التظاهر أو الاحتجاج هو طريقة للتعبير عن رأي جماعة أو حزب سياسي أو شخص، ويكون عادةً في منطقة ذات شهرة واسعة لتوصيل الصوت والرأي المعارض للحكومة، إلى أغلب شرائح المجتمع. وفي الأغلب يتحول إلى صراع بين المحتجين والشرطة التابعة للسلطة التنفيذية، وأهم ما يجب أن يميّز المظاهرات لضمان نجاحها (السلمية)، والابتعاد عن العنف من جميع الأطراف، والتحلي بالصبر والمطاولة من قبل المحتجين، وفي المقابل على الحكومة أن تتعامل بصبر وجدّية مع مطالب المتظاهرين بعيدا أن التخوين والتسويف والمماطلة.

المظاهرات أو الاحتجاج فعاليات يعبّر من خلالها الأفراد أو المكونات الاجتماعية عن سخطهم وعدم رضاهم على الأداء الحكومي، وهي حق مكفول في معظم دساتير الدول الديمقراطية، كما أنها مورسَت في ظل حكومات سابقة ولاحقة، وتطورت مع تنامي الوعي السياسي والثقافي للشعوب، وعرف المسلمون والعرب هذا الحق واستخدموه في الضغط على حكوماتهم، ولكن هناك حالات قمع مشهودة من حكّام طغاة معرفين في التاريخ، وهنالك العكس حيث أفرزت تجربة الحكم في حكومة الإمام علي عليه السلام مظاهر (ديمقراطية) كثيرة، منها على سبيل المثال وليس الحصر، حرية المظاهرات والرأي والمعارضة.

من تجارب الحكم الإسلامية العربية الجديرة بالاهتمام والتبصّر، تجربة الإمام علي عليه السلام والتي استمرت خمس سنوات في حكم الدولة الإسلامية الممتدّة آنذاك على مناطق واسعة تعادل عشرات الدول الحاليّة، ومع هذه السعة والمصاعب الإدارية الكثيرة، كانت حقوق الناس مُصانة ومحترمة، مع ضمان حياة حرة وكريمة للجميع، من خلال اعتماد أساليب حكم متطورة، تضاهي تجارب الدول الحرّة اليوم، إن لم تتفوّق عليها، وهذا ما يجعل من العرب والمسلمين أصحاب إرث رصين في مجال حماية الحقوق وكفالة حق الاعتراض والتظاهر.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، يقول في إحدى كلماته التوجيهية القيمة:

(لقد سمح علي بن أبي طالب صلوات الله عليه في أيّام حكومته بالمظاهرات ضدّه بدون أية إجراءات رسمية، وكان يلبّي مطالب المتظاهرين، وهذا ما لا تجده حتى في البلاد الحرّة).

مساوئ غياب تكافؤ الفرص

ولكن للأسف لم يوظّف الحكام والسياسيون اللاحقون ذلك الإرث المتميز في تجارب الإدارة الناجحة للسلطة، على الرغم من التنبيه المستمر على أن السلطة وما تقدمّه من مغريات قد تطيح بشخصية الحاكم وحكومته في حبائلها، فالأموال والكنوز والجاه والقوة وكل الامتيازات الأخرى، يمكن أن يحصل عليها من يصل إلى السلطة هو وذووه ومؤيدوه، لاسيما إذا غابت معايير العدالة في توزيع الثروات، أو في غياب تكافؤ فرص العمل والتعليم والصحة وتطوير المهارات، وحصر ذلك بأبناء السلطة، واعتماد القرابة والمحسوبية والحزبية في منحها للمواطن.

هذا للأسف ما حدث في العراق بعد إزاحة الحقبة الدكتاتورية من الحكم، ووصول المعارضين إلى دفة السلطة، فمن دخلوا في الميدان السياسي ونشطوا فيه على وفق الأسس الديمقراطية الجديدة، لم يستفيدوا من تجربة الإمام علي عليه السلام، ولم يطّلعوا على تفاصيلها، وعلى سلسلة الخطوات الإدارية التي اتبعتها تلك الحكومة الناجحة، فضلا عن المعالجات الاقتصادية ومنع تدخّل الدولة والسلطة في البيع والشراء واحتكار الإنتاج كما تفعل بعض الحكومات الإسلامية والعربية، فيما عزّزت حكومة الإمام علي دور القطاع الخاص، ورفضت بيع الأرض كونها ملْكٌ (لله ولمن عمَّرها).

ولو أن حكومات العراق في العهد الديمقراطي، تعلّمت إدارة الأموال والسياسية من حكومة الإمام علي عليه السلام، لما وصلت الأمور والتعقيدات إلى ما هي عليه الآن، ولما تظاهر الناس على حكومتهم، ولكن حين تُدار الدولة ومؤسساتها وثرواتها بعيدا عن العدالة والإنصاف، فإن تراكم الأخطاء وعدم معالجتها تباعا برويّة وذكاء وتخطيط سليم، من شأنها أن تدفع الشعب إلى الضغط على سلطاته كي تعيد النظر بما آلت إليه الأمور من مشاكل خطيرة، وهو ما يحدث اليوم في العراق!.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله): يؤكّد على إنه (في بداية أوّل حكومة في العراق بعد سنة 2003، قلتُ لبعض المسؤولين العراقيين: الآن لا يوجد علي بن أبي طالب صلوات الله عليه بيننا، ولكن نهجه موجود فتعلّموا منه).

في إشارة واضحة إلى أن المسؤولين بعد 2003 كان عليهم أن يتدبّروا تجارب الحكم السابقة وخصوصا تجربة الإمام علي عليه السلام، كونها كانت أقرب من سواها إلى الديمقراطية، فالمظاهرات والاحتجاج كان مقبولا بل مضمونا من قبل الحكومة نفسها، والرأي مُصان، وجميع الناس كانوا أحرارا فيما يقولون ولهم حق الاعتراض على سياسة الحاكم، دون أن يمنعهم أحد أو يصادر منهم هذا الحق.

لهذا على الرغم من سعة جغرافية دولة المسلمين في عهد الإمام علي عليه السلام التي شملت منطقة الشرق الأوسط وسواه لتصل إلى أعماق أوربا وأفريقيا، فإن الحقوق السياسية ظلّت محمية، فلم تطارد الحكومة أحدا من مواطنيها، ولم تقبض على أحد ولم تقتل أحدا، كما أن خلوّ سجل الحكومة من سجين واحد يدل على أن حكومة الإمام علي عليه السلام نموذجا لإدارة السلطة والتعامل مع مصالح المواطنين بمختلف انتماءاتهم.

ما أصعب المشاكل التي واجهها العراقيون؟

تُرى هل فعل ذلك المسؤولون بعد 2003؟، وهل حرصوا على قراءة تجارب الحكم الناجحة، وهل جاءوا إلى سدة الحكم كي ينصفوا العراقيين ويعوضوهم عن حقبة الحكومات الانقلابية الدكتاتورية، أم أنّ السلطة وامتيازاتها أغرتهم وأنستهم مهامهم وأهدافهم الصحيحة؟.

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظلّه): (الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، حكمَ أكبر رقعة على وجه الأرض في زمانه، من خلال العراق والكوفة، في خمس سنوات، وشملت حكومته كل الشرق الأوسط باستثناء الشام التي كانت بيد معاوية، وامتدّت إلى عمق أوروبا وإلى عمق أفريقيا. وفي ذلك الوقت أي قبل (1400) سنة في حكومة علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، لم يوجد حتى قتيل سياسي واحد، ولا سجين سياسي واحد).

من المشكلات التي عانى منها العراقيون خلال السنوات الماضية تدخّل الدولة في الشؤون الاقتصادية، وتحويل الدولة إلى النمط الريعي، وصار المواطن استهلاكيا من الدرجة الأولى، حيث توقفت الصناعة والزراعة، وصارت الدولة تعتمد على النفط كمصدر وحيد حتى شكّلت موارد النفط 90% من الميزانية، علما أن ثروة النفط معرّضة للنضوب، وأن الأجيال القادمة لها حصة في هذه الثروة، فهل انتبه المسؤولون إلى هذه القضية المستقبلية المصيرية؟

الجواب: كلا، والدليل تدخل الدولة في البيع والشراء، وإهمال المصانع والمعامل، وإغفال الزراعة والمزارعين، وهذا جعل الدولة مسيطرة على كل شيء، وجعل الحكومة تتحكم بكل شيء، وهو أمر لم يكن موجودا في حكومة الإمام علي عليه السلام، ولو أنّ حكام اليوم هضموا هذه التجربة بعمق، وآمنوا بها بصدق، لما وصلت المظاهرات والاحتجاجات على الحكومة إلى ما وصلت إليه اليوم.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظلّه) يقول: (كان الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله عليه يوصي ولاته على الأمصار بعدم التدخّل في عمليات البيع والشراء، وأن يجعلوا الاقتصاد حرّاً للجميع، وكان يوصيهم بالمراقبة فقط).

ليس من مهام الدولة أن تتحكم بالاقتصاد، ولا يجب أن تسيطر على حركة العمل والإنتاج، وإنما دورها الصحيح هو المراقبة وإدارة شؤون الشعب، وإحقاق الحق وفق معايير العدالة الاجتماعية، بهذه المواصفات العالية نجحت حكومة الإمام علي عليه السلام، وصارت نموذجا ناجحا للحكم، فإن أرادت الحكومة الحالية في العراق أو غيره من الدول العربية والإسلامية بل وحتى العالمية، أن تنجح في مهماتها، فيمكنها قراءة ودراسة وفهم تلك التجربة العظيمة وتطبيقها لحل جميع المعضلات.

انقر لاضافة تعليق