هناك أقوال وأحداث غريبة يصعب علينا استيعابها، أو تصديقها، لكنها في واقع الحال موجودة، ولا يمكن نكرانها، أو عدم تصديق حدوثها رغم غرابتها، أحد الأشخاص مقارب لعمري، لا تربطني به علاقة إنسانية عميقة، وإنما علاقة مكانية فقط، في العمل نتواجد معا أنا وهو، وفي مكان السكن نعيش في حي وزقاق واحد، لكنني حرصتُ أن لا تتعدى علاقتي معه حدود العمل ومكان السكن، بسبب إشكالية تَسِم شخصيته منذ شبابه.

حين كان هذا الشخص شابا، شاعت حولهُ حكايات كثيرة، كلّها عبارة عن مشكلات تغلّف شخصيته وحياته، كل ما يرتبط به من أحداث أو أشخاص أو علاقات، كان مثيرا للغرابة والغموض، ولذلك كنتُ أتجنّبه قدر الإمكان، لأن الأشخاص الغامضين يحملون معهم خطرا دائما على الآخرين، وهو من هذا النوع الغامض الذي لا تعرف شخصيته وحياته بوضوح.

من بين الأقوال التي كان يردّدها دائما، والتي لا زلت أتذكّرها حتى اليوم بسبب غرابتها، حين قال: (حين أضع رأسي على وسادة النوم ولا يضجُّ رأسي بالمشاكل، فإنني أبقى صاحياً حتى الصباح؟!!)، غريب هذا القول حقا، فأنا مثلا حين أضع رأسي على وسادة الليل وتواجهني مشكلة صغيرة، فإنني لن أنام ساعات وأُصاب بالأرق، وقد تشرق الشمس عليَّ ولا أتمكن من إغماض عينيَّ، هذا هو الفرق بين رجل واضح ورجل غامض.

حتى بعد زواجهِ بقي غامضا، وحين ولدت زوجتهُ ولدا جميلا له بقي على حاله ولم يتغيّر، كان هناك أشخاص يزورونه فيثرون الشبهات حوله أكثر، بسبب غرابة أشكالهم، وسياراتهم، وأصواتهم العالية، حيث يثيرون ضجة هائلة في الزقاق لم يعتد عليها الجيران، والواقع معظم الناس كانت تتحاشاه، ولا تعترض حتى على من يزوره أو على الضجيج الذي يحْدثونه، ولا على مظاهر إثارة الشك التي تتسبب بها أفعالهم.

كثيرا ما كانت تأتي عند بابه سيارات تحمل أشخاصا غريبي الأطوار، تتصاعد فيما بينهم ألفاظ السب والعراك والتهديد والوعيد، وكنت أطلُّ من بيتي على بابه، فأرى الرجال غريبي الأطوار وأسمعهم يزعقون ويهددون بسجنه أو قتله، وكان ابنه الذي بلغ ثلاث سنوات يرى ويسمع ويعيش هذه المشاكل، بل شبَّ عليها واعتادها.

في البداية كان الطفل ذي الثلاث سنوات يهرب إلى أمه، لكن مع تكرار مشهد المشادّات والصراخ والقهقهات العالية التي سرعان ما تتحول إلى ألفاظ نابية خادشة للمشاعر والأخلاق، فإن الطفل لم يعد يخشاها، وكأن هذه المشكلات كبرت معه، وباتت تشكل جزءاً من شخصيته.

ذات يوم ونحن في العمل، خطر في بالي أن أتكلم معه بخصوص ابنه، وعليه أن يبعده عن أجواء المشاكل التي يقوم بها زائروه من غريبي الأطوار، فقلتُ له من دون تردد، إذا كنت ترى أن حياتك طبيعية والمشاكل الغريبة التي تحيط بها عاديّة فهذا شأنك، ولكن عليك أن تحمي طفلك من هذه المشاهد والألفاظ.

حينها سألني كيف أحميه ولماذا؟، فقلتُ له تحميه حين تبعدهُ عن هذه المشاهد، ولا تسمح له بمشاهدتها حتى لو حدثت في باب بيتك، والأفضل لك ولابنك أن تقطع دابر هذه المشكلات من أصلها، عليك أن تبتعد عن هؤلاء الأشخاص الغامضين!!

لكن كما يبدو أنه لم يستوعب كلامي، أو الأحرى لم يتقبّله أصلا، حين رفض كلامي جملة وتفصيلا وعدَّهُ تدخّلا مني في حياته الشخصية، فانسحبتُ مبتعدا عنه، وتذكرتُ قوله الغريب الشهير الذي يعرفه عنه الجميع: (لا أستطيع النوم إذا لم يكن رأسي يضجُّ بالمشكلات).

كبر ابنه، تجاوز سن المراهقة، وأخذت المشكلات تلتفُّ حوله، كنتُ أراقب ما يجري بدقة لأنني أسكن الزقاق نفسه، نعم شغلتني شخصية الأب كثيرا، لكن شخصية ابنه تُشغلني اليوم أكثر، فقد شبَّ على المشاكل، ومن شبَّ على شيء شاب عليه، وحين تجاوز العشرين، صارت مشاكله أكثر من مشاكل أبيه وأعقد، لدرجة أن الأب الذي يعمل معي في مكان واحد، اقترب مني ذات يوم واستشارني في الأسباب التي جعلت من ابنه مثيرا للمشكلات معقَّدا غامضا في علاقاته وفي كل ما يبدرُ منه.

حينها قلتُ لهُ: استفسر من ابنك حين يضع رأسه على وسادة النوم خالياً من المشاكل هل ينام؟، فأجابني على الفور: سألتهُ وأخبرني بأن المشكلات وحدها تجعلهُ قادرا على النوم.

أكمل الرجل الغامض حديثهُ معي: لم يخطر في بالي مطلقا، أنّ ابني سوف يكون نسخة طبق الأصل مني، كل شيء كنت أتوقّعهُ إلا هذه النتيجة، فقد تجاوزني ابني في صنع المشكلات، لدرجة أنني كففْتُ عنها منذ سنوات طويلة، وطالبتُهُ أن يكفّ عنها لكن دون فائدة، حتى تهديدي له بالطرد أو السجن لم يعد يجدي معه، لقد صارت صناعة المشكلات جزءاً لا يتجزّأ من حياته، والسبب في كل هذا أنا.

نعم عرفتُ أنني السبب في جعل ابني مثيرا للمشاكل، وتعلّمتُ منه أن أكفَّ عن صنع المشكلات، لكن هذا الدرس جاء متأخراً، فلا فائدة في نُصحي أو تهديدي لهُ، لقد زرعتُ في عقله وهو طفل نسختي الشخصية بسلوكي وألفاظي وأفعالي وحركاتي وأخلاقي، لقد حصلتُ على الدرس الصحيح ولكن بعد فوات الأوان.....

اضف تعليق