قد لا نجافي الحقيقة إذا قلنا بأن للتدريب مفعول السحر على الإنسان، لاسيما في جانب الثقة بالنفس وتصاعد مستوى المعنويات التي تؤدي بدورها إلى تطور مهارات الإنسان بصورة سريعة وأكثر دقة، فالشخص الذي يتدرَّب على أيدي مدرِّبين ماهرين، سوف يكتشف في وقت قصير بأنه يكتسب قدرات جديدة تقرّبه من الاحتراف والمهنية العالية في المجال الذي يعمل فيه، وكلما كان التدريب علميا منهجيا، ستكون المنتَج أكثر جودة واتقانا.

في هذه النقطة بالذات تكمن أهمية التدريب، فالأخير يُسهم بصورة فعالة في خلق قاعدة عمالة واسعة تتصف بالمهارات العالية، فعندما يتأكد الفرد بالتجربة، أنه قادر على التطور، وأن اكتسابه المهارات الجديدة أمرا ليس مستحيلا، عندئذ سيكون أكثر تفاؤلا وأكثر ثقة بالنفس، فضلا عن الآثار الصحية الجيدة التي ستظهر عليه، لذا تكمن أهمية دورات تنمية المهارات ومساعدة الإنسان على تعزيز قدراته، وصقل شخصيته وجعله واثقا من نفسه، وأكثر قدرة على الانخراط في محيطه الاجتماعي، ويستطيع الإنتاج، وإظهار مهاراته ومواهبه التي ستميزه عن غيره، وتمدّه بسبل النجاح في مجال عمله، وثمة فائدة أخرى ليست مباشرة، تخص إمكانية نقل المهارات إلى الأقران حيث يتأثر الإنسان بما هو جيد ويدخل في مجال المنافسة الإيجابية.

وثمة تجارب فعلية على المستوى العالمي أكدت أهمية المران والتدريب النوعي، وإمكانية إحداث قفزة هائلة في مجال الإنتاج المتّسم بالجودة والتميّز، ففي هذا الصدد أكدت دراسة صدرت عن جامعة زيورخ السويسرية، أن الحرص على تنمية المهارات والتدريب لتنمية القدرات الشخصية، تساعد كثيرا في تعزيز الشعور بالثقة بالنفس وتنمي الشعور بالتفاؤل والأمل، وتقضي على الشعور بالعزلة وتعزز حب التطلع الى الأفضل واكتساب المعرفة، ما يعني تطوير مهارات الفرد والتأثير في من هم على مساس بتجربة وطرائق تطوره.

ولعل أهم ما يعكسه التدريب على شخصية الإنسان أو العامل المتدرب، يظهر في جانبين هما الجانب النفسي والمعنوي، وقد ذكرت الدراسة التي قدمها مجموعة من الباحثين في علم النفس بالجامعة أنها تمكنت للمرة الأولى في العالم من متابعة الأثر النفسي والمعنوي لمن يحرص على تنمية قدراتهم الشخصية والمهارات، عن طريق التدريبات المتخصصة والدورات التعليمية ذات الصلة، فرصدت تقدما هائلا في توجهاتهم المهنية والصحية، فلا ينحصر التقدم في جودة الإنتاج وإتقانه، وإنما ينعكس ذلك على الصحة النفسية وحتى العضوية للإنسان.

كيفية تنمية وتعزيز المهارات

واستندت الدراسة على أبحاث ميدانية أكدت أن تقوية شخصية الإنسان تكون أكثر نجاحا من خلال البحث عن الجوانب الايجابية في النفس البشرية بشكل عام، وكشفت الدراسة أن النواحي الايجابية للحالة النفسية للإنسان التي تؤدي إليها الدورات التدريبية المتخصصة، لا تكمن فقط في الكشف عن المهارات الشخصية، وإنما أيضا في كيفية تنميتها وتعزيز القدرات الشخصية في المجالات التي يميل إليها كل شخص، هنا يبدو تأثير التدريب جليا في شخصية المتدرب ويجعله ذلك مندفعا في تحسين الإنتاج نوعاً وكمّا، لأنه سيكون أكثر انسجاما مع عمله، ويرافقه شعور بالقبول وينعكس ذلك على صحته بصورة أفضل بكثير من العامل أو الإنسان الذي لا يحصل على فرص كافية لتطوير مهاراته وإمكانياته.

وقد وعت المجتمعات المتطورة، وحكوماتها الجادة، أهمية التدريب، فضلا عن القطاع الخاص الذي أدرك أهمية الإطراء والتشجيع وزج العمالة في دورات نوعية لزيادة مهاراتهم، ليعود ذلك بأرباح هائلة لرب العمل، هكذا تبدو أهمية تطوير المهارات غاية في الأهمية، لذا على الجهات المعنية الحكومية والأهلية أن تهتم بالغ الاهتمام في هذا المجال الذي يتعلق ببناء شخصية الإنسان وبلورة قدراته وصقل مواهبه الأمر الذي ينعكس على مجمل نشاطاته الفكرية والعملية، وإذا كنا نتفق أن الفرد عضو من مجتمع واسع وكبير وان مجموع الأفراد يشكلون المجتمع، لذا فإن المجتمع كله سيكون منتجا وقادرا على العطاء الأفضل فيما لو تنبّهت الجهات المعنية الى الفوائد الكبيرة التي تقدمها تنمية القدرات لأفراد المجتمع من خلال المران والتدريب المهني الوافي، لذلك هناك دول وقطاعات عمل أهلية رصدت أموالا طائلة لتدريب موظفيها وعمالتها، فالمهارات العالية هي المقياس الأول لديهم في الحصول على وظيفة ما.

المعرفة والتفاؤل والاعتراف بالجميل

بالطبع لم تأت تجارب التدريب جزافا، ولا يمكن للجهات المشرفة على العمل والإنتاج أن تقدم الملايين أو المليارات من دون طائل، فحين يصرف رب العمل مليونا واحدا على التدريب، فإن ذلك سوف يعود عليه بأموال مضاعفة، وقد تم دراسة هذه النتائج بدقةـ فأصبحت من أهم مبادئ المالكين للمشاريع الإنتاجية، فقد اعتمدت الدراسة المذكور في أعلاه على نتائج متابعة 178 حالة لأشخاص بالغين تم اختيارهم عشوائيا لضمان تنوع انتماءاتهم واهتماماتهم ثم وزعوا على ثلاث مجموعات اهتمت الأولى بتنمية مهارات حب المعرفة والعرفان بالجميل والتفاؤل والثانية ركزت في تنمية اهتمامات الفرد بالابتكار والتعامل الجماعي وحب التعلم بينما اهتمت الثالثة بتنمية مهارات التخطيط بعيد المدى والتخطيط الايجابي.

وأظهرت نتائج متابعة حالات المشاركين بعد عشرة أسابيع من التدريبات المتواصلة ارتفاع معدلات الشعور بالتفاؤل والإقبال على الحياة لدى المشاركين في المجموعة الأولى في حين ارتفعت نسبة الشعور بالطموح الايجابي والرغبة في التطوير والتجديد لدى أعضاء المجموعتين الثانيتين. وأوضحت الدراسة ان القاسم المشترك بين جميع المشاركين هو الشعور بالرضا النفسي والقناعة المعنوية بشكل ايجابي واستطاعتهم تقديم المزيد في المجالات التي يرون أن لديهم إمكانيات متميزة فيها فضلا عن إمكانية التحكم في مشاعرهم أثناء الاختيار بين أكثر من حل لمشكلة مطروحة وصولا الى أفضلها وتعزيز الشعور بالإصرار وصولا الى النجاح.

هكذا توضح الدراسات الميدانية المعنية بتطوير القدرات والمهارات، مدى أهمية دورات التنمية لرفع كفاءة الإنسان، ودفعه كي يكون عنصرا فاعلا في المجتمع وفي الحياة برمتها، من هنا ينبغي على حكومات الشعوب التي تعاني من ضعف البناء المجتمعي ومن انتشار اللامبالاة والخمول والتردد بين أفراد المجتمع، أن تعوّل كثيرا على مثل هذه الدورات، وان تستفيد من تجارب الدول التي سبقتها في هذا الميدان، كأن تأتي بخبراء مختصين بتطوير القدرات البشرية وترسل أفرادها الى الخارج لدخول دورات التنمية، وتخصص لها الأموال اللازمة كونها الطريقة الناجحة والمؤكدة لبناء الإنسان الفاعل، ومن ثم بناء المجتمع الناجح من خلال اكتشاف قدرات أفراده وجعلهم أكثر تفاؤلا وعطاءً واندماجا مع الآخرين.

خلاصة القول، نحتاج كعراقيين في هذا المجال، إلى التركيز على تطوير المهارات على نحو مستمر، ليس من قبل الحكومة وحدها، وإنما تقع مسؤولية كبيرة على القطاع الخاص في هذا الجانب، ولا ينبغي أن يكون الربح هو الهدف الدائم وتحصيل أكبر قيمة من الأموال، مع إهمال التدريب بسبب ما يقدمه رب العمل مقابل ذلك للمدربين، فإذا ترغب بتحسين الإنتاج بالكمّ والنوع، عليك أن تكون مستعدا دائما، لتطوير الموظفين والأيدي العاملة، والتركيز على الأيدي الماهرة، فهذا هو الطريق الأسرع لجني الأموال بقيمة مضاعفة.

انقر لاضافة تعليق