كما أن الأطفال يمكن أن يحظوا بحياة مستقرة وكريمة في ظل وجود أسرة منسجمة فيما بينها، فأنهم أيضا يمكن أن يحظوا بحياة مضطربة ومهينة، يتعرضون فيها لأقسى أنواع الإهانة والذل في ظل وجود أسرة غير منسجمة فيما بينها. تحديدا عندما تنتهي الخلافات الأسرية إلى الانفصال التام بين الزوجين.

فعلاوة على قساوة الحياة الأسرية التي يعيشها الأطفال في أثناء تلك الخلافات؛ فإنهم بلا شك سيقعون ضحية للانتقام المتبادل بين الوالدين بعد الانفصال، لأنهم سيكونون السبب والوسيلة معا التي يستخدمها الوالدان المفترقان لفرض إرادة أحدهما على الأخر، والانتقام من بعضهما بعضا، سواء في ممارسة الضغوط الأسرية، أو في إقامة الدعاوى أمام المحاكم؛ حينما يريد كل من الوالدين المتخاصمين أن يتعهد حضانة أولادهما وتوليهما.

إن الأصل في العلاقات الأسرية -لا سيما بين الزوجين- هو افتراض الانسجام والاستقرار والمودة فيما بينهم، إذ من الصعب جدا أن تستقر الأسرة من دون تصور وجود علاقات طيبة ومتبادلة بين الزوجين. فكلما كانت الأسرة المتمثلة في الزوجين مستقرة؛ فالأولاد أيضا مستقرون، ويتمتعون بكل ما تحظى به الحياة من رعاية الأبوين. ولا يعكر صفو تلك العلاقات حدوث اختلافات في وجهة النظر، أو نشوب نزاعات مؤقتة في قضية ما، أو موضوع ما فان مثل هذه الاختلافات والنزاعات تكون متوقعة ومقبولة، مازالت في إطار العلاقات الأسرية، وفي ظل احترام الزوجين لبعضهما بعضا.

ولكن قد تبنى العلاقات الأسرية فيما بين الزوجين على أساس عدم الانسجام والتباعد والبغض والكراهية، ويظلان يعيشان على هذا الأساس فترات قد تقصر وقد تطول، فلا يشعر كل منهما بالحب إزاء بعضهما بعضا، ولا بالأمان والاستقرار الذي تبتغيه طبيعة الحياة الأسرية، ومع ذلك ينتج عن هذا الزواج غير المستقر أولاد وبنات، ويكبر هؤلاء في ظل أجواء الكراهية والحقد والنزاعات الدائمة، فعلاوة على الآثار السلبية التي ينشأ عليها الأولاد ويتربون فيها، فانهم حتما سيكونون ضحية تلك البيئة غير السوية، ويتعرضون إلى اعتداءات دائمة من الأب أو من الأم، على حد سواء، فكل نزاع أو اختلاف سينعكس سلبا على الأولاد مباشرة ودون واسطة.

وقد يتعرض الأطفال للعنف من الوالدين بسبب ضغوطات الحياة المادية والنفسية، فضعف قدرة الوالدين على توفير مستلزمات العيش الكريم لأولادهم -ومنها توفير المال- قد يجعل منهما عصبيين دائما، لا يتحملان أولادهما ولا يطيقان وجودهما، ويتمناني كأنهم لم يأتوا إلى هذه الدنيا الدنيئة.

لا يتعرض الأطفال للعنف من الوالدين بسبب وجود اختلافات ومشكلات بين الزوجين فقط، ولكن يتعرض الأطفال إلى عنف الوالدين والأقربين لأسباب أخرى كثيرة، منها أن العنف في بلادنا هو جزء من عاداتنا وتقاليدنا الموروثة، وهو ملازم لنا في جميع مراحل حياتنا، سواء في البيت؛ أو الشارع؛ أو المدرسة؛ فالضرب والضرب المبرح والسباب والشتائم بحق الآخرين -ومنهم الأبناء- هي ثقافة متأصلة فينا، ويمارسها لفظا وسلوكا حتى عند من هو في أعلى هرم الثقافة والحضارة، كالبعض من المعلمين والفنانين والشعراء، بل وبعض رجال الدين وغيرهم من فئات المجتمع التي ينبغي أن لا تكون جزء من ثقافة العنف، بل ينبغي أن تكون جزء من ثقافة محاربته واستئصاله.

ما يقلقنا في مجتمعنا هو أن العنف الأسري المعتاد المتمثل بالعنف اللفظي أو الضرب الخفيف الذي يمارسه الوالدان بحق الأطفال تحول إلى عنف أشد منه إيلاما وإيذاء، وهو الإيذاء الجسدي المبرح مثل سجن الطفل أو حبسه لفترات طويلة في إحدى غرف البيت، أو في مكان مظلم، أو منعه من الأكل والشرب لفترات طويلة، أو ضربة بآلة جارحة حتى وصل الأمر إلى قتل الأبناء حرقا أو غرقا أو خنقا، وهي أبشع أنواع استخدام العنف بحق الأطفال من لدن الآباء والأمهات.

نعم، إذ قد يكون من المتوقع أن يتعرض الأطفال في مجتمعاتنا والمجتمعات المماثلة لوضعنا إلى العنف من غير الوالدين، مثل العنف من الأخ أو الأخت، أو العم والعمة، أو الخال والخالة، أو الجد والجدة، ولكن أن يتعرف هؤلاء الأطفال إلى العنف الشديد من الأب أو من الأم، أو منهما معا، وبهذا المستوى من العنف الذي يؤدي إلى فقدان الحياة هو أمر لا يمكن تصوره أو القبول به، لكنه يحصل هذه الأيام بكثرة، حتى أضحى ظاهرة من أخطر الظواهر الاجتماعية التي تهدد انسجام الأسرة والمجتمع معا.

لماذا يعمد الأب إلى قتل أولاده حرقا؟ لماذا يلجأ الأب إلى إعطاء أولاده مادة مخدرة أو مسممة فيقضي على حياة أولاده بلحظة هي من أبشع أنواع العنف والغلظة في هذا الكون؟ لماذا تقوم الأم برمي أطفالها في النهر أو في حوض الماء؟ ولماذا ينحر الأب أبناءه كأنهم نعاج استحقت النحر؟

هل طرق الزواج اليوم هي التي تسببت بهذا الانحطاط من التعامل مع الأطفال؟ هل إن العادات والتقاليد التي تربى عليها الزوجان هي التي ساهمت بمثل هذه السلوك المنحرف؟ هل إن تصورات ومعارف الزوجين عن الزوج أو عن بعضهما البعض هي التي تسببت بهذا السلوك الخطير بحق أولادهما؟ هل إن أسرة الزوجين كانت سببا وراء وصول أحد الزوجين أو كلاهما إلى استعمال هذا السلوك مع الأطفال؟

واضح أن موضوع العنف بحق الأطفال، لاسيما عنف الوالدين، لا يتعلق بالعلاقات الزوجية المضطرة فقط، ولا يتعلق بالاضطراب النفسي عند الزوجين أو أحدهما، ولا يتعلق بالحاجة إلى المال لسد مستلزمات الأسرة من مأكل ومشرب وملبس، بل هو يتعدى إلى الثقافة المجتمعية الأسرية التي اتجهت منذ فترة ليست بالقصيرة نحو الانحراف الخطير الذي يهدد كيان المجتمعات وبقاءها كما هو حاصل في مجتمعاتنا العربية والمسلمة.

الحقيقة لم نعد لا نحن ولا أزواجنا ولا أولادنا محصنين عما يحدث من تغييرات جوهرية في العلاقات المجتمعية العالمية، ولم نعد نستطيع نحمي أنفسها ولا أهلنا من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، ولا من أفكارها، ولا من مستخدميها، فبيوتنا أصبحت عرضة لكل من هب ودب، ولكل من يريد أن يعبر عن طموحاته وأفكاره وسلوكه، فيؤثر علينا وعلى أزواجنا وعلى أولادنا من حيث شئنا أم أبينا، كما نحن أيضا بما نحمل من أفكار وسلوكيات أصبحنا نؤثر في الناس إيجابا أم سلبا.

للأسف أن خيار استعمال العنف بحق الأطفال بسبب اختلافات الزوج والزوجة، أو بسبب تأثيرات الأقربين، أو بسبب أخطاء الأولاد أنفسهم هي الخيار الأكثر استعمالا من بين الخيارات الأخرى المتاحة، فلا خيار الصلح والتصالح، ولا خيار الحوار، ولا خيار التفاهم، ولا خيار الدبلوماسية خيارات مستعملة عندما تتعرض الأسرة إلى عاصفة المشكلات والاختلافات والنزاعات. ومادام الأمر كذلك فان من المتوقع أن تزداد حالات ممارسة العنف الأسري بحق الأولاد كجزء من أدوات التأديب، أو كجزء من حالات الانتقام المتبادل بين الزوجين.

وإذا كان ما نذهب إليه صحيحا، من حيث إن الأطفال في الحاضر والمستقبل سيكونون عرضة إلى أعمال العنف والترهيب، تحديدا من الآباء والأمهات، وبشكر مستمر نتيجة التغيرات التي طرأت على العلاقات الأسرية، فان من الواجب التنبيه على جملة أمور من أهمها:

1. لابد أن تعمل الدولة ممثلة في أجهزتها التربوية والتعليمية والأمنية على دراسة هذه الظواهر المجتمعية دراسة معمقة، استنادا إلى ما حدث من أعمال عنف بحق الأطفال وما يحدث يوميا بسبب ممارسات الوالدين، بهدف الحد من تلك الظواهر المجتمعية الخطرة التي لا تؤثر على الأسرة فقط، بل على المجتمع كله، وتكون مصدر قلق للجميع سلطات ومجتمعات.

2. لابد من وضع ضوابط وشروط جديدة والتزامات قانونية ومدنية وعرفية على طرق الزواج المعتمدة بما يؤدي إلى تأسيس أسرة متماسكة ومترابطة. وتأسيس مؤسسات مجتمعية ومدنية تعنى بتدريب وتطوير كل من يرغب بالزواج أو تتدخل إيجابا في الحالات التي تحدث فيها خلافات ونزاعات يمكن أن تؤدي إلى هدم الأسرة وتشريد أطفالها.

3. لابد أن يأخذ القضاء من جهة، والشرطة المجتمعية من جهة أخرى دورهما، كل بحسب اختصاصه ومهامه، مثل التدخل لمصلحة الأطفال، واحتضان الأطفال في دور الرعاية الاجتماعية، وتعزيز الرقابة القضائية على الوالدين، وفرض عقوبات شديدة على كل منهما في حال ثبوت اعتداء لفظي أو بدني على أطفالهما، بما يؤمن وجود أسرة مستقرة، بشكل دائم.

.......................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
[email protected]
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق