كأنني أشاهدُ فلماً سينمائيا أحداثه تكاد لا تُصدَّق، كنتُ أستمع لسائق الأجرة وهو يقصّ عليَّ الأحداث، أحيانا يبلغ بنا الشك حدّ تكذيب المتكلم، بسبب غرابة ما يحمله كلامه من وقائع مؤلمة وصادمة، هكذا شعرت بالسائق في بادئ الأمر، كأنه يبالغ في كلامه، لكنه كان صادقا بما نقله لي، لاسيما أنه لم يذكر اسما لشخص بعينه، ولا قرية أو منطقة بعينها، فهو لا يريد أن يسيء لأحد لكنه نقل لي ما رآه بعينه وما سمعه بأذنه.

الحكاية تدور حول رجل استطاع أن يكسب محبة أهل القرية دون استثناء، كبيرهم وصغيرهم، غنيّهم وفقيرهم، الرجال والنساء، حتى ذاع صيته في بيوت القرية كلها، بل عبرها إلى القرى الأخرى، وصار حلّالا لمشكلات الناس، الكل يقصده حين يحتاج إلى مال أو سواه، فالرجل نتيجة لمكانته الكبيرة بين الناس، وصدقه في التعامل، وجدّيته الكبيره وتعاونه مع الجميع، تمكن من تكوين ثروة كبيرة.

اسمه (كريم)، ولكل إنسان من اسمه نصيب، كان كريما بالقول والاسم والفعل، ولهذا أحبّه أهل القرية والقرى الأخرى، هذا الرجل الكريم الغني لم يبتعد كثيرا عن قريته، ولم يرَ العالم الآخر في المدينة، حفظ نفسه من مغرياتها، وكلّما سمع عن مفاتن المدينة أكثر حفظ نفسه أكثر، وكان كل همّه العمل الشريف ومساعدة الناس، إلى أن ترصّده بعض الشبان ممن طمعوا بثروته وأغاظتهم مكانته الكبيرة بين الناس.

ذات يوم أخذ هؤلاء الشبان يتقربون من كريم، تذرعوا بكل السبل والأساليب لكي يصبحوا أصدقاءً له، وبعد شهور من التقرّب والتحبّب استطاعوا أن يقنعوا (كريم) بالذهاب معهم إلى العاصمة، في البداية أقنعوه بأنهم يذهبون إلى زيارة أحد الأولياء الصالحين، وبعد رفض وتردد وافق (كريم)، ورافق هؤلاء الشبان إلى العاصمة.

حين دخل المدينة كأنه يدخل إلى عالم غريب لم يعرف عنه أي شيء، رأى الأضواء والحدائق الجميلة والمحال الضخمة والنساء الجميلات، ذهبوا به في بادئ الأمر إلى مرقد الولي الصالح، لكن ما أن هبط الليل حتى اختلف الأمر تماما، ومع أن الحاج رفض الخروج مع الشبان ليلا إلى أماكن يجهلها، لكنه في اليوم التالي ضعف وخرج معهم إلى أحد النوادي الليلية، ومن هنا بدأت الكارثة، صحيح إنه اصطدم بهذا العالم الماجن الغريب، لكن الصدمة لم تثْنِهِ عن مواصلة طريق المجون...

في اليوم الثالث، دخل (كريم) في دائرة الفساد، وأخذ يحاكي الشباب بأفعالهم كلها، وبدأت الموبقات تتناثر فوق رأسه، وساعة بعد أخرى أخذ (كريم) يغرق في هذا العالم الموبوء بالفساد، حتى وصلت الجرأة بأحد الشباب أن يمد يده إلى جيب (كريم)، ويستل منه الأوراق النقدية الكبيرة وينثرها على رؤوس الشر والفساد!!

قضى (كريم) خمسة أيام في العاصمة، صحبة شبان القرية الذين أطلعوه على عالم لم يعرفه من قبل، فرغت محفظته من النقود تماما، ولم يبق لديه سوى أجرة العودة إلى القرية، حين عاد لقريته فوجئ بالهدوء والاتزان وغياب الصخب عن القرية، وسرعان ما شعر بالبون الشاسع بين أجواء القرية والعاصمة، كانت المشاهد التي عاشها في العاصمة تشعّ بقوة في دماغه وتدور في رأسه كأنها تحدث الآن.

تشوَّق كريم الرجل المحبوب في قريته إلى أجواء العاصمة، وما أن دعاه الشباب للسفر مرة أخرى حتى وافق بلا أدنى تردد، ملأ جيوبه بنقود مضاعفة، وحين وصلوا العاصمة عصراً، لم يطلب من الشبان زيارة مرقد الولي الصالح، بل طالبهم بالذهاب إلى النادي، فطلبوا منه أن يصبر حتى يهبط الليل ويفتح النادي أبوابه!؟

هبط الليل وغرق (كريم) في عالم الانحلال والتفسخ، وصار يكرع الخمرة كأنه عاقرها منذ عقود وليس سويعات!، وبعد سبعة أيام فرغت جيوبه من النقود، ولم يعد إلى القرية لجلب المال، بل أوصى أحد أقاربه بجلبها، وبالفعل وصلته أموال كبيرة، ليواصل هو شبان السوء حياة البذخ والإسراف والانحلال، وهكذا بقي كريم شهرا كاملا في العاصمة، يبذخ على نفسه والشباب ويواصلون لياليهم الماجنة، واستمر الحال هكذا لعدة شهور، حتى أنه أخذ يسافر للعاصمة بمفرده ولم يعد بحاجة للشبان، ليصل كريم إلى الإفلاس التام.

كل شيء كان يتم بسرية، لا أحد من القرية يعرف بما يفعله كريم والشبان في العاصمة، لكن أهالي القرية استغربوا غيابه الطويل، وبدأ كريم يستدين الأموال تلو الأخرى من أهالي القرية، ولا أحد يرفض ذلك بسبب مكانته الكبيرة بين الجميع، ليواصل سهراته في المدينة هو وجوقة الشبان أو بمفرده، فتراكمت عليه الديون، وتكررت فترات غيابه عن القرية، إلى أن كُشِف أمره، وعرف أهالي القرية بأفعاله، فحاصرهُ الدائنون ليفرّ من قريته إلى مكان مجهول، حتى وجدوه ذات يوم بثياب رثة، يجوب شوارع العاصمة، متوسلاً المارة ليحصل ما يسد رمقه.

أيةُ خاتمة لرحلة العمر هذه؟، وأي مصير ينتظره كريم وأمثاله، ثم كيف فقد كريم توازنه وثروته، والأشدّ ألماً من كل هذا، كيف ولماذا فقد مكانته الكبيرة بين الناس؟ أسئلة كثيرة ومؤلمة، كلّها تحتاج إلى إجابات وافية شافية، حتى تكون دروسا لمن يقرأ أو يسمع بمثل هذه الأحداث، كي يحمي نفسه من الانهيار والسقوط.

اضف تعليق