الوقت هو الثواني والدقائق والساعات التي تمر من عمر الإنسان، بدءاً من ولادته حتى رحيله، وتبقى مهمة وحاسمة في تشكيل الرحلة العملية الحياتية لكل إنسان، لكن هناك من يمنح الوقت أهمية قصوى في فترة الذروة من عمر الإنسان، فهل تقع الذروة في بداية العمر أو نصفه أو في أواخره ونهايته.

لقد ذكرنا قبل قليل أن الوقت مهم في جميع مراحل عمر الإنسان، وأن إدارته بطرائق صحيحة ومناسبة مطلوب دائما، وليست هناك مرحلة عمرية مسموح فيها تبذير الوقت أو هدره، ولكن عندما تهدر وقتك وأنت (شاب في مقتبل العمر)، لا يتشابه مع الهدر عندما تكون ضعيفا جسمانيا وحواسك وذكاؤك وذاكرتك في حالة ضعف أو سبات، مثلا حين تكون طفلا لا يعي أهمية الوقت ولا أهمية الحياة، مع أن الطفل يجب أن يُربّى على احترام الوقت والإنجاز منذ نعومة أظفاره.

الأمر يتعلق بقدراتك التي تتفاوت بحسب مراحل عمرك، ولهذا لا يمكن المساواة في هدر الوقت بين مرحلة الشباب والطفولة والشيخوخة أو نهاية عمر الإنسان!، بمعنى على الإنسان أن يستثمر وقته وهو في كامل قواه الجسدية والحيوية، ويستمر في ذلك مع تقادم السنّ، لكن هناك عنصر مهم سوف يظهر في حياة الإنسان وهو يتقدم في العمر، ألا وهو تراكم الخبرات الذي يجعل إدارة الوقت أفضل وأدق وأكثر فائدة.

الوقت في حيازة اللاوعي

مع مرور الأيام والسنين، يتشكل لدى الإنسان تعامله الخاص مع الوقت في لا وعيه، وهذا ما يشير إليه (مارك ماتشيني في كتابه الذي يحمل عنوان إدارة الوقت)، إذ يقول: (كلٌ منا لديه منظور شخصيّ للوقت، ولكن معظمنا لا يدرك أن لديه مشاعر غير واعية تجاه الوقت. ومعظم الناس لديهم حس غير واضح بكيفية قضاء وقتهم).

هذا المقتبس يؤكد أننا لدينا مشاعرنا الخاصة تجاه التعامل مع الوقت، وهي مختلفة من شخص إلى آخر، ولهذا نحتاج إلى التركيز والدقة في نظرتنا للوقت وفي معرفة مشاعرنا تجاهه، مثلا هناك من يشعر بالقلق إذا ضاع منه الوقت دون إنجاز، وقد يتحول ذلك إلى حالة إحباط، وهذه بدورها تنعكس على الوضع النفسي والسلوكي للإنسان.

لهذا من أهم خطوات التعامل مع الوقت، أن نحرص عليه، ونضعه دائما في حيّز التخطيط عبر جدول زمني منظم في ورقة أو دفتر ملاحظات، فالناجحون في السيطرة على وقتهم، واستثماره بشكل جيد، هم الذين يخططون لصرف وقتهم، ومن التجارب الشخصية التي قمت بها في التعامل مع الوقت اليومي، أنني قبل يوم وقبل النوم أضع الخطوات العملية أو الإجرائية المطلوبة مني في اليوم التالي، فأقوم بتدوينها في ورقة بالتسلسل.

تجربة واقعية لتنظيم الوقت

مثال ذلك أكتب اسم اليوم وتاريخه في أعلى الورقة، وأدون جملة (الواجبات المطلوب إنجازها هذا اليوم)، وأقوم بترقيمها بالتراتب العددي المعروف مع وضع وقت تخميني لكل خطوة أو عمل، بعضها يحتاج ساعة وآخر أقل وثالث أكثر، وهكذا أجد نفسي أما خطة عمل واضحة لاستخدام الوقت، وقد لا تنطبق التوقيتات بالدقة التامة، ربما عمل يحتاج إلى ساعة أنجزه في أقل من ذلك، وقد أحتاج لوقت إضافي كي أنجز عملا خصصتُ له نصف ساعة.

