نحن ابناء ادم نحتاج الى التفاعل مع مجتمعنا الذي نحيا فيه، واحدى صور هذا التفاعل هي التعبير عن قناعتنا وآراءنا وعرض افكارنا على اقراننا بغية الاتفاق او الاختلاف حول موضع معين يثار من رحم قضايا الانسان وحاجاته، فالتفاعل بين البشر يتم عبر الحوار وتبادل الاحاديث بودية واحترام متبادل وعدم التعصب او فرض قناعات.

اهل الكلام يعرفون الحوار بأنّه "فن من فنون الكلام والمحادثة، وصيغة من صيغ التواصل والتفاهم، وأسلوب من أساليب العلم والمعرفة، ومنهج من مناهج الوعي والثقافة"، والغاية منه التحاور بين طرفين او اكثر هو تحقيق حصيلة معرفية او فكرية لا الجدال الذي يستهلك الوقت والجهد والذي لا يسمن ولا يغني من جوع.

وفي الحوار يمارس الانسان نشاطاً عقلياً لفظياً تقدم فيه البراهين والحجج التي توضح وجهة نظر كلا الفريقين بغية الوصول لحل لمشكلة او توضيح لقضية او ظاهرة او مشكلة، ومن الاهمية بمكان ان يدار النقاش بطريقة متعادلة ومتزنة وبحرية تامة تسمح بتبادل من خلال تبادل الأفكار والآراء بين المتحاورين لإشباع حاجة الإنسان للاندماج والتواصل مع محيطه.

وثقافة الحوار تعني تقبلنا لمحاورنا بما هو عليه من اختلاف معنا في الدين او العرق او التوجه الفكري او السياسي، والايمان بأن الاختلاف تكامل لا تضاد، فوفق هذه المبدأ نتقبل المختلف عنا برحابة وتفهم وقناعة بعيداً عن المحاباة.

من المبادئ العلمية للحوار هي وجوب امتلاك المحاور الخلفية العلمية لتحقيق ثراء فكري ومعلوماتي خال من التناحر المبني على اساس التعصب، فالدخول في حوار دون اعتمادِ الأفكار العلميّة يعرّض المتحاورَ للإحراج والاستخفاف به، ويفضح الوهن في مستوى ثقافته واطلاعه وهو ما يجعله ضعيفاً ومنتقداً لعدم تمكنه من ادواته وان رغبته في الحوار هي لإبراز نفسه مثقفاً وملماً بالمعلومات والمعارف.

ثمة اسس وقواعد تجعل من الحوار اداة للتواصل الهادف التي تقرّب الأشخاص من بعضهم وتزيد من التواصل الثقافي في مختلفِ المجالاتِ، وتزيد من تقبل الآخرِ، وترتقي بالأطرافِ المتحاورة الى اعلى درجات الوعي الذي يجب ان يتصف به الانسان السوي.

ويبقي التأدب بأسلوب الحوار الذي يجب ان يخيم على أي حوار يتم بين شخصين في حال الالتزام به الحوار منتج وناجح ولا يخلف بعده أي خلاف او ضغينة بين اطرافه، وحين يتحلى المتحاورون بالمرونة يكون الحوار ذو قيمة علمية ويحقق الفائدة المبحوث عنها، ولذلك الاثر البالغ في بناء الثقة بي الاطراف على اختلاف مشاربهم وخلفياتهم مما يوصلهم الى قواسم مشتركة وقد يسهم في ازالة اللبس الحاصل لاحد الطرفين.

من الآداب التي يجب ان تتوفر في الحوار حتى يمكننا اعتباره حوار هادف هي: آداب نفسية تتمثل في الصدق الذي يتصف به المحاور والذي يزيد من فرص تأثيره فيمن يحاوره ويساعد على توطيد الاحترام مما يؤدي الى الاقناع، كما لابد من ان يتجمل المحاور بالصبر في مواصلة الحوار الى اخره وعدم مقاطعة المتحدث حتى اكمال حديثة.

كما يمثل حسن الاستماع احد ابرز الآداب التي يقدمها المتحاور للطرف الاخر وعدم الايماء الى الحضور بعدم القناعة بما تحدث به لان مثل هذه الامور تستفزه وتجعله معانداً لك وان كنت على صواب وبهذا تحول الحديث الى جدل عقيم لا قيمة له.

والاحترام لكل راي او معلومة تطرح وان كانت تخالف ما يتعقد به الاخر فالاختلاف في الرأي لا يفسد في الود او للود قضية على اختلاف القراءتين، فعلى المتحاورِ أن يحترمَ الطرفَ الآخر مهما اختلفَ معه، وأن يتقبّل الحق حتى لو تسبب ذلكَ بفشله في اثبات من يتباه من رأي او فكرة.

ولأن الانسان قد يفقد بعض هدوئه وتركيزه عندما يتعصب لفكرة معينة فلابد ان يضبط لسانه عن الاساءة للمقابل وعليه الحذر اثناء الحوار من التعابير التي قد توصل رسائل خاطئة للمتلقّي، فتثير التنافر والمشاكل، ويفضل الابتعاد عن الالفاظ غير الواضحة والأساليب التي يُقصد بها الإطالة واستئثار المتحدثِ وقتَ المحادثة لنفسه.

ويقسم الحوار بحسب الطرف المشارك فيه الى انواع، النوع الاول يكون بين شخصيات حول نقطة ما يلتقي فيها الطرفين او يفترقا في النهاية، وابرز ما يميز هذا النوع استخدامه للعبارات التعجبيّة والاستفهاميّة والجمل التي تحتوي على الأمر والطلب.

اما النوع الاخر للحوار فهو الحوار مع الذات فيكون الشخصُ في هذا المستوى متحاوراً مع ذاته روحانياً أو داخلياً، والحوار هنا يستم بالسرية، ويعدّ هذا الحوار مهمّاً للإنسان، فهو يقلل الاضطراباتِ، ويولّد تناغماً وتصالحاً للإنسان مع نفسه.

المعاول التي تهدم الحوار وتضعفه هي: التسرع في اصدار الاحكام دون التأكد، التعصب للآراء والافكار والأشخاص مما يجعل المتحاور يفقد صوابه جراء ذلك التعصب، كما يعد التفكير السطحي الذي لا يبحث في اصل المشكلات ولا اثارها ولا المتغيرات او المعطيات التي ساعدت على نشوئها بل يكتفي بالأسباب الظاهرة.

بماذا تنفعنا ثقافة الحوار في مجتمعنا؟

ثقافة الحوار تقضي على العنف عبر احترام قيم الحوار ومبدأ الرأي ورأي الآخر وبناء مؤسسات قادرة على احتواء الخلافات وقطع دابر الفتن قبل ان تحرق الأخضر واليابس، واي استقرار لا يحصل دون ان تترسخ ثقافة الحوار وروح التسامح والتنوع الفكري في نفوس الناس وهو ما يعزز من التماسك الاجتماعي في المجتمع.

اضف تعليق