إسلاميات - المرجع الشيرازي

شخصية القائد مدرسة للأجيال

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

(استطاع أمير المؤمنين علي (ع) أن يحكم التاريخ بسيرته الوضّاءة)

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

هل بإمكان القائد أن يجعل من شخصيته مدرسة للأجيال؟؟، هذا السؤال يجب أن يطرحه كل إنسان يُصبح ذات يوم في موقع قيادي، وكلما كان هذا الموقع حساسا أكثر ومسؤوليته أكبر، أصبحت الحاجة لهذا السؤال أهم، وقد تصل إلى مرتبة الإلزام، وإنْ تصرَّفَ القادة بمختلف مسؤولياتهم على هذا النحو، وأجابوا عن السؤال بصدق، وعملوا في ضوء إجاباتهم، فإن النتائج التي سوف تتمخض عن إدارتهم وقراراتهم القيادية ستكون فعالة وناجحة.

الموقع القيادي يجعل الإنسان في الصدارة دائما، وغالبا ما يكون متابَعا من الجميع، لهذه الأسباب فإنه يكون محطّ أنظار الناس، يراقبونه في أقواله وأعماله وسلوكياته، وقد يكون مدرسة لهم، ونموذجا صالحا يتعلمون منه كل ما هو جيد ومفيد، يحدث هذا في حال كان قائدا ملتزما ومؤدّيا لمسؤولياته وفق مبادئ الخير والحق والعدالة والحرية والإنصاف.

هذه الصفات إذا توافرت في شخصية القائد، فإنه يكون قدوة ومدرسة للأجيال التي تؤمن به، وتنظر إليه على أنه قائد يستحق تعقّب أفعاله وأقواله والتشبّه بشخصيته، وبهذا يكون قائدا ناجحا لمجتمع صالح ودولة مستقرة وقوية، وإذا كانت القيادة ذات طابع أداري غير سياسي، فيمكن أن يكون المدير العام أو رئيس المؤسسة نموذجا للعاملين تحت أمرته، حتى قائد العائلة يُشمل بذلك، فهو والأم نموذجان لأبنائهما، إن صلحا يُصلَح الأبناء ويصح العكس.

في التاريخ لدينا تجارب كبيرة وخالدة لقادة دُوِّنَتْ أسماءَهم وسيَرهم بأحرف من نور، وكانوا بالفعل مدارس للأجيال التي عاصرتهم، بل منهم بقي نموذجا خالدا على مر التاريخ، ومدرسة باقية بقاء الزمن واستمرارية الحياة، من هؤلاء القادة العظماء الإمام علي عليه السلام الذي قدّم نموذجا قياديا من طراز خاص، ألهمَ الناس طرّا المسلمين منهم أو غير المسلمين، وذلك بالخصال والصفات التي تشعّ بها شخصيته الفذة.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، يقول في كتابه القيم الموسوم بـ (السياسة من واقع الإسلام):

(كان علي أمير المؤمنين عليه السلام لا يحتكر أموال المسلمين، اقتداءً برسول الله صلی الله عليه و آله، بل يعمد إلى توزيعها فور وصولها إليه. وهكذا يجب أن يكون القائد الإسلامي).

الحرص على أموال الأمة أو الشعب من أعظم النقاط التي تجعل من شخصية القائد مدرسة للآخرين، فهذا يعني الالتزام بالأمانة والحفاظ عليها، وإيصالها إلى أصحابها، ويعني أيضا حرص القائد على بناء الإنسان معنويا وإيمانيا من خلال المادة وليس العكس، فهناك من القادة مًنْ يهتم بالأشكال والمنجزات المادية المظهرية، ويهمل بناء عقل الإنسان وأفكاره ومهاراته، أما الحاكم الناجح فهو الذي يبني المعنوي والمادي في نفس الوقت.

سياسة السماء

أصعب اختيار للقائد هو المال، فإذا كان قادرا على نفسه يتمكن من تجنّب مغريات المال، وهكذا كان الإمام علي (ع)، قائدا حريصا على المال العام، وهو في هذا نموذجا للجميع سواء كانوا قادة أو مواطنين عاديين أو موظفين ومسؤولين بمختلف المستويات، فيقدم الشخصية البسيطة القوية الملتزمة الحريصة على مصالح وأموال الشعب، وهذه هي تعاليم السماء، حيث تدعو إلى حرص القادة من كل الدرجات أو المهام والمسؤوليات، على أموال الناس (المال العام) والتصرف به وفق معايير العدالة والمساواة والاستحقاق.

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(عظيم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وعظيم.. وعظيم جداً. يُهدى إليه ثوب منسوج بخيوط الذهب، يساوى أربعة آلاف درهم، فيبيعه ليجعل ثمنه في بيت المال. ثم يشتري ثوباً غليظاً بثلاثة دراهم ويلبسه ويشكر الله. أين يوجد لـه مثيل؟! إنها مدرسة الإسلام، وتربية رسول الله صلی الله عليه وآله وسياسة السماء).

القائد النموذج ليس عنده خدم وحشم، وليس لديه من يخدمه في احتياجاته الشخصية، ولكن في عالم اليوم أو تجارب التاريخ، هنالك قادة يتسابقون على التفاخر المظهري، وتجد حماياتهم وحدها تعادل جيوشا جرارة، وموكب السيارات الذي يرافقه في خروجه له بداية وليس له نهاية، وكل همّه التبجح بالمظاهر والشكليات وذلك لملء الفراغ النفسي الذي يهشّم شخصيته من الداخل، أما القائد القوي فعلا، فهو غني ببساطته والتزامه وأمانته وقدرته على ردع نفسه حينما تسول له التجاوز على أموال وحقوق الأمة.

المثال الذي أمامنا للقائد العظيم هو الإمام علي (ع)، وهو أقلّ الفقراء مالًا، ولا يكلف أحدا في حاجة شخصية له، حتى حين يحتاج للحطب من أجل إشعال النار فلا يكلّف من يقوم بهذه المهمة، بل يؤديها بنفسه وهو قائد الأمة الأعلى، وهذا من أعظم الدروس التي قدمتها قيادة الإمام علي (ع)، درس كبير وبلا مقابل، إذا أخذه قادة اليوم لاسيما المسلمون، فإنهم سوف يُخلَّدون بأفعالهم ومنجزاتهم وهم قادرون على ذلك.

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(كان أمير المؤمنين علي عليه السلام كأقل الفقراء مالاً، يستقي الماء من البئر بنفسه، ويحتطب بيديه الكريمتين، ليكون أسوة حسنة لعامّة المسلمين عبر التاريخ الطويل، وقدوة عملاقة لزعماء المسلمين.. وكذلك كان يقوم بسائر شؤونه الشخصية بنفسه).

الجمال يكمن في البناء المعنوي

من صفات القائد المدرسة، ترك الأشياء المظهرية التجميلية وعدم الانشغال بها، بل يجب الحرص التام على عدم إنفاق الوقت مهما كان قصيرا على مثل هذه الأشياء غير المجدية، فالاهتمام بالجماليات المظهرية لا يليق بالقادة ولا بالرجال الحرصين على وقتهم الثمين، لاسيما القائد الذي يكون مسؤولا عن أمة أو شعب كامل يبلغ تعداده الملايين من البشر، إن وقت القائد ليس ملْكا له، بل هو ملك من اختاره ومنحه الشرعية ليكون حاكما له، هكذا يحدد الإسلام مهام وصفات القائد الذي يرغب أن يكون مدرسة للأجيال.

ولهذا يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(البساطة في الحياة الشخصية مما عرف بها أمير المؤمنين عليه السلام فكان لا يعبأ بالتجمّلات إطلاقاً، ولا يصرف ثواني من وقته في سبيلها. وهكذا ينبغي أن يكون القائد الإسلامي لكي يصرف أوقاته كلها في أمور المسلمين والمستضعفين).

سيرة القائد وكل إنسان هي التي تخلّده أو العكس من ذلك، فالسيرة الوضاءة للإمام علي (ع) هي التي جعلت منه مدرسة عظيمة لمن عاش في عصره وعهده، وكذلك لغيرهم من الأجيال اللاحقة وإلى اليوم، فهناك قادة عظام شهدوا بعظمة وفرادة شخصية الإمام (ع)، واستلهموا منه أعظم التجارب والعبر، وبنوا دولهم وحافظوا على شعوبهم بعد أن تعلموا في مدرسة الإمام علي (ع)، أليس الأولى بقادة المسلمين اليوم أن يستلهموا أعظم الدروس وينهلوا من مدرسة الإمام علي (ع)، كي يكونوا نماذج قيادية وحيدة من نوعها؟

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(إذن نعلم بحق كيف استطاع أمير المؤمنين علي عليه السلام بسيرته الوضاءة أن يحكم التاريخ حتى اليوم وغدى بكل عظمة وإجلال نبراساً يقتدى به).

القائد هو الذي يصنع من نفسه نموذجا ومدرسة للآخرين، وهو من يسيء له أيضا ويجعلها تذهب في مقبرة النسيان، أو الذمّ المتواصل بعد أن يغادر الحياة، فالأولى بحكامنا لاسيما المسلمون منهم، أن يدرسوا بعمق وبتفصيل دقيق، السيرة القيادية للإمام علي (ع)، وأن يخلّدوا شخصياتهم وأسماءهم من خلال خدمة الناس والحرص على حقوقهم وحرياتهم وأماناتهم.

اضف تعليق