العفو الدولية تطلق عليها اسم "الجيش السري لفلاديمير بوتين". هذه الميليشيات شبه العسكرية الروسية التابعة لمجموعة "فاغنر" الأمنية والتي تضم في صفوفها ما بين 2500 إلى 5000 مرتزق.

وظهرت مجموعة "فاغنر" شبه العسكرية للمرة الأولى بجانب انفصاليين من إقليم دونباس شرق أوكرانيا في 2014. ورغم أن المجموعة لا تملك أي "وجود شرعي" في روسيا، حيث الشركات شبه العسكرية محظورة، إلا أن هذا لم يمنع من توثيق تواجدها في سوريا حيث تقدم الدعم لقوات الرئيس بشار الأسد وفي ليبيا مع مقاتلي المشير خليفة حفتر وكذلك في جمهورية أفريقيا الوسطى حيث يقوم بعض عناصرها بمهمات "تدريبية" هناك.

وأشارت وسائل إعلام غربية إلى تواجد مجموعة "فاغنر" في بلدان أفريقية أخرى، كالموزمبيق والسودان حيث شاركت في قمع المتظاهرين الذين خرجوا إلى الشارع للمطالبة برحيل الرئيس السابق عمر البشير في 2019.

يعود وجود مجموعة فاغنر في أفريقيا الوسطى إلى عدة سنوات حيث قامت روسيا في 2018 بإرسال عسكريين إلى هذا البلد لتدريب جيش أفريقيا الوسطى، لكن في الحقيقة مجموعة فاغنر هي التي تتولى تنفيذ هذه المهمة، وفق مختصين من الأمم المتحدة".

ومنذ ظهور الأزمة الانتخابية في البلاد في ديسمبر/كانون الأول 2016 والتي تلتها بعد ذلك هجمات نفذها متمردون بالعاصمة بانغي، تلقت سلطات أفريقيا الوسطى تعزيزات أمنية عديدة من قبل مجموعة "فاغنر".

فهناك معلومات تشير إلى وجود حوالي 2000 مرتزق في البلاد يقاتلون بجانب القوات الحكومية منذ بداية العام الجاري من أجل دحر تحالف المتمردين نحو الحدود الشمالية للبلاد.

ونفت موسكو وجود أية علاقة مع مجموعة "فاغنر" التي يرجح أن تكون ملكا لإفغيني بريغوجين وهو رجل أعمال روسي مقرب من الكرملين.

يعيش هذا الملياردير، صاحب ماض في السجون، في مدينة سانت بطرسبرغ، جمع ثروة طائلة من خلال المطاعم الفخمة قبل أن يتعاقد مع الجيش الروسي ليزوده بالوجبات الغذائية وفق منظمة العفو الدولية.

وكشفت العفو الدولية أن الرئيس فلاديمير بوتين كان يرتاد مطاعم بريغوجين الفخمة في عام 2000، قبل أن تصبح "الممول الرسمي لوجبات الكرملين".

وأضافت المنظمة أن الملياردير الروسي استثمر أيضا في مجالات عدة أخرى كالغاز والبترول في أفريقيا والشرق الأوسط وفي مجال الإعلام والاتصال، وهو متهم من قبل الاستخبارات الأمريكية بالتأثير على الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جرت في 2016 وتقديم الدعم لدونالد ترامب خلالها".

وكشف مسؤول من شركة أخرى تتعامل مع مجموعة "فاغنر" لفرانس24 في عام 2018 بأن هذه الأخيرة (أي مجموعة فاغنر) تعمل مع الحكومة الروسية" وقال هذا الموظف الذي لم يكشف عن هويته "الهدف الرئيسي لكل شركة عسكرية خاصة هو الدفاع عن مصالح الحكومة التي تتواجد فيها في حال لا تستطيع هذه الحكومة استخدام جيشها من أجل ذلك. هدفنا هو تحقيق أكبر قدر من الأرباح المالية والتربع على أسواق النفط لصالح بلدنا".

