قالت السيدة زينب (ع) للطاغية الباغية ابن مرجانة: (مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا)

مقدمة في الجمال

قالوا: أن "الجمال هو قيمة مرتبطة بالغريزة، والعاطفة، والشعور الإيجابي، وهو يُعطي معنىً للأشياء الحيوية، وليس له وحدة قياس (أي أنه نسبي) فكل إنسان يراه بشكل مختلف.. كما أن الجمال يفسِّر الأشياء وتوازنها وانسجامها مع الطبيعة ويعتمد على تجارب الانجذاب والعاطفة والبهجة في عمق الوعي الحسِّي، والجمال ينشأ من تجربة صامتة إيجابية"، أي أن الجمال يعتمد عليك أنتَ فالذي تراه أنتَ جميلاً ليس بالضرورة أن يكون جميلاً بنفس المستوى عند غيرك.

ولذا بسَّطوا التعريف فقالوا: "إنّه إرضاء العين عند رؤية شيء ما، ويكمن الجمال حولنا في كلّ شيء، فهو نوع من الفن يوقظ الدَّهشة والمشاعر وأعمق أحاسيس الإنسانية داخلنا"، فنحن أصحاب التجربة الجمالية في تحديد جمال الشيء الذي نراه بأعيننا ويثير فينا الدَّهشة، ويُحرِّك مشاعرنا تجاه ما نراه، والجمال نوعان: جمال المظهر (الخارجي)، وجمال الجوهر (الداخلي).

فجمال المظهر الخارجي يتجلى بالتناسق التام بين الأعضاء والأشياء بحيث يظهر كل شيء في مكانه وبالمقياس النموذجي الذي خُلق له، أي أنه يتمثل بوضع الشيء المناسب في المكان المناسب لتظهر اللوحة في العين كاملة ولا وجود لثغرة فيها، فهي كالحكمة والعقل الذي يضع الأشياء في مواضعها التي خُلقت له.

وأما الجمال الداخلي فهو غير منظور بالعين ولكن محسوس بالتعامل ويظهر على ملامح الإنسان الذي يعيش متناسباً وراضياً بنفسه عن نفسه فيعيش الاطمئنان والرضا الكامل عمَّا هو فيه من حياة مهما كانت قاسية ومضنية وتتوقف على مدى إيمان الإنسان بربه ويقينه بخالقه.

الجمال الحقيقي

والله سبحانه هو الجميل المطلق، وهو خلق الجمال كله، ولذا يحب الجمال، والجميل، والتجمُّل، وقد جعل من أنبيائه ورسله موازين ومعايير ومقاييس للجمال في المظهر كنبيه يوسف الصدِّيق (ع)، وجمال الجوهر أيضاً كالحبيب المصطفى (ص) وأهل بيته الأطهار (ع)، الذين كانوا التجلي الأعظم لكلا الجمالين في المظهر والجوهر، وهم الذين جاؤوا ليُصححوا للناس الرؤية العامة والكونية لكل مظاهر الحياة والمخلوقات فأعطوا الجمال ذاك المعنى الراقي جداً حين ربطوه بالمطلق والمجرَّد ولم يُقيِّدوه بالشكل، أو يحصروه باللون، وذلك لأن المظهر يبقى قشرة وقد لا يكون لها قيمة بنفسها ككثير من المظاهر البراقة، ولذا قال الإمام علي (ع):

لَيْسَ الجَمَال بأَثْوابٍ تُزَيِّنُنَا *** إِنَّ الجَّمَالَ جَمَالُ العِلْمِ وَالأَدَبِ

زينب العلم والأدب

ومحمد وآله الأطهار (صلوات الله عليهم) هم مؤدبو البشرية، ومعلمو العالم أصول العلم، لأنهم تأدَّبوا بآداب الله سبحانه وتعالى كما قال سيد الخلق (ص): (أدبني ربي فأحسن تأديبي)، وقال (صلى الله عليه وآله): (أنا أديب الله وعليٌّ أديبي)، وقال الإمام علي (عليه السلام): (إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أدبه الله عز وجل، وهو أدَّبني، وأنا أؤدِّب المؤمنين، وأورِّث الأدب المكرَّمين)، هكذا كان الأدب وراثة كريمة يتناقلها أهل هذا البيت الطاهر (ع) كابراً عن كابر، ومن عليائهم كانت بطلة كربلاء، وعقيلة الهاشميين، زينب الكبرى (ع) التي ولدت في بيت الطهارة والقداسة، وتربَّت في بيت النبوة والإمامة فجاءت نسخة فريدة لا نظير لها ولا مثيل من بنات جنسها لأنها ورثت مقياس الجمال والكمال في جنس المرأة المتمثِّل بأمها فاطمة الزهراء (ع) المرأة الوحيدة المعصومة في هذه الحياة، وكانت زينب بضعتها وصورتها في كل شيء.

فالسيدة زينب كان أبوها أمير المؤمنين (ع) فحل الرجال وزينهم، ومضرب المثل فيهم، وكذلك كانت هي قلادة يتزين بها إخوتها والطالبيين بل والهاشميين جميعاً، لما لها من عظمة وبهاء وجمال وكمال ودلال في بيت الشرف والفخر والعلم والأدب الرباني، بيت النبوة والولاية الذي قال الله فيه: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (الأحزاب: 33)

هذه السيدة الجليلة التي كانت خَفِرة لم يرَ أحد خيالها قط قبل يوم عاشوراء المأساة، رغم أنها عاشت خمساً وخمسين سنة متنقلة بين الحجاز والعراق في أيام حكم والدها أمير المؤمنين (ع) وكانت تعلم النساء، وتزوجت من ابن عمِّها عبد الله بن جعفر الطيار، وأنجبت منه أبطالاً ميامين وشاركت في كل بلاء ومصيبة أصابت أهل البيت وكان أولها فقدها جدها رسول الله (ص) ثم أمها فاطمة خلال أيام معدودات، ورأت كل ما جرى على أمها من عصابة قريش، ثم رأتها وعاشتها بكل مآسيها في كربلاء المحشر والمنشر لرهط اختارهم الله قبل أن يخلق السماوات والأرض، كما في حديثها التي حدثتها إياه أم أيمن عن أمها، وأكده عليها أبوها أمير المؤمنين وأوصاها بالصبر، وهي نقلته لابن أخيها علي السجاد (ع) حين خرجوا من كربلاء في بداية رحلة المصائب الأخيرة والعظيمة بالسبي الأموي لها ولكل ثقل النبوة والرسالة، ولذا سُمِّيَتْ "بأم المصائب" و"جبل الصبر"، و"بطلة كربلاء"، وشريكة أخيها الإمام الحسين (ع) في نهضته، ولولاها ربما لم يسمع العالم بنهضة الحسين (ع) فهي علَّة بقاء النهضة الحسينية بما فعلته ونقلته وقالته فيما بعد رغم أن مجرد وجودها كان من أشد وأكبر المصائب على آل محمد ومحبيهم وشيعتهم، وهي المصيبة التي تُبكي صاحب العصر والزمان بدل الدموع دماً.

ولكنها أعطت العالم درساً عظيماً مازال الكثير من الناس لا يفهمنه، وذلك لمعنى ومفهوم الجمال والجميل، وذلك في قمَّة المأساة العاشورائية التي ليس لها نظير ولا شبيه في التاريخ عبر العصور والدهور في شناعتها وبشاعتها وعظيم الجريمة فيها، ورغم ذلك تقف شامخة بوجه ذاك القبيح الطاغية النتن ابن مرجانة الشامت فيها لتقول له: (ما رأيتُ إلا جميلاً)، الله أكبر أيُّ جمال تجلَّى لها في ذلك الموقف الرهيب؟

وأي جمال رأتْ – روحي فداها – بجسد الحسين المقطَّع تحت سنابك خيول الأعوجية، أو برأسه الشريف فوق الرمح يتلو القرآن الحكيم، ويراقب الركب الزينبي المهول في مسيرته المأساوية؟

الرواية التاريخية

رَوَى السَّيِّدُ ابن طاووس أنَّ ابْنَ زِيَادٍ جَلَسَ فِي الْقَصْرِ لِلنَّاسِ، وَأَذِنَ إِذْناً عَامّاً، وَجِي‏ءَ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأُدْخِلَ نِسَاءُ الْحُسَيْنِ وَصِبْيَانُهُ إِلَيْهِ، فَجَلَسَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيٍّ (عليه السلام) مُتَنَكِّرَةً.. فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقِيلَ: هَذِهِ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيٍّ.

فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَحَكُمْ وَأَكْذَبَ أُحْدُوثَتَكُمْ!

فَقَالَتْ: إِنَّمَا يَفْتَضِحُ الْفَاسِقُ، وَيَكْذِبُ الْفَاجِرُ، وَهُوَ غَيْرُنَا.

فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ اللَّهِ بِأَخِيكِ وَأَهْلِ بَيْتِكِ؟

فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَتُحَاجُّ وَتُخَاصَمُ، فَانْظُرْ لِمَنِ الْفَلْجُ يَوْمَئِذٍ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ مَرْجَانَةَ.

قَالَ: فَغَضِبَ وَكَأَنَّهُ هَمَّ بِهَا (ليضربها).. فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ: إِنَّهَا امْرَأَةٌ، وَالْمَرْأَةُ لَا تُؤَاخَذُ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ مَنْطِقِهَا.

فَقَالَ لَها ابْنُ زِيَادٍ: لَقَدْ شَفَى اللَّهُ قَلْبِي مِنْ طَاغِيَتِكِ الْحُسَيْنِ وَالْعُصَاةِ الْمَرَدَةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكِ.

فَقَالَتْ: لَعَمْرِي لَقَدْ قَتَلْتَ كَهْلِي، وَقَطَعْتَ فَرْعِي، وَاجْتَثَثْتَ أَصْلِي، فَإِنْ كَانَ هَذَا شِفَاءَكَ فَقَدِ اشْتَفَيْتَ.

فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: هَذِهِ سَجَّاعَةٌ، وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ أَبُوكِ سَجَّاعاً شَاعِراً.

فَقَالَتْ: يَا ابْنَ زِيَادٍ مَا لِلْمَرْأَةِ وَالسَّجَاعَةَ). (بحار الأنوار الشيخ المجلسي: 45 / 115)

رؤية زينب (ع) للجمال الحسيني

أولاً وقبل كل شيء نحن نتحدَّث بمقدارنا، ومفهومنا ومبلغ علمنا وسعتنا فيما نحن فيه، ولا نحمِّله للسيدة – روحي فداها – ولا لغيرها من العلماء والباحثين الكرام بل هو ما استطعتُ أن أفهمه بعد قراءة، وتدبُّر، وتأمل، سبقتها حيرة طويلة في هذه الكلمة العجيبة من السيدة زينب (ع)، فهي رأت بأم عينها ما نحن لا نستطيع تصوره، أو حتى تخيله، لأنه يصعب على الإنسان الطبيعي أن يرى كل تلك الفظائع والفجائع بأهله ويصبر أو أن يتلقى ذلك بأعصاب متماسكة.

فكيف وهي – فداها نفسي وأهلي – وقد رأت مصرع سبعة عشر من أهلها وفيهم ولدين من أبنائها وفلذة كبدها، وخمسة من إخوتها لا سيما أخوها الأكبر وسيدها ومولاها وإمامها وشقيق روحها التي كانت لا تستطيع أن تعيش إلا أن تراه من شدة حبها له الإمام الحسين (ع) مقطعاً بتلك الطريقة والوحشية، وليس ذلك فقط بل انتدب اللعين عمر بن سعد القرشي عشرة من خيول الأعوجية فداست صدره وظهره وسمعوا تكسر أضلاعه وعظامه، كما أمرهم ابن مرجانة.

وهي تصف ذلك كله بالجمال، فأين الجمال فيه، وكيف نفهم معنى الجمال في هذه الدرة الزينبية؟

السيدة زينب (ع) تتكلم عن الجمال الحقيقي، لا الطبيعي، ولا الشكلي، ولا اللوني، ولا القشري، بل تتحدث عن تجلي الجمال الرباني في الشخص الإنساني، حيث تجلى جمال الله في ولي الله الإمام الحسين (ع) وذلك عندما كان الحسين (ع) حيث أراد الله أن يكون، وحيث أمره بأن يكون فيه زماناً، ومكاناً، وأشخاصاً، ووقائع من قبل أن يخلق الله الخلق حيث كان في غابر علمه تعالى هذا المخطط المرسوم وهذا المشروع الإلهي لهذا الكون، وهذه الإنسانية، ولذا كان جميلاً بمعنى أنه في المكان الذي اختاره الله له في لوحة الكون هذه.

وهذا ما نفهمه من الكثير من كلمات المولى (ع) حيث كان يؤكد دائماً على مشيئة الله، وأمر رسول الله له (ص)، (شاء الله أن يراني قتيلاً)، و(أمرني رسول الله لأمر أنا ماضٍ له)، وكأن الإمام الحسين (ع) يُخبرنا بأن حركته، ونهضته، وكل ما فيها هي بأمر الله ونهيه، وبعين الله وتسديده وتأييده، وهذا ما كان يخفى على الكثيرين حتى من أهله وأقرب المقربين إليه من إخوته وبني عمومته، كابن الحنفية، وابن عباس، وابن جعفر وغيرهم الذين لم يوفَّقوا ليكونوا في تلك اللوحة الربانية المرسومة في اللوح المحفوظ قبل أن ترسم على صعيد كربلاء بكل تفاصيلها.

فلم تكن المسألة موت في غربة، أو قتل في سبيل الله فقط، بل هي أعظم من ذلك كله لأنها كانت الفتح العظيم، وأما الموت في طريق الفتح فهو في غاية الروعة والجمال كما بيَّن المولى (ع) بخطبته الأخيرة في مكة المكرمة: (خُطَّ الْمَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ الْقِلَادَةِ عَلَى جِيدِ الْفَتَاةِ)،

ما أعظمه من تشبيه وما أجملها من كلمة، حيث يُشبِّه طوق الموت على بني آدم كجمال القلادة على رقبة الفتاة، فالموت زينة لأولياء الله كزينة الفتاة بعقدها، وكما أن القلادة والطوق يُعطي الكثير من الجمال والدلال للفتاة كذلك الموت الذي يختاره الولي بخيرة الله له، فالعقد والطوق الذي يختاره الله لوليه هو أجمل عقود الدنيا لأنه من عقود الآخرة، ولذا كان جميلاً عقد الموت بالشهادة العظيمة في كربلاء ويوم عاشوراء على أولئك الشهداء لا سيما سيد الشهداء (ع).

ولذا قال شوقاً وتلهفاً لطوق الموت: (وَمَا أَوْلَهَنِي إِلَى‏ أَسْلَافِي اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلَى يُوسُفَ، وَخُيِّرَ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لَاقِيهِ، كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تَقَطَّعُهَا عُسْلَانُ الْفَلَوَاتِ‏، بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَكَرْبَلَاءَ فَيَمْلَأَنَّ مِنِّي أَكْرَاشاً جُوفاً، وَأَجْرِبَةً سُغْباً لَا مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالْقَلَمِ، رِضَى اللَّهِ رِضَانَا أَهْلَ الْبَيْتِ، نَصْبِرُ عَلَى بَلَائِهِ وَ يُوَفِّينَا أُجُورَ الصَّابِرِينَ، لَنْ تَشُذَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لَحْمَةٌ هِيَ مَجْمُوعَةٌ لَهُ فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ، تَقَرُّ بِهِمْ عَيْنُهُ، وَ يُنَجَّزُ لَهُمْ‏ وَعْدُهُ).

وليس المهم طريقة، ونوع، وشكل طوق الموت فذلك كله موكول إلى الله تعالى، ولتكتمل الصورة المرسومة عنده، كأن تكون بأوصال مقطَّعة، وجسداً مبضَّعاً، ورأساً على الرمح، وجثَّة على الرمضاء تأكلها سباع البرِّ، وجوارح السماء، فهذا كله مرسوم بالقلم من قبل أن نُخلق، ولكن علينا أن نجري بمشيئة الله وأن نكون في المكان والزمان الذي اختاره الله لنا حياة وموتاً في طاعته.

ونحن رضينا عن الله في ذلك كله، ولذا جعل الله سبحانه رضاه مقروناً برضانا عن خلقه، فالله تعالى يرضا لرضانا ويغضب لغضبنا، وهذا أجرنا منه سبحانه حيث وعدنا بأجور الصابرين بقضائه والراضين بقدره، وهكذا كان رسول الله (ص) ونحن من رسول الله (ص) كالضوء من الضوء، أو كالساعد من العضد، كما قال أمير المؤمنين (ع) يوماً، ولكن لكل منا مهمة في هذه الدنيا، ومكانة في الجنة في الآخرة بجوار قدسه، ولننال ما عنده نُعطيه كل ما عندنا برضا منا.

عطاء الحسين (ع) وعطاء الله له

وهكذا أعطى الإمام الحسين (ع) كل ما عنده وطلب الله منه، (هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ)، فكل نهضة الإمام الحسين (ع) كانت بعين الله، وهذا هو التجلِّي الحقيقي والواقعي للجمال الذي تحدثت عنه السيدة زينب (ع) كما نفهمه نحن.

فعَن مُحَمَّدِ بنِ مُسلِمٍ قالَ: سَمِعتُ أَبا جَعفَرٍ وَجَعفَرَ بنَ مُحَمَّدٍ (عَلَیهِمَا السَّلامُ) یَقولانِ: (إِنَّ‌ اللَّهَ‌ تَعالیٰ‌ عَوَّضَ الحُسَینَ (عَلَیهِ السَّلامُ) مِن قَتلِهِ أَن جَعَلَ الإِمامَةَ في ذُرّیَّتِهِ، وَالشِّفَاءَ في تُربَتِهِ، وَإِجابَةَ الدُّعاءِ عِندَ قَبرِهِ، وَلا تُعَدُّ أَیّامُ زائِریهِ جائِیاً وَراجِعاً مِن عُمُرِه).

قالَ مُحَمَّدُ بنُ مُسلِمٍ فَقُلتُ لِأَبي عَبدِ اللَّهِ (عَلَیهِ السَّلامُ) هَذَا الجَلالُ یُنالُ بِالحُسَینِ (عَلَیهِ السَّلامُ) فَما لَهُ في نَفسِهِ؟ فَقالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعالیٰ أَلحَقَهُ بِالنَّبِيِّ (صَلَّی اللّهُ عَلَیهِ وَآلِهِ) فَکانَ مَعَهُ فی دَرَجَتِهِ وَمَنزِلَتِهِ ثُمَّ تَلا أَبو عَبدِ اللَّهِ (عَلَیهِ السَّلامُ): (وَالَّذینَ آمَنوا وَاتَّبَعَتهُم ذُرّیَّتُهُم بِإیمانٍ أَلحَقنا بِهِم ذُرّیَّتَهُم). (بحار الأنوار المجلسي: ج ٩٨ ص ٦٩)

فالعطاء جميل، والجزاء من الجميل جميل أيضاً، وهذا كله تشخَّص في لوحة كربلاء في يوم عاشوراء ورأته سيدتنا ومولاتنا زينب (ع) ببصيرتها النافذة، كما رأى الأهل والأصحاب أماكنهم ومنازلهم في ليلة عاشوراء حين كشف لهم المولى عن بصائرهم وأراهم منازلهم جميعاً في اللوحة الأصل هناك في اللوح المحفوظ، وأنَّى لبني أمية اللعناء، وأشياعهم، وأتباعهم، أن يروا ذلك الجمال في ذاك المكان الجميل في الجنان وهم في أسفل دركات الجحيم؟

وهذا بالضبط ما أشارت إليه بكلمتها الرائعة التي نزلت على الدَّعي كالصاعقة؛ (هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ)، نعم؛ الجمال تجلى هنا كتب الله في اللوح المحفوظ على هؤلاء الكرام فخرجوا بكل رحابة صدر ورضا بقضاء الله وقدره مهما كان الثمن والتضحيات، وهذا ما دعا به في آخر لحظاته حيث قال (ع): (ما لي ربٌّ سِواكَ ولا معبودٌ غيرُكَ، صبراً على حُكْمِك، يا غِياثَ مَنْ لا غِيَاثَ له، يا دائماً لا نَفَادَ له، يا مُحييَ المَوتى، يا قائِماً على كلِّ نَفسٍ بما كَسبَت، أُحكُم بَيني وبيَنهم وأنتَ خيرُ الحاكِمينَ).

فالله هو الحَكم العدل، وهو الخالق الجميل الذي اختار الإمام الحسين (ع) فرخ رسول الله الخاتم (ص) ليكون في هذه المحنة، وليكون الفداء العظيم له في هذه الحياة، فالجمال والكمال هنا.

السلام على قلب زينب الصبور، ولسانها الشكور، ورحمة الله وبركاته..

اضف تعليق