بمجرد ان نسمع كلمة رق أو عبيد يتبادر إلى اذهاننا العصر الجاهلي لكن، ما أن نتأمل برهة حتى نستدرك وجود الرق والعبودية في عصرنا هذا الذي وبأشكال مستحدثة في القرن 21، كيف ذلك؟ وهل نحن فعلاً في عصر العبودية؟ وهل هناك حلول للحد من تلك الظاهرة التي هذبها الاسلام وحد منها؟ كلّ ظاهرة في المجتمع تعالج بالعمل الجماعي والسعي للقضاء عليها، لذا ظاهرة العبودية اليوم تعالج عن طريق التعاون الجمعي بين الدولة بالدرجة الاولى ومنظمات المجتمع المدني والافراد كلاً منهم يودي دوراً فاعلاُ في معالجتها.

يمتدّ تاريخ العبودية عبر العديد من الثقافات والجنسيات والأديان من العصور القديمة وحتى يومنا هذا غير أن المواقف الاجتماعية والاقتصادية والقانونية للعبيد تختلف اختلافًا كبيرًا في نُظم الرقّ المختلفة في أوقات وأماكن مختلفة، ويمكننا القول إن العبودية والرق دخلت تاريخ البشرية مع بداية الحضارة، وكانت الحرب هي المصدر الرئيسي للإمدادات العبيد، وكانت الحروب متكررة ووحشية في الحضارات المبكرة عندما تسقط بلدة ما في يد جيش معادي، فمن الطبيعي أن يأخذ هذا الجيش العبيد من أولئك السكان الذين يمكن أن يكونوا عمالاً مفيدين، أو النساء الذين يستغلون للترفيه والجنس، ويتم بعدها قتل البقية.

وبعد مضي أكثر من قرنين على حظر العبودية، لا يزال نحو 40 مليون شخص على مستوى العالم يتعرضون لأشكال جديدة ومتنوعة من العبودية، بحسب مؤشر جديد يقوم بتصنيف 162 دولة، وقد ذكرت النسخة الأولى من تقرير (أعدته مؤسسة "ووك فري فاوندايشين" الاسترالية التي تهتم بحقوق الإنسان) بعنوان "مؤشر الرق العالمي"، أن هايتي والهند ونيبال وموريتانيا وباكستان تضم أعلى معدل لانتشار الرق في العصر الحديث أما من حيث الأعداد المطلقة، فإن أكبر عدد من الأشخاص الذين يتم استعبادهم موجود في الصين وإثيوبيا والهند ونيجيريا وباكستان وفي الهند، يُعتقد أن ضحايا العبودية الحديثة يناهز الـ 14 مليون شخص.

العبودية المعاصرة

على الرغم من أن العبودية المعاصرة "غير مفهومة جيداً ولذلك تظل مستترة داخل المنازل والمجتمعات المحلية وأماكن العمل"، وفي هذا الصدد، قالت غولنارا شاهينيان، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بأشكال الرق المعاصر، وأسبابه ونتائجه أن "الرق المعاصر غالباً ما يحدث في المناطق التي يصعب الوصول إليها من الدولة أو ما يعتبر 'عالماً خاصاً'، كما هو الحال في حالة العبودية المنزلية.

وأضافت أنه "في عالم اليوم، يأخذ الرق صوراً مختلفة: كالإتجار بالبشر والعمل القسري والسخرة والعبودية حيث يتم التحكم في هؤلاء الناس وإجبارهم على العمل ضد إرادتهم وكرامتهم ويتعرضون للحرمان من حقوقهم"، العمل القسري من اشكال العبودية تصنف منظمة العمل الدولية العمل الإلزامي أو القسري بأنه أي "أعمال أو خدمات تفرض عنوة على أي شخص تحت التهديد بالعقاب والتي لم يعرضها الشخص بنفسه طوعاً"، وتوجد الأشكال الشائعة من العمل القسري في الصناعات التي تفتقر إلى التنظيم أو التي تستخدم اليد العاملة على نحو كثيف مثل الزراعة ومصائد الأسماك والتشييد والتصنيع والأعمال المنزلية وغيرها، ووفقاً لمنظمة العمل الدولية، فإن أكثر من 40 مليون شخص في جميع أنحاء العالم هم ضحايا للرق الحديث، وعلى الرغم من أن الاسترقاق الحديث غير معرف في القانون، فإنه يستخدم كمصطلح شامل يشمل ممارسات من قبيل العمل الجبري، واستعباد المدين، والزواج القسري، والاتجار بالبشر وهي تشير أساسا إلى حالات الاستغلال التي لا يمكن للشخص أن يرفضها أو يغادرها بسبب التهديدات والعنف والإكراه والخداع ويُمثل اليوم الدولي لإلغاء الرق، 2 كانون الأول / ديسمبر، تاريخ اعتماد الجمعية العامة لاتفاقية الأمم المتحدة لقمع الاتجار بالأشخاص واستغلال بغاء الغير قرار 317(IV) المؤرخ 2 كانون الأول / ديسمبر 1949)، وينصب التركيز في هذا اليوم على القضاء على أشكال الرق المعاصرة مثل الاتجار بالأشخاص والاستغلال الجنسي وأسوأ أشكال عمل الأطفال والزواج القسري والتجنيد القسري للأطفال لاستخدامهم في النزاعات المسلحة، بحسب موقع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

أشكال الرق

قد تطور الرق وتجلى بأساليب مختلفة عبر التاريخ وفي وقتنا هذا، ما زالت بعض أشكال الرق التقليدية القديمة قائمة على نحو ما كانت عليه في الماضي، وتحول بعض منها إلى أشكال جديدة وتوثق التقارير التي كتبتها هيئات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، استمرار وجود الأشكال القديمة من الرق المجسدة في المعتقدات والأعراف التقليدية ونتجت هذه الأشكال من الرق عن التمييز القائم منذ عهد طويل ضد أكثر الفئات استضعافا في المجتمعات مثل: أولئك الذين ينظر إليهم على أنهم من طبقة اجتماعية دنيا، والأقليات القبلية والسكان الأصليين.

تبين البحوث التي تجريها منظمة العمل الدولية أن العمل القسري يمثل مشكلة عالمية، ولا يوجد أي بلد محصن ضدها وقد تكون الأزمنة والحقائق تغيرت ولكن الجوهر الأساسي للرق ظل قائما وإلى جانب الأشكال التقليدية من العمل القسري مثل السخرة والعمل سدادا للدين، يوجد الآن مزيدا من الأشكال المعاصرة للعمل القسري مثل العمال المهاجرين الذي جرى الاتجار بهم بغرض الاستغلال الاقتصادي بجميع أنواعه في الاقتصادي العالمي.

بصورة عامة، وفقا لبيانات وفرتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونسيف)، يعمل طفل واحد من كل ستة أطفال ويمكن تصنيف الغالب الأعم من عمل الأطفال بوصفه استغلال اقتصادي وهذا الاستغلال الاقتصادي يخالف مخالفة صريحة اتفاقية حقوق الطفل، التي تعترف المادة 32 منها "بحق الطفل في حمايته من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي عمل يرجح أن يكون خطيراً أو أن يمثل إعاقة لتعليم الطفل، أو أن يكون ضاراً بصحة الطفل أو بنموه البدني، أو العقلي، أو الروحي، أو المعنوي، أو الاجتماعي"، بحسب موقع الأمم المتحدة.

29 مليون امرأة وفتاة يقعن ضحية الرق الحديث

29 مليون امرأة وفتاة يقعن ضحية لـ "الرق الحديث" بحسب تقرير استقصائي جديد، حيث يتم استغلالهن في ممارسات تشمل إجبارهن على العمل "عبودية الدين" أو الزواج القسري، أو فيما يسمى بالعبودية المنزلية، وبحسب غريس فوريست، إحدى مؤسسي منظمة "ووك فري" لمكافحة الرق، إن هذا الرقم يعي أن واحدة من كل 130 امرأة وفتاة، تخضع لأحد مظاهر العبودية الحديثة اليوم، وهو رقم يفوق عدد سكان أستراليا.

وأضافت فوريست:"واقعياً، إن عدد الأشخاص الذين يعيشون العبودية اليوم، أكثر من أي وقت مضى في تاريخ البشرية"، وتعرف منظمة "ووك فري" الرق الحديث بأنه إزالة ممنهجة لحرية الشخص، وباستغلاله من قبل شخص آخر لتحقيق مآرب ومكاسب شخصية أو مالية، وبحسب فورست فإن التوصل إلى أن واحدة من كل 130 امرأة أو فتاة يعشن في العبودية الحديثة، تم من خلال عمل جماعي، من قبل منظمتها ومنظمة العمل الدولية والمنظمة الدولية للهجرة، وقالت: "بحسب التقرير فإن نوع الجنس يزيد من المصاعب التي تواجهها الإناث في حياتهن، والعبودية الحديثة تغيرت بشكل جذري".

وذكر التقرير أن النساء يمثلن ما نسبته 99% من ضحايا الاستغلال الجنسي، و84% من ضحايا الزواج القسري، و58% من ضحايا العمل القسري، وعلى حد قول فورست فإننا نشهد تطبيعاً مع الاستغلال في قطاع العمل، حيث تم إجبار الناس الضعفاء على ممارسة العبودية الحديثة مع تفشي فيروس كورونا"، ونوهت إلى أن تقدير أعداد وظروف النساء اللاتي وقعن في العبودية الحديثة متحفظ بعض الشيء، حيث أنه لا يقدم تفسيراً لما حدث معهن خلال فترة الجائحة، فقد شهد العالم زيادة في زواج الأطفال والإكراه واستغلال ظروف العمل في جميع أنحاء العالم".

وألمحت الناشطة إلى أن منظمة "ووك فري" وبرنامج "كل امرأة كل طفل" التابع للأمم المتحدة قد أطلقا حملة عالمية للمطالبة باتخاذ إجراءات تهدف للقضاء على العبودية الحديثة، كما تحث على الشفافية والمساءلة بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات، وتقول فورست: "نعلم أن النساء والفتيات يعانين من مستويات غير مسبوقة من الاستغلال، والعمل القسري، في متاجر السلع التي نشتري منها كل يوم، كمتاجر الملابس والتكنولوجيا والمقاهي". بحسب يورونيوز.

من أجل تحقيق مستقبل خالي من العبودية يجب على الدول وضع قوانين وتشريعات كخطوة أولى للقضاء على هذه الظاهرة، ومن الضروري منع الإفلات من العقاب على مثل هذه الانتهاكات، كما أن من المهم أن يحصل الضحايا على الدعم والإنصاف

اضف تعليق