ثمة إشكاليات عديدة في الصناعة النفطية التي تعد العصب الأساس للاقتصاد العراقي ومصدر التمويل الأساس للموازنة العامة، ينبغي مواجهتها وتحييدها او التغلب عليها بغية وضع الأساس الصلب لتطوير الصناعة النفطية على أسس حديثة لكي تكون المنطلق لتطوير بقية القطاعات الاقتصادية. ومن الممكن ان نشير الى عدد من هذه الإشكاليات وعلى النحو الآتي:

1.من الضروري ان تكون لوزارة النفط سياسة نفطية واضحة واستراتيجية محددة وبرنامج نفطي متناسق وواضح المعالم والاهداف والوسائل تخدم المصلحة الوطنية. في ضوء هذا البرنامج يتم مراقبة الحكومة وتقييمها ومحاسبتها بشكل دوري ووفق مؤشرات كمية قابلة للقياس والمقارنة والتحقق وهو ما نجده غائبا في برنامج وزارة النفط العراقية المدرج ضمن البرنامج الحكومي للمدة 2018 – 2022، والذي يشير بوضوح الى عدم وجود استراتيجية لتطوير قطاع النفط.

ثمة خياران استراتيجيان متضادان يتعلقان بشكل ونوع العلاقة مع أوبك ينبغي على وزارة النفط والحكومة القادمة ان تختار احدهما:

الخيار الأول هو البقاء ضمن منظمة أوبك والتقيد بحصص الإنتاج التي تقررها في ضوء الظروف الخاصة بالسوق النفطية العالمية وهو ما يعني بقاء الطاقة الإنتاجية للنفط العراقي على حالها من دون القدرة على زيادتها ليس فقط في الظروف الحالية التي تشهد انهيار أسعار النفط وانما حتى في المدى المتوسط والطويل خاصة بعد استعادة ايران وفنزويلا لطاقاتها الإنتاجية السابقة بعد رفع العقوبات الامريكية عليهما، فضلا عن الزيادات الكبيرة في الإنتاج من مناطق خارج أوبك وخاصة من الولايات المتحدة وكندا والبرازيل، ووفقا لهذا الخيار ليس هناك ضرورة لاستمرار عمل الشكات الأجنبية في اطار جولات التراخيص النفطية التي تكلف العراق سنويا 12 ترليون دينار ما دام انتاج العراق مقيد بحصته ضمن أوبك.

اما الخيار الثاني فهو الخروج من منظمة أوبك التي لم تعد فاعلة كما كانت في سبعينيات القرن الماضي والتي أضحت اليوم ميتة سريريا ويقتصر دورها على تحمل عبء تكييف العرض مع الطلب لتوفير حزم انقاذ للنفوط مرتفعة الكلفة كالنفط الصخري والرملي على حساب خسارة أوبك لحصصها السوقية لمصلحة المنتجين الاخرين. وهذا الخيار يتيح للعراق ان يضع استراتيجية نفطية لتحقيق زيادة في انتاج النفط الى مستوى 6 ملايين برميل يوميا والزام الشركات الأجنبية على تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي من خلال تجزئته الى ارقام او اهداف سنوية قابلة للتحقيق واستكمال البنية التحتية الإنتاجية والتصديرية من اجل زيادة الصادرات النفطية والاستحواذ على المزيد من الحصص السوقية لان الصراع القادم في سوق النفط سيتمحور في الحصول على المزيد من الحصص النفطية في السوق النفطية العالمية.

الإشكالية التصديرية للنفط الخام: تمثل الصادرات النفطية العراقية نحو 99% من اجمالي الصادرات العراقية ولذلك تعد مصدر الدخل الأساس في الموازنة العامة، غير ان تلك الصادرات تعاني من اختلالات هيكلية واضحة تتمثل في ان 97% منها تتدفق عبر ممر واحد في الجنوب عبر الخليج العربي في حين لا يتدفق من النفط العراقي عبر ميناء جيهان التركي سوى 2.2% والباقي يصدر الى الأردن عن طريق الصهاريج. ويؤدي التركز الكبير في الصادرات النفطية العراقية الى نوع من عدم المرونة في التصدير والى تأثره بالظروف السائدة في منطقة الخليج الساخنة كما انه يتعرض أحيانا الى التوقف بسبب الظروف الجوية، ومن هنا تظهر أهمية تنويع مصادر تسويق النفط العراقي وخاصة من خلال الخط التركي الذي تبلغ طاقته التصديرية مليون برميل يوميا.

ويتمثل الاختلال الثاني في تركز الصادرات النفطية العراقية بدولتين هما الهند والصين اللذان يصدر لهما العراق اكثر من مليوني برميل يوميا تشكل نحو 60% من الصادرات النفطية العراقية، ومع انهما من كبار مستوردي النفط في العالم اذ يستوردان نحو 16 مليون برميل يوميا إلا ان تركز الصادرات بهما يعرضها للتأثر بالظروف السائدة فيهما، فضلا عن هناك منافسة سعودية كبيرة للنفط العراقي المصدر لهما والتي نجحت في زيادة الصادرات السعودية الى الهند بأكثر من 200 الف برميل يوميا في شهر نيسان الماضي حيث بلغت 1.1 مليون برميل وضاعفت صادراتها الى الصين الى 2.2 مليون برميل بسبب سياسة الإغراق السعودي والخصومات الكبيرة في الأسعار اكبر من تلك التي اجراها العراق، في حين تدنت صادرات العراق الى الهند بمقدار 230 الف برميل يوميا. وكانت الزيادة في صادرات النفط السعودي إلى الهند في أبريل تساوي مقدار التراجع الذي شهدته المبيعات العراقية للهند تقريبًا. ومع أهمية الهند والصين في استيراد النفط العراقي إلا ان الاستراتيجية التسويقية العراقية ينبغي ان تنوع مصادر الاستيراد وان تهتم بالدول الأخرى وخاصة اليابان وكوريا الجنوبية وان تهتم اكثر بالسوق الامريكية والاوربية بغية توسيع وتنويع حصصها التسويقية.

4. من المهم ان يكون لوزارة النفط برنامج واضح لتحقيق الاكتفاء الذاتي من المشتقات النفطية من خلال الاستثمار في المصافي الجديدة او في تطوير السعات التكريرية في المصافي القائمة. وعلى العراق ان يأخذ بعين الاعتبار إضافة مصفى موجه للتصدير لإضافة قيمة لنفطه الخام وتنويع عروضها التصديرية المتعلقة بالطاقة وأي مصفى مثل هذا يجب ان يعالج على الأقل 300 ألف برميل/اليوم للاستفادة من وفورات الكميات وان يمتلك مثل هذا المصفى تكنولوجيا متطورة قادرة على معالجة الخام الثقيل على وفق المعايير العالمية وتماشيا مع الزيادة في الطلب العالمي.

العراق ربما هو الدولة الوحيدة المصدرة للنفط في العالم الذي لا يمتلك ولا ناقلة واحدة متخصصة بنقل النفط الخام الى الأسواق العالمية وكل ما تمتلكه شركة ناقلات النفط العراقية هو (4) ناقلات منتجات نفطية صغيرة الحجم تبلغ حمولاتها الإجمالية(53) ألف طن فقط. وهي تعادل 3.5% فقط من طاقات تلك الشركة في عقد السبعينات عندما كانت طاقاتها الاجمالية تصل الى 1.5 مليون طن ولذلك يتعرض العراق اليوم الى خسائر مالية كبيرة نظير ما يدفعه من كلفة نقل النفط العراقي الى الأسواق الخارجية على متن الناقلات الأجنبية، ولذلك من المهم جدا السعي الجاد لبناء اسطول جديد من ناقلات النفط الوطنية لتحقيق الوفورات المالية وتعظيمها.

إشكالية تصنيع الغاز ام استيراده: على وفق آخر احصائيات وزارة النفط في شهر آذار 2020 بلغ انتاج العراق من الغاز الطبيعي المصاحب للنفط 2674 مقمق (مليون قدم مكعب قياسي في اليوم) تم حرق 1460 مقمق منه أي نسبة الحرق في العراق تصل الى 54.6%، ولم يتم انتاج سوى 1217 مقمق من الغاز الجاف و 6324 طن/يوم من الغاز السائل في حين يستورد العراق نحو 14 مليون متر مكعب من الغاز الجاف (490 مقمق) الذي يستخدم في انتاج الكهرباء وهو ما يكلف البلد اكثر من مليار دولار سنويا. ولذلك ينبغي ان تستهدف السياسة النفطية في العراق تقليل المحروق من الغاز الطبيعي واستثماره وتصنيعه لإنتاج المنتجات الغازية لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتصدير الفائض منه الى الخارج.

حل إشكالية الفساد في قطاع النفط:

ويمكن الإشارة اليها من خلال ما يلي

أ. تهريب النفط: تعد عملية تهريب النفط من أكبر التحديات التي تواجه الاقتصاد العراقي في المرحلة الحالية، التي تقوم بها شبكات منظمة بعضها متجذرة في عملها وواسعة الانتشار في الأوساط التي تتعاطى مع تجارة النفط ونقله. تزداد عمليات تهريب كمات كبيرة من النفط العراقي إلى دول الجوار اذ وصلت الى نحو 93 الف برميل يوميا وبقيمة ملياري دولار سنويا، اذ تشهد محافظة البصرة تهريب أكثر من 40 ألف برميل نفط يومياً، وتنطلق مئات الصهاريج المحملة بالنفط الخام من مناطق نفط عراقية الى المنافذ الحدودية البرية والبحرية عبر موانئ الفاو وخور الزبير وأبو فلوس؛ حيث يتم تحميل النفط الخام على متن بواخر لا تحمل أي أوراق رسمية. كما يتم تهريب نحو 23 ألف برميل يوميًا من النفط من محافظتي صلاح الدين ونينوى من حقلي نجمة والقيارة. كما يجري تهريب نحو 30 الف برميل من حقول كركوك محملة على ما لا يقل عن 150 صهريجًا لنقل النفط.

وبين رئيس ديوان الرقابة المالية ان “أحــد الامــور الـتـي تـم رصــدهــا، هو التفاوت الكبير بعمليات تسليم النفط والمــشــتــقــات ســـواء كــان لـلاسـتـخـدام الـداخـلـي او لـلـتـصـديـر، بـسـبـب تهالك الـــعـــدادات، مـضـيـفـا ان النقطة الاخـرى التي شخصها الديوان وتسهم بعمليات تهريب النفط، ناتجة عن امتداد انابيب النقل سواء للخام او للمشتقات النفطية لمسافات كبيرة ولا توجد حراسات تغطيها، وبالتالي هناك نـقـاط يتم ثقب الانـبـوب فيها وسحب النفوط او المشتقات ونقلها عن طريق الصهاريج. ومن الطرق الأخرى التي تتم فيها عمليات تهريب النفط من خـلال قـيـام مـواطـن بتأجير ارض زراعــيــة او يتملكها عـبـر الـتـعـاقـد مع وزارة الـزراعـة من دون الـرجـوع لـوزارة الـنـفـط ويـظـهـر انـهـا تـحـوي مـحـرمـات نفطية..

ويشير التقرير السنوي في الفصل الأول لديوان الرقابة المالية عام 2019 الى ان اغلب منظومات القياس في مواقع المستهلكين للنفط الخام من الخط الاستراتيجي الواقع ضمن مسؤولية شركة نفط البصرة غير مستوفية لمحدد انتظام القياس الوطني فضلا عن ان معظم العدادات وأجهزة المعايرة للمستهلكين منتهية الصلاحية.

ب. عقود النفط: بعد الانهيار الذي حدث البنى الاقتصادية ومنها البنى التحتية لقطاع النفط العراقي منحت سلطة الاحتلال الأمريكي شركة هالبيرتون للطاقة وهي اكبر شركة خدمات للطاقة في العالم النسبة الأكبر من العقود (60%) من دون مناقصات. كما منحت فرقة الخليج وهي تحالف شركات بين بارسونز الامريكية والعراقيين في عام 2004 عقد تسليم غير محدود وبكمية غير محدودة مع منح مكافآت لكلفة زائدة تبلغ 800 مليون دولار من اجل تامين استمرار تشغيل البنية التحتية لقطاع النفط في العراق، ولم ينجز العمل بشكل جيد وشابه الكثير من الفساد .

كشف محققون بريطانيون عن رشاوى بما لا يقل عن 25 مليون دولار للفوز بصفقات نفطية بالعراق.

ووجهت اتهامات لاثنين من المديرين التنفيذيين السابقين لشركة «أونا أويل»، بالتآمر لتقديم رشاوى لتأمين عقود لتزويد ثلاثة أنظمة عائمة بحرية بين عامي 2005 و2011. وقد كشفت هيئة النزاهة في العراق عن وجود فساد في عقد ابرم بين شركة نفط البصرة الحكومية وشركتين عالميتين لشراء ثلاثة اذرع للتحميل. ويقضي العقد المبرم بين تلك الاطراف بشراء اذرع تحميل تبلغ قيمتها الاجمالية 126 مليون دولار بينما سعرها الحقيقي لا يتجاوز 40 مليون دولار.

وقد كشف تقرير لمكتب مكافحة جرائم الاحتيال البريطاني، ان التحقيقات لازالت جارية في قضايا تتعلق بشركة بتروفاك البريطانية للخدمات البترولية حيث وجهت الى رئيس قسم المبيعات السابق ديفيد لوكين تهم تتعلق بتقديم رشاوى وعروض فاسدة للحصول على عقود نفطية في العراق بلغت قيمتها 730 مليون دولار فقد دفعت الشركة حوالي 2.2 مليون دولار الى وكيلَين للحصول على عقد بقيمة 329.7 مليون دولار أمريكي من عقود الهندسة والتوريد والإنشاء في المرحلة الاولى من مشروع حقل بدرة النفطي في العراق في شباط من عام 2012. ودفعت الشركة رشاوى بقيمة 4 مليون دولار للحصول على تمديدات لعقد مرتبط بالتشغيل والصيانة في مشروع محطة الفاو للسنوات 2013 و 2014 و 2015 بقيمة 400 مليون دولار أمريكي تقريبًا لصالح بتروفاك. وقد حصلت بترفاك على عقود عديدة في العراق منها: عقد بقيمة 370 مليون دولار من شركة نفط البصرة لتوسيع مرفق المعالجة في حقل مجنون النفطي. وعقد آخر بقيمة 160 مليون دولار من شركة نفط البصرة لصالح مشروع توسيع صادرات النفط الخام العراقي”.

وأعلنت بتروفاك في تموز 2017 انها حصلت على تمديد عقد بقيمة اجمالية تزيد عن 100 مليون دولار لإدارة البناء والهندسة والتكليف وخدمات بدء التشغيل لشركتين نفطيتين دوليتين في العراق.كما حصلت الشركة على عقد بقيمة 500 مليون دولار يتضمن ادارة وتنفيذ عدد من المشاريع الانشائية في حقل الرميلة النفطي العملاق.

وتسبب العقد الموقع بين وزارة النفط والشركة العربية البحرية عام 2018 بهدر 17 مليون دولار من خلال تزويد الشركة بزيت الوقود المدعوم ويشمل العقد تأجير ناقلات واستخدام الرصيف 13 في خور الزبير ويمنح العقد الامتيازات واحتكار نقل المنتجات والتجارة النفطية لشركة اجنبية على حساب الشركات العراقية. وتستغل بعض الشركات النفطية التعاقدات الثانوية للحصول على المزيد من الأموال وبطرق غير قانونية مثلا قامت شركتي بترجاينا وسينوك الصينيتين المستثمرتين في حقول التراخيص في شركة نفط ميسان ببيع جزء من حصتها الشهرية المقررة من زيت الغاز والمحددة بالسعر الرسمي البالغ (400 دينار/لتر) الى الشركات الثانوية المتعاقدة معها بدلا من تجهيزها من قبل شركة توزيع المنتجات النفطية بموجب عقد اصولي وبالسعر التجاري البالغ (750 دينار/لتر). وقد بلغ قيمة الضرر عامي 2014 و 2015 نحو 13.536 مليار دينار.

إشكالية العلاقة بين المركز والاقليم: تعد موضوعة قطاع النفط والغاز مهمة جدا لكل من الحكومة الاتحادية والاقليم من ناحية الاستقرار السياسي والوحدة الوطنية والتنمية الاقتصادية وتعزيز الشفافية. اذ أدى الخلاف في تفسير مواد الدستور فيما يخص إدارة قطاع النفط والغاز الى عدم توحيد السياسة النفطية والغازية بين الجانبين وبالتالي الى ضعف التنسيق بينهما، وساهم هذا في الاضرار في النواحي التعاقدية والإنتاجية والتسويقية. كما ان عدم معرفة الحكومة الاتحادية لإنتاج النفط في إقليم كردستان أدى الى عدم وضوح ودقة كمية النفط المنتج في العراق لدى منظمة اوبك او المؤسسات الدولية. وغالبا ما تكون هذه الأرقام اقل من الإنتاج او التصدير الفعلي للعراق. لقد أدت هذه السياسة الى اضعاف موقف العراق في منظمة اوبك واضر بمصالحه إضافة الى تحمله أي كميات تخفيض في انتاج النفط تقررها اتفاقيات أوبك.

ان عدم وجود سياسة تسويقية موحدة بين الحكومة الاتحادية والاقليم يقلل من أهمية نفط الإقليم وقيمته في الأسواق العالمية وان تدفق كميات كبيرة منه الى السوق الاوربية ربما يؤثر سلبا على قيمة النفط العراقي في ذلك السوق. ومن الممكن حل هذه الإشكالية من خلال الاعتراف الرسمي للحكومة العراقية بالعقود التي وقعتها مع كردستان مع الشركات الأجنبية والتي تبلغ 57 عقدا مقابل قيام الحكومة العراقية بتحمل الديون الناجمة عن هذه العقود على ان يسلم الإقليم إدارة قطاعه النفطي وان تتولى سومو تصدير نفط الإقليم مثلما تقوم بتصدير النفط من المحافظات الأخرى فضلا عن ضرورة تسليم الإقليم لكل ايراداته الأخرى مقابل حصوله على الحصة المقررة له في الموازنة.

* أستاذ علم الاقتصاد في جامعة البصرة
شبكة الاقتصاديين العراقيين

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق