حين تشرق الشمس، تنتعشُ النفس، وترقص القلوب جذلاً، فما بالك حين يكون هذا الشروق ربيعياً، فأي انتعاش يبعثه في النفوس والقلوب، هذا ما حدث معي في الصباح الربيعي المشعّ بالجمال، ولكن قد لا تخلو مثل هذه اللحظات من الأسى والألم الرهيب...

حين صعدتُ الباص في طريقي إلى العمل، جلستُ قرب امرأة معها طفل تجاوز العشر سنوات بقليل، ومع لحظة جلوسي بدأ صوت الطفل يتوسل أمّهُ كي تضحك، وتترك الحزن جانبا، وكانت الأم تكابد كي ترسم ابتسامة على ثغرها، فأخذتْ تتصنّع الابتسام، لكن الحزن يطفو بوضوح ويغيّب معالم الفرح، نعم هي تضحك بحزن لا يمكن أن تخفيه، هذا المشهد المناقض لشروق الشمس الربيعية، سلب مني البهجة وألقى بي في هوّة الأحزان.

ظل الطفل يلاطف أمه كي تغادر حزنها، سمعتهُ يقول لها، لا أحب أراكِ حزينة بسببي، ترد الأم بسرعة، لا يا ولدي ليس أنت السبب، كما أنني لستُ بحزينة....

في الأثناء لاحظتُ أماكن وخز حقن كثيرة ملأت يد الطفل، بدت سوداء باهتة أو زرقاء يختلط معها لون الدم، شوّهت اليد البيضاء الصغيرة، كرّر الطفل طلبه من أمه أن تتبسّم لأجلهِ، وفجأة سمعتهُ وهو يسأل أمه بقهر وألم:

أمي متى يأخذني الله حتى أتخلص من عذاب الإبر؟؟

رأيت دمعة تسقط من زاوية عين الأم، تدحرجت على خدها، ودخلت زاوية فمها، وسحبت رأس ابنها وضمّتهُ إلى صدرها... رأيت دموع الأم تتساقط على راس الطفل الخالي من الشعر.

صدمني هذا السؤال المباغت، كم هي مؤلمة تلك الأسئلة اليائسة، الأسئلة التي تبقى معلقة دونما جواب، بدأت الأم تكلّم ولدها، قالت له، حبيبي لا تكرّرْ هذا السؤال مرة أخرى، لأنك سوف تبقى معنا في البيت، وسوف تلعب وتضحك وتمرح مع أختك التي تحبها كثيرا، أنت لن تغادرنا أبداً، ستبقى معنا حبيبي، قالت هذه الكلمات ودمعها يتساقط بحرقة.

سمعتُ هذه الكلمات ولا أعرفُ ماذا أفعل، قلتُ للطفل، أنت جميل جدا، ويبدو عليك الذكاء، حتما أنت طالب ذكي مجتهد، هذا واضح من بريق عينيك، ومن كلامك اللبق البريء، تبسّم الطفل بصعوبة وقال لي (شعر رأسي تساقط، ألا ترى أنني دون شعر، هل سيعود شعري جميلا كما كان؟؟) قهرتني دمعته وهو ينظر إليّ، سقط نظري لا إراديا على أماكن الحقن الزرقاء، أمسكتُ بيده وهبطتُ برأسي عليها وبدأتُ أقبل يده فوق نقاط الحقن.

اندهش الطفل ونظرَ إلى أمه، شعَّت معالم الفرح في وجهه الذابل، ظلّ ينظر إلي بعينين دامعتين، لكنّ الفرحة لا تزال تسكن قلبه الصغير، واصلتُ كلامي معه، شعرتهُ يرتاح لكلامي المشجّع، بدأ يوزّع نظراته بيني وبين أمه، تمنيتُ أن لا ينزل من السيارة أبداً، شعرتهُ ابني، بل تذكّرتُ ابني بالفعل، وهو بعمرٍ مقارب لهذا الطفل المريض، تخيّلتُ ولدي مصابا بنفس المرض، كابوس مرعب غلّف مشاعري كلّها، حمدتُ الله على نعمته التي لا نشعر بها إلا عندما نفقدها.

وصلت السيارة إلى المستشفى الخاص بالأمراض السرطانية، نزلت الأم واستقبلتْ جسد ابنها، كي يهبط على الرصيف بسلام، كانت أصابع يدي مشتبكة مع أصابع كف الطفل، شعرته لا يريد النزول من السيارة حين شدّ بقوة بأصابعه على أصابعي، وضعتُ كفي على رأسه الخالي من الشعر، حاولتُ النزول معه، لكن الأم شكرتني على مشاعري ومساندتي لطفلها.

السائق تنبّه للموقف، فلم يستعجل الأم وطفلها بالنزول، - حتى الركاب ومعظمهم طلاب وموظفون- تعاطفوا مع الطفل ولم يضغطوا على السائق بمواصلة السير، نزلتُ على الرصيف وحملتُ الطفل إلى صدري، سمعتُ الركاب وهم يدعون له بالشفاء بصوت عالٍ، أنزلته على الأرض، وسارت به أمهُ إلى داخل المستشفى، صعدتُ إلى السيارة، كنتُ وجميع الركاب ننظر إلى الطفل الذي ظلّ واقفا في مكانه ينظرُ إلينا قبل أن يدخل المستشفى، سمعته يقول (ادعُ لي عند الله أن يخلصني من الحقن، وأن يعيد لي شعر رأسي الذي).

بعد لحظات سحبتْ الأم جسد طفلها إلى داخل المستشفى، وغابا في رواق باهت اللون، واصلت السيارة سيرها، سمعتُ السائق وهو يطلب من جميع الركاب الدعاء بالشفاء لهذا الطفل، لم أتمالك نفسي، بكيتُ بصوت مسموع، لم يلتفت لي أحد من الركاب، لأن الجميع كانوا في حالة حزن وصدمة وبعضهم راح يبكي مثلي.

الآن علينا نحن الأصحّاء، أن نفهم ونقدّر قيمة الصحة والعافية التي ننعم بها نحن وأولادنا، فأية نعمة هذه التي تبقي على ولدي بصحة وسلامة، ولا يتساقط رأس شعره الأسود المعافى، ولا تتمزق ذراعه بالحقن على مدار الساعة، فالسرطان لا يرحم الذين يتسلل إلى أجسادهم، سواءً كانوا صغارا أم كبارا، لكن إصابة الطفل لها وقعها الخاص....

نزلتُ من السيارة وأنا أردّدُ مع نفسي دون وعي، لو كان السرطان رجلا لقتلته.

اضف تعليق