بقلم: غريغوري يافلينسكي

موسكو ــ على مدى عقود من الزمن قَـدَّمَت الولايات المتحدة ــ والغرب في عموم الأمر ــ مثالا ساطعا لازدهار الديمقراطية الليبرالية سعى قسم كبير من بقية العالم إلى محاكاته. لكن في الآونة الأخيرة بدأت التصدعات التي شابت الأنظمة السياسية الغربية تتجلى بوضوح، مع إسهام رئاسة دونالد ترمب ــ التي انتهت باقتحام مبنى الكونجرس الأميركي في كابيتول هِـل في السادس من يناير/كانون الثاني من قِـبَـل حشد من الغوغاء من أنصاره ــ في تسليط الضوء عليها وزيادتها اتساعا.

الواقع أن انحدار الغرب ليس حتميا. ولكن لكي يتسنى للبلدان الغربية حماية ديمقراطياتها واستعادة مكانتها العالمية، يتعين عليها أن تثبت أنها تمتلك الوعي والإرادة السياسية اللازمة للتصدي لنقاط الضعف التي تعيبها بشكل مباشر.

يجب أن يبدأ القادة بمعالجة بعض التحديات العاجلة والملحة ــ بدءا بانعدام الثقة في المؤسسات، وخاصة تلك المرتبطة بالحكم والانتخابات. لم تكن حملة "أوقفوا السرقة" التي انطلقت بعد خسارة ترمب الانتخابية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وعملت على تغذية تمرد الكابيتول، مستندة إلى أي دليل. لكنها بفضل وسائط التواصل الاجتماعي انتشرت بسرعة بين أنصار ترمب، حيث وجدت أرضا خصبة ولا تزال راسخة.

كما قد تشهد بلدان ما بعد الاتحاد السوفييتي، فإن تجاهل الشكوك حول نزاهة العمليات الانتخابية ــ سواء كانت مستندة إلى أسباب حقيقية أو لم تكن ــ من الممكن أن يُـفضي إلى عواقب وخيمة في الأمدين القريب والبعيد. ورغم أن أصحاب نظريات المؤامرة لن يقتنعوا أبدا، فمن الواضح أن شعور أغلب الأميركيين المتشككين في نتائج 2020 (ولكن ليس الانتخابات في عموم الأمر) بأن السلطات تتعامل بجدية مع مخاوفهم، كفيل بإحداث فارق ملموس. ولابد من مناقشة وحل تساؤلاتهم حول بعض جوانب العملية الانتخابية، التصويت عن طريق البريد على سبيل المثال، قبل الانتخابات الوطنية التالية. وسوف يكون إظهار القدرة على معالجة مثل هذه القضايا خطوة فَـعَّـالة في التصدي لمحاولات تقويض مصداقية الانتخابات في المستقبل.

يتمثل تحد آخر في معالجة الاستقطاب السياسي المخل بالنظام. الحق أن الفارق كبير بين المعارضة السياسية والتخريب السياسي. يمثل الساسة المسؤولون مصالح ومطالب ناخبيهم. لكنهم يعملون أيضا مع المعارضين (الراغبين) لتمكين الحكم الفَـعَّـال. أما محاولة تدمير المعارضين فهي إهانة صريحة للديمقراطية. ولكن حتى محاولة إحباط كل المبادرات أو المقترحات التشريعية من جانب المعارضين تشكل وصفة أكيدة لتآكل الديمقراطية.

تتطلب مواجهة الاستقطاب أن تتصدى الدول الغربية لتحد ثالث: توضيح حدود حرية التعبير. يدرك الجميع تقريبا أن بعض أشكال التعبير خطيرة بالقدر الذي يجعل فرض بعض القيود أمرا مستحقا وواجبا. ولكن في غياب خطوط واضحة مبنية على إجماع عريض، من المحتم أن تنشأ صراعات ربما تؤدي إلى إضعاف النتائج المرجوة.

يتعين على القادة الغربيين أيضا أن يضعوا في الاعتبار إدخال تغييرات أكثر جوهرية على أنظمتهم السياسية لحمايتها من تهديدات جديدة أو تهديدات قديمة متزايدة الخطورة، والتي ترتبط أكثرها بالتكنولوجيا الرقمية. تُـظهِـر الموجة الشعبوية الأخيرة في الغرب (وأماكن أخرى) السبب وراء الاحتياج إلى مثل هذه التغييرات. ورغم أن الشعبوية ليست جديدة بأي حال من الأحوال، فقد عملت شبكة الإنترنت ــ وخاصة وسائط التواصل الاجتماعي ــ على تمكين نشر المعلومات المضللة والوعود الطائشة بكفاءة أكبر من أي وقت مضى.