وقد تم تسمية الشركة الروسية شبه العسكرية بمجموعة "فاغنر" كنية للعسكري الروسي ديمتري أوتكين الذي كان يعمل في المخابرات الروسية سابقا تحت اسم "فاغنر". هذا الضابط كان معجبا بالنظام النازي وكان يستمع كثيرا إلى أحد الموسيقيين الألمان الكبار ألا وهو "فاغنر".

وتتهم منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوقية دولية أخرى، كالفيدرالية الدولية من أجل حماية حقوق الإنسان والمنظمة الروسية "ميموريال" شركة "فاغنر" بممارسة التعذيب والقمع والاغتصاب ضد مدنيين في مناطق النزاعات.

فيما تم رفع للمرة الأولى دعوى قضائية ضدها من قبل ثلاث منظمات غير حكومية في روسيا من بينها الفيدرالية الدولية لحماية حقوق الإنسان بتهمة "التعذيب وقطع رأس جندي يشتبه أنه فر من الجيش السوري في 2017".

وأظهر شريط فيديو نشرته الصحيفة الروسية المستقلة "نوفايا غازيتا" في 2018 عدة رجال يتحدثون باللغة الروسية وهم يضربون ضحيتهم بمطرقة لتقطيع أوصاله. ثم قاموا برشه بمادة المازوت وأضرموا فيه النار بينما كان رأسه معلقا فوق عمود. ومنذ أن كشفت عن هذا الحادث، تلقت صحيفة "نوفايا غازيتا" عدة تهديدات بينما لم يتم محاكمة المتورطين في هذا العمل المشين.

نشر مرتزقة فاغنر في مالي

ونددت 15 دولة غربية تشارك في التصدي للجهاديين في مالي بينها فرنسا وألمانيا، في بيان مشترك، بـ"ضلوع حكومة روسيا" في نشر عناصر من "فاغنر" الروسية في مالي، وذلك بعد أيام من فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على المجموعة المرتزقة. وبعد انتشار استمر تسعة أعوام في الساحل، أجرت فرنسا في حزيران/يونيو إعادة تموضع لقواتها العسكرية عبر مغادرة ثلاث قواعد في شمال مالي والتركيز على غاو وميناكا قرب النيجر وبوركينا فاسو.

وتعتبر باريس أن وجود عناصر "فاغنر" على الأراضي المالية سيكون "غير منسجم" مع استمرار انتشار الجنود الفرنسيين في مالي.

وقالت هذه الدول وبينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا وكندا "ندين بشدة انتشار مرتزقة على الأراضي المالية"، منددة بـ"ضلوع حكومة روسيا الاتحادية في تأمين دعم مادي لانتشار مجموعة فاغنر في مالي".

وقال مصدر حكومي فرنسي "نلاحظ اليوم على الأرض عمليات مناوبة جوية متكررة بواسطة طائرات نقل عسكرية تعود إلى الجيش الروسي، ومنشآت في مطار باماكو تتيح استقبال عدد كبير من المرتزقة، وزيارات منتظمة يقوم بها كوادر من فاغنر لباماكو وأنشطة لعلماء جيولوجيا روس معروفين بقربهم من فاغنر"

وكان الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والروسي فلاديمير بوتين تشاورا الثلاثاء في اقتراحات موسكو لوضع إطار للعلاقات بين روسيا والغربيين في أوروبا، وتطرقا أيضا إلى الوضع في مالي.

وأضافت الدول الـ15 متوجهة إلى المجلس العسكري الحاكم في مالي أن "هذا الانتشار سيزيد من تدهور الوضع الأمني في غرب إفريقيا، وسيؤدي إلى مفاقمة وضع حقوق الإنسان في مالي وتهديد اتفاق السلام والمصالحة في مالي المنبثق من عملية الجزائر، وسيعوق جهود المجتمع الدولي لضمان حماية المدنيين وتقديم دعم للقوات المسلحة المالية"، مطالبة المجلس العسكري بإجراء "انتخابات في أقرب وقت".

ورغم الانتشار الجاري للمرتزقة الروس الذي شكل حتى الآن خطا أحمر بالنسبة إلى باريس، قالت الدول الـ15 "نكرر عزمنا على مواصلة تحركنا بهدف حماية المدنيين ودعم مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل والمساهمة في إرساء استقرار طويل المدى".

لماذا يشعر الاتحاد الأوروبي بالقلق؟

يُعتقد أن مجموعة فاغنر بدأت العمل في جمهورية أفريقيا الوسطى في عام 2017، بعد أن وافق مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على مهمة تدريب روسية هناك ورفع حظر الأسلحة الذي كان فرض في عام 2013.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2017، سافر الرئيس تواديرا إلى روسيا لتوقيع عدد من الاتفاقيات الأمنية مع الحكومة الروسية.

وشمل ذلك طلب دعم عسكري، مقابل الوصول إلى كميات كبيرة من الألماس والذهب واليورانيوم في جمهورية أفريقيا الوسطى. ووافقت الأمم المتحدة على نشر 175 مدربا روسيا فقط للجيش المحلي.

ويقول المحللون إن هذه العلاقات مكنت مقاتلو فاغنر المسلحين من بدء العمل في جمهورية أفريقيا الوسطى بعد توقيع الاتفاق مع روسيا. ومنذ ذلك الحين، انتشر وجود المجموعة في الدولة الغنية بالمعادن.

وتقول الحكومة الروسية إنها أرسلت مُدرٍّبين عسكريين غير مسلحين إلى جمهورية أفريقيا الوسطى، وأن ما لا يزيد عن 550 منهم كانوا في البلاد في وقت واحد.

ومع ذلك، يعتقد خبراء الأمم المتحدة أنه قد يكون هناك أكثر من ألفي مدرب تم نشرهم من قبل روسيا في جمهورية أفريقيا الوسطى، بما في ذلك مجندين من سوريا وليبيا، حيث كانت المجموعة نشطة.

ويشكل ذلك مصدر قلق خاص للأمم المتحدة وفرنسا اللتين اتهمتا الجماعة بإشعال الصراع من خلال ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان وعمليات قتل خارج نطاق القضاء للمتمردين المشتبه بهم.

قالت كل من الأمم المتحدة وفرنسا إن مقاتلي فاغنر، وكذلك القوات الحكومية، ارتكبوا جرائم اغتصاب وسرقة بحق المدنيين العزل في المناطق الريفية بالبلاد.

وفي تقرير صدر في أغسطس/آب عن انتهاكات حقوق الإنسان في جمهورية أفريقيا الوسطى، وثقت الأمم المتحدة أكثر من 500 حادثة خلال العام اعتبارا من يوليو/تموز 2020. ومن بين هذه الحوادث، القتل خارج نطاق القضاء والتعذيب والعنف الجنسي.

وفي أكتوبر/تشرين الأول، قالت لجنة من خبراء الأمم المتحدة إن أولئك الذين اعتقلهم المدربون الروس والجيش الوطني لم يتمكنوا في كثير من الأحيان من الوصول إلى العدالة. وقالوا إن الضحايا كانوا مترددين في تقديم شكاوى رسمية مما يعني استمرار الإفلات من العقاب على الانتهاكات.

وفي وقت سابق من ذلك الشهر، اعترف وزير العدل في جمهورية أفريقيا الوسطى، أرنو أبازين، للمرة الأولى بأن بعض الانتهاكات قد ارتكبها "مُدرٍّبون روس".

وبينما قال إن معظم الحوادث نفذها المتمردون، كانت هذه هي المرة الأولى التي تعترف فيها الحكومة بالانتهاكات التي ارتكبتها قواتها أو حلفاؤها. وقال أبازين أيضا إن المدربين الروس أعيدوا إلى وطنهم ليحاكموا فيه.

وقالت المتحدثة باسم الاتحاد الأوروبي نبيلة مصرالي لبي بي سي، إن بروكسل تشعر بقلق متزايد من أنشطة مجموعة فاغنر. بالإضافة إلى القضايا في جمهورية إفريقيا الوسطى، اتهمت الأمم المتحدة فاغنر بارتكاب جرائم حرب في ليبيا.

وكشف تحقيق أجرته بي بي سي عن قيام مقاتلي فاغنر بقتل مدنيين وسجناء في ليبيا، وزرع متفجرات مجهولة النوع.

وقالت مصرالي: "إن وضعهم القانوني غامض، وكذلك أسلوب عملهم وأهدافهم ".

وأضافت: "من الواضح أنه من الصعب للغاية منع وضمان إجراء مساءلة عن الانتهاكات المحتملة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي في سياق هذا الغموض".

وكان الاتحاد الأوروبي حريصا على التأكيد على أنه لم يتعاون مع مرتزقة فاغنر.

وقد علق الاتحاد الأوروبي الآن مهمته التدريبية العسكرية في جمهورية أفريقيا الوسطى لأنه كان قلقا من أن هؤلاء المرتزقة كانوا يقودون الوحدات التي دربها.

ويُعد الاتحاد الأوروبي أحد أكبر الجهات المانحة للمساعدات الإنسانية لجمهورية أفريقيا الوسطى حيث قدم أكثر من 1.4 مليار يورو (1.6 مليار دولار) منذ عام 2014.

وفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على مجموعة فاغنر الروسية شبه العسكرية وعلى ثمانية أشخاص وثلاث شركات مرتبطة بها بسبب "ممارساتها المزعزعة للاستقرار"، وفق مصادر أوروبية، وذلك في اجتماع يتطرق البحث خلاله إلى سبل ردع روسيا عن أي تدخل عسكري في أوكرانيا.

مجموعة فاغنر تحل مكان سلطة الدولة في افريقيا الوسطى

واتهم وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان مرتزقة مجموعة فاغنر الأمنية الروسية الخاصة بـ "الحلول مكان" سلطة الدولة في جمهورية إفريقيا الوسطى وتجريدها من قدرتها المالية.

وقال لودريان في برنامج على شبكة "فرانس 5" إنه "عندما يدخلون دولة ما يضاعفون الانتهاكات والابتزازات والانقضاض أحياناً من اجل الحلول مكان سلطة البلد".

واوضح أن "المثال الصارخ هو جمهورية إفريقيا الوسطى حيث تصادر القدرة المالية للدولة لكي تحصل على أجرها".

تعارض فرنسا، المنخرطة عسكرياً في مكافحة الإرهاب في مالي، السماح لمجموعة فاغنر بدخول هذا البلد لتدريب قواتع المسلحة وحماية قادته.

وكانت قد حذرت بالفعل السلطة الانتقالية المالية من أن الاستعانة بفاغنر قد يؤثر على مشاركتها العسكرية في مالي.

أكد لودريان "هذا غير وارد بالنسبة لنا. إنه لا يتماشى مع رؤيتنا لمكافحة الإرهاب في مالي".

تتهم دول غربية، وخاصة باريس، مجموعة فاغنر بالعمل لصالح روسيا التي لا تريد الظهور بشكل رسمي.

واعتبر الوزير الفرنسي "أن فاغنر هي في المقام الأول مجموعة من المرتزقة الروس الذين يشنون الحرب بالوكالة نيابة عن روسيا حتى لو أنكرت روسيا ذلك ... لا احد يشك في ذلك".

وكان وزير الخارجية الفرنسية قد حذر نظيره الروسي سيرغي لافروف، على هامش فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في أيلول/سبتمبر، من أي انخراط لمقاتلي مجموعة فاغنر الروسية في النزاع الذي تشهده مالي.

وقال "... إنهم يتسترون وراء فكرة أن أي دولة لها الحق في إبرام عقد مع أي شركة. ولكن الواقع ليس كذلك".

واضاف "في الحقيقة هم مقاتلون، أشخاص ينتهكون القانون الدولي ويضعفون في سيادة الدول حتى".

اضف تعليق