عديد من الشعوب قامت بأعمال تحول كبيرة في حياتها، مندفعة بشعارات الحرية والاستقلال والكرامة، ولكن ما ان تترجل من صهوة "جواد الثورة" حتى تتفاجأ بالعبودية بدلاً من الحرية، والتبعية بدلاً من الاستقلال، والجوع والفقر والبطالة بدلاً من العيش الكريم الموعود به، وهذا حال معظم بلادنا –إن لم نقل جميعها- وأبلغ ما قاله في هذا السياق، أول رئيس للجزائر بعد الاستقلال عن فرنسا؛ احمد بن بلا في مذكراته، بأن "سكان بيوت الصفيح حول العاصمة الجزائر هم ضحايا حرب التحرير"!

الحرية؛ ولادة جماهيرية أم صنيعة حزبية؟

معروف أن أي تحول او تغيير في حياة الفرد لن يتحقق إلا اذا انطلق من أعماق ذات هذا الفرد معبراً عن حاجة أساس وملحّة تدفعه للحصول على المطلوب.

فكما أن غريزة الجوع والعطش تدفع صاحبها نحو الطعام، وغريزة الجنس تدفعه الى ممارستها وفق الضوابط والقوانين، فان المفاهيم الكبيرة ذات المدخلية في تفاصيل حياة الانسان، ايضاً لابد ان تنبع من الشعور بهذه المفاهيم ومكانتها بالحياة، من ثمّ الإيمان بها، والتضحية من اجل الحصول عليها؛ له هو شخصياً أو لمن يأتي بعده من افراد المجتمع والأمة جمعاء.

والحرية، من أبرز المفاهيم والقيم الانسانية التي يفترض انها تعبر عن ذات الانسان كمخلوق، وأنه بالأصل والاساس خُلق حراً كريماً، كما في الرؤية الاسلامية، بيد أنها مطوقة بالنظريات والافكار، مدفونة بين طيات الكتب، قد تحولت الى شعارات براقة للطامحين للحكم والسلطة لعلمهم بقدرة هذه القيمة على إثارة المشاعر نحو شيء محبب الى النفوس، كمن يوزع كتاباً عن جمال الحرية ومتعتها لجمع من المساجين يتسلمون الكتاب وهم خلف القضبان، يقرأون الكتاب ويقتنعون بأفكاره وإثاراته، ويشكرون الكاتب على هذا الجهد الفكري الرائع!

وهناك تجارب من شعوب عاشت العبودية ردحاً طويلاً من الزمن، ثم غادرت هذه العبودية الى الحرية دون رجعة، مثل الشعب الهندي، عاش حوالي أربعة قرون تحت الاستعمار البريطاني، واليوم يمثل ايقونة في العالم الثالث في حرية الرأي والعقيدة، ولو بشكل نسبي، لان لم ينهض ضد الاحتلال البريطاني إلا بعد أن تحسس الانسان الهندي العبودية في ذاته ونفسه، وتذوق جيداً مرارتها فطالب بقوة بتحطيم هذه العبودية واستعادة حريته وكرامته.

بينما شعوب اخرى سمعت بالحرية وقرأتها في اللافتات والشعارات الحزبية وافكار المنظرين قبل أن تفهمها هي، وتتحسس ضرورتها في الحياة، كما حصل في اعداد كبيرة من العبيد المطلق سراحهم في الولايات المتحدة الاميركية بعد الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب (1861-1665)، حيث كانت الولايات الجنوبية تتشبث بالعبودية حرصاً على مصالحها الاقتصادية، فما أن أطلق سراح هؤلاء حتى عادوا أدراجهم الى حقول اسيادهم مطالبين العودة الى حياة العبودية التي توفر لهم فرصة العمل ولقمة العيش اكثر مما هم أحراراً.

حتى في المرحلة الراهنة حيث الحرية متقدمة أشواطاً في مجالات التنمية الاقتصادية والتطور الفكري والثقافي والسياسي في البلاد التي هبّت عليها نسمات "الديمقراطية"، مازلنا نسمع ونقرأ عن الحرية كمفهوم في اطاره النظري وحسب، بينما المطلوب "ملء النفوس بها والتواصي فيها حتى يطلبها الكل، فلا يجد الديكتاتور ومن وراءه من الغرب وقواه سبيلاً لإبقاء الديكتاتورية، وبذلك ينسحب الغرب وعملاؤه من الميدان"، (لنبدأ من جديد- الامام الراحل السيد محمد الشيرازي).

وهذا هو جوهر المشكلة التي وعى اليها الامام الشيرازي في وقت مبكر عندما أشار الى فكرة الحاكم الديكتاتور في بلادنا منذ بدايات القرن الماضي بان مهمته الأساس سلب فكرة الحرية من النفوس، ثم تكبيله بالقوانين والنواهي رغم أن هذه الحرية "اساس البقاء ثم التقدم، فالانسان اذا لم يكن حراً لم يبق حيّاً فكيف يمكنه ان يتقدم"؟

وهذا يفسر عدم وجود الحريات السياسية الحقيقية في البلاد التي شهدت تحولات سياسية وطوت صفحة الديكتاتوريات الظاهرية، أمثال صدام، ومبارك، والقذافي وأشباههم.

ثمار الحرية الحقيقية

في بلد مثل العراق، الحرية فيه اليوم لا تقارن بأي حال من الاحوال مع العبودية والمهانة وخنق الانفاس في عهد صدام، رغم أنها تبقى نسبية، فلا يماري أحد في قدرة الجميع على التكلم والتحرك والقيام بمختلف الاعمال دون خوف من أجهزة قمعية او رقابية، ولا أدلّ على حرية الإعلام والنشر والعمل والسكن الى درجة عاب عليها الكثير بأنها تكاد تنحرف نحو الفوضى، مع كل هذا فان العراقيين لم يستفيدوا من هذه الحرية للتحول من حالة التخلف الاقتصادي والعلمي، والتخلص من وباء الفساد والمحاصصة السياسية، الى الجهة المقابلة والمضيئة.

وقد رصد العلماء والمفكرون في المرحلة السياسية الماضية (الديكتاتورية)، وايضاً المرحلة الراهنة (الديمقراطية)، محاولات مكشوفة بفتح كوّة صغيرة لبعض الاعمال السطحية يقوم بها المواطنون إيهاماً منها بانها نوعاً من الحرية والاستمتاع بما يريدون ويرغبون من العمل والسفر وبناء البيوت والتعليم في إطار تلبية المشاعر والاحاسيس المادية فقط، دون مستوى التفكّر والتأمل والتحليل واتخاذ المواقف.

وفي سياق حديثه عن الحريات الحقيقية التي يبشر بها الإسلام يشير سماحة الامام الشيرازي في كتابه القيّم: "الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام"، الى نقطتين غاية في الاهمية في مخرجات الحرية الحقيقية وآثارها المباشرة على الواقع هما؛ معيار الإيمان والكفاءة، وتكافؤ الفرص.

فعندما لا يستشعر الانسان (الفرد) طعم الحرية وحاجته اليها، لن يجد الحاجة الى الكفاءة، ولا الإيمان كمعيار للعمل الناجح، لأنه رضي بما يرميه الحاكم اليه من فتات الفساد بالمليارات، ليكون لديه سيارة فارهة، وبيت فخم، ووظيفة مرقومة ذات امتيازات دسمة، فما يطلب بعد ذلك؟!

بينما الحرية في ظل الاسلام تدعو الى "الصلاحية لإدارة الحكم والوصول الى أعلى مراتب الدولة لكل من له الكفاءة والمؤهلات الشرعية مع اختيار أكثرية الأمة له، فلا تمييز بين الناس إلا بقدر الكفاءة. والاسلام ينفي التمايز الطبقي بين الغني والفقير، كما ينفي التمايز الوراثي بأن يكون هذا حاكماً كونه ابناً للحاكم، او كونه من أقربائه".

نفس المشكلة تنسحب على تكافؤ الفرص بين الناس "كبند من بنود الحرية العامة، ومؤدى هذا البند أن كل انسان يمتلك القابلية الذاتية فله الحق في الوصول الى أعلى مناصب الدولة بدون تدخل المحسوبية والمنسوبية والقرابة وغيرها". فعندما لا تكون الحرية مفهومة عند افراد المجتمع، فان من تأتيه الموافقة على منصب عالٍ لا يستحقه علمياً ومهنياً لن يجد حرجاً بالقبول الفوري حتى وإن كان جاره او صديقه أحقّ منه.

نحن دائماً نتكلم عن الحكام و"المسؤولين"، او الطبقة السياسية الحاكمة في هذا البلد او ذاك، ومنها طبعاً؛ العراق، بيد أن الأجدر النظر في كيفية وصول هؤلاء الحكام الى الدرك الأسفل من الاخلاق والانسانية رغم شعورهم أنهم في القمة؟! فهم رضوا بأن يتحدثوا عن الحرية في خطاباتهم وكتاباتهم كإطار دون محتوى، مجرد كلمات جميلة تثير المشاعر، بينما الحرية التي تمسك بصنم العبودية وتطرحه أرضاً وتهشمه، فهي في نظر الكثير؛ حرية خطيرة، ومُكلفة تجلب المشاكل! وهو صحيح قطعاً، ولكن الصحيح أنها من منطلقات النهضة والتحول من الفساد والتخلف والتبعية الى الإصلاح والتقدم والرفاهية.

اضف تعليق