فشل النقد العام، وتقصي الحقائق، بل وحتى إيقاف المنصات، بشكل مستمر في كبح قدرة الساسة الشعبويين على أسر قلوب وعقول الناخبين. وربما تكون لجنة أو فريق عمل دائم معني بوسائل الإعلام العامة أكثر نجاحا. لن يكون الغرض من هذا تشكيل السرد وفقا لأي مصلحة أو رؤية بعينها للعالم؛ بل يجب أن يكون الهدف إعلاء الحقيقة بذات الطريقة التي تحمي بها الحكومات الصحة العامة. ومن الممكن إنشاء مثل هذه اللجنة بواسطة سياسيين، ولكن يجب أن يجري ترشيح أعضائها من قِـبَـل مؤسسات غير حكومية تتمتع بأعلى قدر من ثقة عامة الناس عبر الطيف السياسي.

من المؤكد أن الولايات المتحدة قادرة على انتقاء خمسة أشخاص يتمتعون بسمعة ممتازة في دفاعهم عن حرية التعبير ورفضهم التلاعب الإعلامي والأكاذيب. ومن الممكن أن تتولى لجان الكونجرس المعنية ترشيح وفحص الأعضاء، الذين سيخدمون لفترات محددة. واعتمادا على السلطة القانونية التي سيجري إنشاء الهيئة بموجبها، فقد تكون قادرة على تقديم استنتاجاتها وتوصياتها للمراجعة من قِـبَـل هيئات حكومية.

ربما تحتاج الدول الغربية أيضا إلى إعادة النظر في أنظمتها لتمثيل مصالح الناخبين. لعقود من الزمن ــ وربما حتى عدة لقرون ــ كانت الأحزاب السياسية، جنبا إلى جنب مع مجموعات الضغط الرسمية وغير الرسمية، تؤدي هذه المهمة. كما لعبت الصحافة الحرة الجديرة بالثقة، ووسائل البث المسؤولة، ومجموعات الخبراء، والجمعيات المهنية، دورا مهما من خلال ترجمة أعمال الحكومة لجمهور الناخبين.

الآن، يبدو أن هذا النظام لم يعد يعمل بكامل طاقته. فقد قوضت وسائط الإعلام عبر الإنترنت دور حراسة المنافذ التقليدي. وعملت قنوات الارتباط وتشكيل الهوية الجديدة (مثل المجتمعات عبر الإنترنت) على تشويه قوة جماعات مصالح خاصة بعينها وأهميتها النسبية، مع تحريف وجهات نظرها في بعض الأحيان.

الواقع أن التوصل إلى كيفية إصلاح المؤسسات السياسية في النظام الديمقراطي بحيث تشارك مجموعات مصالح متنوعة في اتخاذ القرار على النحو الذي يعكس أهميتها في المجتمع ويضمن للأقليات الضعيفة الإدلاء بصوتها مهمة بالغة الصعوبة. ولكن ما لم تبادر الدول الغربية إلى التصدي لهذه المهمة بشكل مباشر، فسوف تتحول أنظمتها على أية حال، ولكن من غير المرجح أن يتأتى هذا التحول على النحو الذي يحقق القدر الأقصى من الفائدة.

في هذا السياق، يتعين على الديمقراطيات الغربية أن تتوخى الحذر إزاء احتمالات الاستيلاء على السلطة بشكل غير مشروع. كما رأينا في السنوات الأخيرة، أصبح من الممكن في كثير من الأحيان إضعاف الضوابط والتوازنات الدستورية بسهولة أكبر مما كنا نتصور في السابق. اليوم أصبحت اليقظة الديمقراطية أكثر أهمية من أي وقت مضى: يتعين على جماهير الناس أيضا أن تضطلع بدور واجب في المساعدة في حماية الديمقراطيات من طموحات قادتهم الاستبدادية، كما فعلت العديد من منظمات المجتمع المدني الأميركية في إدانتها لاقتحام مبنى الكونجرس الأميركي في السادس من يناير/كانون الثاني. إن اتخاذ موقف علني من قضية سياسية يعني الدفاع عن القواعد المؤسسية التي تقوم عليها الديمقراطية، والتي تشمل نبذ التضليل المعلوماتي و"الأخبار الكاذبة" من أي نوع.

وسوف تكون مهمة إعادة تعيين حدود ما يجب أن تسمح أو لا تسمح به الديمقراطية، أو كل شخص يعيش في ظل نظام ديمقراطي، أشد صعوبة في عصر حيث تتمكن قِـلة من الشركات والمنصات، من خلال قدرتها على تجميع وتحليل كميات هائلة من البيانات السلوكية، من ممارسة قدر هائل من القوة. لكن مثل هذا النهج القائم على الجذور والفروع هو وحده القادر على تخفيف المخاطر التي تهدد الديمقراطية والتي شهدتها الولايات المتحدة في السنوت الأخيرة.

* غريغوري يافلينسكي، رئيس الحزب الديمقراطي الروسي المتحد يابلوكو
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق