الضمير مفهوم فرضي لنوع وكمّ المعايير والقيم الأخلاقية والدينية والاجتماعية التي يمتلكها الفرد ويستخدمها في عملية اصدار الحكم على ما يقوم به من أفعال وتصرفات، ومقارنتها بمعايير مثالية للذات، وقد شبّه بعض العلماء الضمير بـ "صوت الحق"، فيما وصفه آخرون بالنظرة المتخيلة عما نريد ان نكون او ينبغي ان نكون، فيما يعدّه آخرون (الرقيب) على ما نقوم به من افعال، أو (القاضي) الذي يحاسبنا على أخطائنا.

غير ان معايير الضمير التي بموجبها نستحسن سلوكنا او نستضعفه تعتمد على القوانين والقيم والعادات الاجتماعية. وبهذا يكون الضمير هو احد اهم المؤسسات الاجتماعية للسيطرة على السلوك من خلال الضبط الاجتماعي والأخلاقي، والشخص ذو الضمير السليم يمتلك شخصية سليمة اذا بذل الاهتمام بضميره.

ومثل هذا الاهتمام يفضي الى نتائج مريحة، منها أنه يمكّن صاحبه من نيل ما يكفي من الحاجات المشبعة ليعيش حياة ممتعة خالية من الشعور بالأثم، ويتمتع بنفس الوقت بتقدير عال للذات نسبيا، ويكون سلوكه مستحسنا بين اعضاء جماعته ما دام ضميره مطابقا للنظام القيمي للجماعة، ويعتاد على أن يسلك سلوكا مقبولا بطريقة آلية.

وحين يشعر بالذنب فأنه يكون قادرا على ان يحدد تلك الجوانب من الضمير التي قام بمخالفتها، وعندما يحصل لديه صراع في الضمير يكون قادرا على الحوار مع نفسه بصراحة عن الجوانب المتناقضة بحيث يتخذ القرار المناسب بعد ان يدرس المسائل الخلقية بما يكفي من العناية.

ولا يشعر المرء ذو الضمير السليم بأن ضميره سلطة أجنبية أو قوة يطيعها قسرا او خشية، بل يشعر أن ضميره هو مجموعة من المثل والمحرّمات صارت جزءا من ذاته الحقيقية ينصاع له لأنه يريد الأنصياع، لا خوفا او رغما عنه، والذي لا يعرفه كثيرون ان للضمير علاقة بالصحة النفسية وحتى بالمرض البدني، حين لا يكون متمتعا بالصحة النفسية.

ومثل هذا الضمير يكون على أنواع فالضمير الحازم أكثر مما ينبغي يجعل صاحبه تعيسا، لأنه يحدّ السلوك ويقيده اكثر مما تفعله العادات والتقاليد والقوانين، فيحرم نفسه من الاستمتاع بمباهج الحياة المشروعة التي يتمتع بها الاخرون.

ونوع آخر من الضمائر غير الصحية نفسيا هو الضمير التسلطي، الذي يعتقد صاحبه ان رموز السلطة هم اقوياء يجب ان يطاعوا دون تردد، فيعاني صاحبه من الشعور بالاثم حتى عندما يخطر له ان يتحدى السلطة. ونوع ثالث هو الضمير الاسقاطي، الذي يقوم صاحبه بأسقاط احكامه الخلقية على الآخرين اي انه يقيس سلوك الآخرين واخلاقهم (بمسطرة) ضميره هو، ويصدر احكامه عليها بموجب ذلك، مع ان الكثير من احكامه هذه تكون خاطئة. والاكثر من ذلك، ان صاحب الضمير الاسقاطي يرحّل اخطاءه على الآخرين، ولا يعترف بها مطلقا، ويعتقد ان الجميع ينتقدونه ويضطهدونه.

ونوع رابع يعيش حالة صراع تتعارض فيه القيم والمثل والمحرمات يستدعي الانصياع لبعض اوامر الضمير التي تخالف اوامر اخرى مما يؤدي الى الشعور بالاثم. واحد اهم اسباب هذا النوع من الضمير الذي يعاني من الصراع، هو الابوان المختلفان في معايير السلوك، كأن تطلب الام من ابنها شيئا يعارضه الاب، فيحتار الطفل بين قيم ابيه وقيم امه.

وما لا يعرفه كثيرون ان هذه الانواع من الضمائر غير الصحية نفسيا تصيب اصحابها بامراض بدنية، اخطرها: الضغط العالي، السرطان بل انها قد تقتل اصحابها بالسكتة القلبية!، قد تردّ عليّ جنابك وتقول: لو كان هذا صحيحا لأصيب ثلثا أعضاء البرلمان العراقي بالسرطان او السكتة القلبية، والحق معك، ولا تفسير لذلك سوى احتمالين: اما انهم لا يمتلكون ضميرا أصلا بالمعنى الذي يحاسبهم ويحسسهم بالشعور بالذنب أو أنهم يبتكرون آليات نفسية تبريرية غالبا ما تكون "دينية" كأن يستغفر ربه وقت الغروب بعدد خرزات مسبحته، أو الطواف حول الكعبة معتقدا عن يقين بأن الله غفور رحيم حتى لو كان قد أكل المال الحرام.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق