاجات الفعالة المضادة للفيروسات القهقرية حاليًّا.

والسبيل الأمثل الذي ينبغي للحكومات اتّباعه لحماية مواطنيها، لن يكون بتعريض المصابين لفيروس نقص المناعة البشرية لمزيدٍ من الوصم، بل بالإسراع في توفير اللقاحات من أجل حماية الفئات الأكثر عُرضة للخطر في العالم. فبالتضامن العالمي وحده، لا بممارسة التمييز أو منع الموارد واكتنازها، سوف ننهي جائحة «كوفيد-19».

اضف تعليق