بالنتيجة سوف ألاحظ في نهاية اليوم، مدى التطابق الزمني التنفيذي مع خطتي خلال هذا اليوم، وسوف أشعر أنني قمتُ بما يجب على أفضل وجه، وسأكتشف أنني تعاملت مع الوقت بطريقة جيدة جدا وأنني لم أهدر المزيد منه، بالطبع قد يقول قائل هذا نوع من سجن الذات في دائرة الوقت أو الزمن؟، وهو محق في ذلك، جوابي سوف يكون كالتالي:

حين أنظم وقتي اليومي، وأضع جدولا للخطوات المطلوب إنجازها، لا يعني أنني داخل سجن محدد من وقت الإنجاز، فربما لا يتم إنجاز ما خططتُ له بالكامل، فيتم ترحيله إلى التالي، وقد يحدث العكس بحيث أنجز جميع الخطوات ويفيض لدي بعض الوقت أنفقه هنا أو هناك، فالأمر ليس نوعا من السجن، بل هناك مرونة في التعامل مع التوقيتات الزمنية، لكن المهم شعورك الذي يلازمك بأنك ملزم بانجاز المطلوب في التوقيتات التي وضعتها بنفسك.

علما أن هذه الطريقة التي وضعتها بنفسي في تعاملي مع الوقت، قد لا تكون مناسبة لشخص آخر، فكل منّا له طريقته في استثمار وقته، فخطتي مثلا قد تفشل في حال طبقها شخص آخر، وربما أفشل في الاستفادة من وقتي إذا حاولت تطبيق أسلوبه في التعامل مع وقته، لكن المهم في هذه العملية هو تنظيم الوقت وعدم السماح بهدره قدر الإمكان.

قدرة الانفتاح على التغيير

لذلك يقول مؤلف كتاب (إدارة الوقت مارك ماشيني): (ليست هناك طريقة صحيحة وأخرى خاطئة عندما يتعلق الأمر بإدارة الوقت، والطريقة الصحيحة هي الطريقة التي تحقق النتائج المطلوبة).

وهناك ملاحظة مهمة جدا في كيفية التعامل مع الوقت، وهي تتعلق بقضية تحويل التنظيم الزمني إلى نتائج، ولا يبقى هذا التنظيم في إطار قالب نظري أو تنظيري، غير قابل للتطبيق، فليس المهم معرفة كيف نستثمر الوقت بشكل صحيح، ولا يكفي أن نفهم الأساليب والخطوات النظرية التي تحقق استثمارا أفضل للوقت، المهم في هذا الجانب أن تتحول معرفتنا للاستفادة من الوقت إلى التنفيذ العملي الذي يستفيد من الوقت بشكل مثالي.

وهذا ما أكده (مارك ماشيني) حين قال: إن (إدارة الوقت لا تعني مجرد معرفة النظم والأدوات والأساليب التي تدير بها وقتك، إنها تعني استخدامها وتطبيقها وليس معرفتها فقط).

تبقى الخطوة الأهم والأقوى في قضية التعامل مع الوقت، ونعني بها الهدف الذي نروم الوصول إليه من خلال تنظيم وقتنا، ماذا نريد، وماذا نخطط وإلى أين نريد أن نصل؟؟، من الواضح أننا نهدف إلى إنتاجية أفضل وأكثر جودة نوعا و كمّا، ولكن هل نمتلك حجر الزاوية لبلوغ أهدافنا؟؟، وهل نعرف (حجر الزاوية)، لكي نصل إلى ما نريد، إنه يكمن في مدى قدرتنا الانفتاح على التغيير!، فهذا وحده كفيل بمنحنا استثمارا هائلا وكبيرا للوقت.

يقول مارك مانشيني (نستطيع أن نكون أكثر إنتاجية بكثير جدا من أي جيل آخر في التاريخ، ولدينا الأدوات... التي يمكن أن تساعدنا على... إدارة وقتنا. كل ما يتطلبه الأمر هو الانفتاح على التغيير).

هذه إطلالة على بعض النقاط التي قد تفتح أمامنا نوافذ ممكنة للتعامل مع الوقت، لاسيما أن هناك من لا ينظر إلى قضية تنظيم وقته بصورة جادة، فيترك يومه يقوده كما يشاء، لا كما يخطط هو، فيستجد الكثير في يومه مما يهدر وقتا لا يصح أن يُهدَر، لأن عمر الإنسان قصير بما يكفي، وبما يلزمه بالتعامل مع الوقت بدقة واحترام وحرص تام.

اضف تعليق