بقلم: جان بيساني فيري

باريس ــ في شهر مايو/أيار، حَـثَّــتنا وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين بقوة على "التفكير الطامح". قالت: "دعونا نبني شيئا يدوم لأجيال".

هذا هو الخطاب التحويلي وراء أجندة السياسة الاقتصادية التي تبناها الرئيس جون بايدن. لكن ما هو ذلك الشيء الذي سَـيُـبنى على وجه التحديد، وكيف يمكن تحويل أميركا؟ لابد أن تكون الإجابة سياسية بقدر ما هي اقتصادية، لأن بايدن شَـرَعَ في الرد على الغضب الذي دفع العديد من العمال إلى التصويت لصالح سلفه دونالد ترمب.

في الأسابيع الأخيرة، كان قسم كبير من الحوار حول السياسة الأميركية مُتركزا حول حجم خطة الإنقاذ الأميركية التي أقرتها إدارة بايدن بقيمة 1.9 تريليون دولار، وزعم منتقدو الخطة أنها تمثل تحفيزا مفرطا في ظل اقتصاد يتعافى بالفعل من الركود والذي كانت حالته قبل الجائحة قريبة للغاية من مستوى التشغيل الكامل للعمالة. لكن خطة الإنقاذ ليست سوى بند أول من أجندة محلية من ثلاثة أجزاء تتضمن خطة الوظائف الأميركية بقيمة 2.3 تريليون دولار وخطة الأسر الأميركية بقيمة 1.8 تريليون دولار، وكل منهما تستهدف إحداث تغيير أكثر شمولا في الأمد البعيد.

ولكن على الرغم من كل أرقام الإنفاق التي تتصدر عناوين الصحف، تمارس إدارة بايدن لعبة اللحاق بما فات. ففي نهاية المطاف، كانت خطة الوظائف مصممة للتعويض عن سنوات من الإهمال بإصلاح نحو عشرة آلاف جسر صغير وضمان مياه الشرب النظيفة لكل الأميركيين. صحيح أن مثل هذه الاستثمارات لا غنى عنها لكنها ليست من المشاريع الضخمة التي تثير الحسد في الاقتصادات المتقدمة الأخرى. على نحو مماثل، فإن 70.8% من الأسر الأميركية قادرة على الوصول إلى اتصالات النطاق العريض الثابتة، مقارنة بنحو 83% في فرنسا، لذا فإن سياسات توسيع نطاق الوصول إلى الإنترنت ليست مبهرة، رغم كونها جديرة بالثناء.

يصدق ذات القول على خطة الأسر الأميركية. فحتى إذا جرى إقرارها بالكامل، فإنها لن تعالج سوى الفجوات الصارخة في النموذج الاجتماعي الأميركي، من خلال إدخال ــ أو التوسع بشكل متواضع في ــ البرامج التي كانت لدى الأوروبيين بالفعل منذ عقود من الزمن. ويشمل هذا الإجازة الوالدية المدفوعة الأجر، ورعاية الأطفال الميسورة التكلفة، ومجانية مرحلة ما قبل المدرسة، والتعليم بعد الثانوي الشامل المجاني لمدة عامين (وإن لم يكن في جامعات النخبة). ورغم أن الزيادة المخطط لها في الحد الأدنى الفيدرالي للأجور في الولايات المتحدة من شأنها أن تساعد العمال بكل تأكيد، فيجب أن نضع في الاعتبار أن مستواها الحالي أقل بنحو 40% من نظيره في ألمانيا.

من الواضح أن الولايات المتحدة تحاول اللحاق أيضا بسياسات المناخ. يضاهي تعهد إدارة بايدن مؤخرا بتحقيق حيادية الكربون بحلول عام 2050 نظيره في الاتحاد الأوروبي، أما هدف إزالة الكربون بحلول عام 2030 فهو أقل طموحا بعض الشيء من الهدف المطروح للمناقشة الآن في أوروبا.

علاوة على ذلك، من غير المرجح أن تكون مثل هذه الإصلاحات كافية لمعالجة المشكلة السياسية التي تواجه الديمقراطيين. إذ يتمثل التحدي الذي ينتظرهم في حقيقة مفادها أن تحالف الحزب الهش الذي يتألف من الأميركيين من أصل أفريقي والنخب من المتعلمين المثقفين يظل تحت رحمة التحول في مشاعر الناخبين، لأن الناخبين من ذوي البشرة البيضاء غير الحاصلين على شهادة جامعية يمثلون نحو 41% من جمهور ناخبيه. وحتى على فرض أن قوانين التصويت الجديدة في العديد من الولايات التي يقودها جمهوريون ليست مفرطة في قمع إقبال الناخبين السود على صناديق الاقتراع، فإن هذا التحالف سيظل عاجزا عن الفوز بأغلبية قوية بالدرجة الكافية في الأماكن المناسبة لضمان فوز ديمقراطي آمن في المجمع الانتخابي في عام 2024.

إنها لضرورة حتمية أن يعمل الديمقراطيون على استعادة ناخبي الطبقة العاملة من ذوي البشرة البيضاء الذين ساندوا ترمب في عام 2016 ومرة أخر في عام 2020. ولكن منذ رئاسة بِـل كلينتون في تسعينيات القرن العشرين، قدم الحزب للعمال المتخلفين عن الركب حلين لا ثالث لهما: التعليم والمزايا الاجتماعية. وكما يروي رونالد براونشتاين من مجلة The Atlantic، كان شعار كلينتون هو: "ما تتعلمه هو ما تكسبه". كان يعتقد بقوة، هو والرئيس السابق باراك أوباما، أن التعليم الأكثر والأفضل هو أفضل طريقة للتعامل مع ارتباكات سوق العمل التي يجلبها التحول الرقمي والعولمة (يشترك معهما أغلب الأوروبيين في هذه الفلسفة، وإن كانوا يركزون بشكل أكبر على التحويلات الاجتماعية).

لكن العمال يخالفونهم الرأي. فهم لا يريدون العيش على مزايا الرفاهة الاجتماعية، لكنهم لا يريدون أيضا إن يُـرسلوا إلى المدرسة. بل يريدون الاحتفاظ بالوظائف الجيدة التي وفرت لهم الدخل والشعور بالفخر لفترة طويلة. فاز ترمب في عام 2016 لأنه أدرك هذا الشعور واستغله للفوز بأصوات الطبقة العاملة في الولايات المتأرجحة الرئيسية.

وأميركا ليست وحدها في هذا. فحيثما ينظر المرء يجد أن اليسار خسر أصوات الطبقة العاملة. في المملكة المتحدة، غزا رئيس الوزراء بوريس جونسون "جدار حزب العمال الأحمر"؛ وفي فرنسا برزت الزعيمة اليمينية المتطرفة مارين لوبان كمرشحة مفضلة لدى نسبة متزايدة من العمال؛ وفي ألمانيا، يبدو من المرجح أن يُـسـحَـق الديمقراطيون الاجتماعيون في انتخابات سبتمبر/أيلول. وكما يُـظـهِـر أموري جيثين، وكلارا مارتينيز توليدانو، وتوماس بيكيتي في دراسة مقارنة رائعة، فإن الانقسامات التقليدية التي شكلت بنية سياسات ما بعد الحرب انهارت في مختلف الديمقراطيات الغربية.

من الواضح أن بايدن يفهم هذا التحول السياسي. في الشهر الفائت، في خطابه الأول أمام جلسة مشتركة للكونجرس الأميركي، حرص على الإشارة إلى أن ما يقرب من 90% من الوظائف التي أوجدتها خطته للبنية الأساسية لن تتطلب شهادة جامعية. ولكن كيف يتسنى لإدارته أن تتمكن من تسليم وظائف جيدة بالفعل؟

تتمثل إحدى الخطوات الأولى في الإبقاء على الاقتصاد في حالة من الضغط المرتفع، كما فعل ترمب. هناك وفرة من الأدلة التي تؤكد أن هذا يعود بالفائدة بشكل ساحق على أولئك الذين هم على هامش سوق العمل. إذ يصبح بوسع العمال العاطلين عن العمل الذين يشعرون بالإحباط العثور على وظيفة، وتتراكم مكاسب الأجور على نحو غير متناسب لصالح أولئك الذين هم عند القاع. لهذا السبب تسعى إدارة بايدن إلى هندسة فائض في الطلب، على الرغم من خطر إعادة التضخم إلى الحياة.

من الممكن أن تساعد الاستثمارات في البنية الأساسية والتحول الأخضر أيضا في استعادة عمال البناء، على الأقل في السنوات المقبلة. وسوف تستعين إدارة بايدن في الأرجح بالسياسات التجارية والصناعية للإنقاذ. وفي حين حرصت على الإعلان عن العديد من اختلافاتها الحادة عن إدارة ترمب في أغلب مجالات السياسة، فإنها كانت صامتة بشكل ملحوظ بشأن هذه القضية. لا تزال أغلب التعريفات التي فرضها ترمب سارية. ومن الواضح أن بايدن يريد تجنب الاتهامات بأنه يضحي بوظائف التصنيع الأميركية باسم العولمة والانفتاح الاقتصادي.

تُـرى هل تكون هذه المبادرات كافية؟ قد تكون كافية للفوز بانتخابات التجديد النصفي في الكونجرس العام المقبل والانتخابات الرئاسية في عام 2024. لكن إدارة بايدن لم تقترح بعد استجابة بنيوية للارتباكات التكنولوجية وتآكل الميزة النسبية التي تتمتع بها الاقتصادات المتقدمة. لبناء "شيء يدوم لأجيال" سيحتاج فريق بايدن إلى بذل المزيد من الجهد.

* جان بيساني فيري، زميل أقدم في مركز بروغل للأبحاث ومقره بروكسل وزميل أقدم غير مقيم في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، يشغل منصب رئيس توماسو بادوا-شيوببا في معهد الجامعة الأوروبية.
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق