يمتلئ عالم الأعمال بقصص نجاح مشهورة يعرفها كثيرون، لكن على الجانب الآخر توجد بعض الأخطاء التي ارتكبتها شركات كبرى، وتسببت في توقف بعضها أو إلحاق خسائر كبيرة ببعضها الآخر. لذا، كانت هذه الأخطاء دروسًا غير مجانية تكلفت مليارات.

1- رفض شركة ياهو شراء غوغل

في عام 1998، كان محرك البحث غوغل لا يزال ناشئًا في مجال محركات البحث، وكانت خطة المؤسسين في هذا الوقت هي بيع الشركة للمهتمين، بهدف التركيز على متابعة الدراسة في جامعة ستانفورد في ذلك الوقت. لذا، عُرضت غوغل على شركة ياهو.

كانت رؤية الشركة وقتها هي أنّ نظام محرك البحث غوغل ليس مناسبًا لها، لأنّه يعتمد على إرسال المستخدمين إلى صفحات المواقع وفقًا لنتائج البحث، بدلاً من قضاء الوقت على النظام المستخدم في البحث نفسه كما يحدث في ياهو، لذلك لم تكن ترغب في الاستجابة لعرض غوغل بقيمة مليون دولار.

لم يحدث الخطأ من ياهو مرة واحدة، إذ في عام 2002، دخل الرئيس التنفيذي لياهو وقتها تيري سيمبل في مفاوضات أخرى بهدف الاستحواذ على غوغل. أراد سيمبل دفع 3 ملايين دولار، بينما كانت رغبة غوغل هي الحصول على 5 ملايين دولار.

2- رفض شركة Excite شراء غوغل بأقل من مليون دولار

في عام 1999، كان محرك البحث Excite يمتلك ترتيبًا متميزًا من ناحية الاستخدام، ولذلك رأى مؤسسو غوغل الاتّجاه إليه لمحاولة بيع غوغل، وكان المبلغ المطلوب في الصفقة هو مليون دولار، وبعد المفاوضات قبلت شركة غوغل تخفيض المبلغ بقيمة 250 ألف دولار، لتصبح قيمة الصفقة 750 ألف دولار. لكن برغم ذلك لم تستجب شركة Excite لهذا العرض.

انتهى المطاف بالشركتين (Excite وYahoo) إلى البيع، فالأولى استحوذت عليها شركة AskJeeves والثانية استحوذت عليها شركة Verizon. بينما شركة غوغل الآن هي الشركة الكبرى في مجال محركات البحث، وتتجاوز قيمتها 1.8 تريليون دولار.

3- تغيير شركة كوكاكولا في المنتج الأساسي لها

امتلكت شركة كوكاكولا الريادة في السبعينيات من القرن الماضي في سوق المياه الغازية، فقد كانت هي المشروب الأكثر مبيعًا. لكن مع ذلك، واجهت الشركة صعودًا من شركة بيبسي التي بدأت في امتلاك جزء من الحصة السوقية، إضافة إلى منازعة شركة كوكاكولا في مكانتها الحالية.

فكرت شركة كوكاكولا وقتها في اتّخاذ قرار إجراء تغيير كبير في الشركة، من خلال التعديل على مشروبهم، وإصدار نسخة جديدة منه مع التعديل على العلامة التجارية، وتنفيذ حملات تسويقية واسعة لنشر المنتج الجديد. لكن لم يتقبل الجمهور هذا التغيير الجذري، لارتباطهم بالمنتج الأصلي، وعدم رغبتهم في مثل هذا التغيير الكبير، وهو ما دفع الشركة بعد فترة قصيرة إلى العودة مرة أخرى للمنتج التقليدي المعتاد.

4- رفض شركة Blockbuster العديد من العروض لشراء Netflix

اعتاد الناس نمطًا محددًا لمشاهدة الأفلام في الماضي، إذ يعتمد هذا النمط على تأجير أفلام الفيديو من الأماكن المتخصصة في ذلك، مثل شركة Blockbuster التي كانت واحدة من أكبر الشركات المتخصصة في الأمر آنذاك.

عندما ظهرت Netflix، كان هدف الشركة هو إيجاد نموذج عمل جديد لهذا المجال، يركز على إرسال الفيديوهات إلى المهتمين عبر البريد. عرضت Netflix على شركة Blockbuster إمكانية بيع الشركة إليهم، وفي الوقت ذاته الاستفادة من خدمات Netflix، من خلال تولي عملية إرسال الشرائط التي تبيعها Blockbuster إلى الجمهور، ولكن فيما يتعلق بجزء البريد.

جاء رد Blockbuster برفض العرض، مع السخرية من فكرة Netflix. لم تتوقف الأخيرة عن المحاولة في هذا المجال، إلى جانب تحسين نموذج العمل الخاص بها، ليشمل أيضًا امتلاك منصة متخصصة لعرض محتوى الفيديو. في النهاية تحول الجمهور إلى النموذج الرقمي، ولم تعد شركة Blockbuster قادرة على المنافسة، والآن تستحوذ Netflix على جزء كبير من الحصة السوقية في هذا المجال.

5- امتلاك شركة كوداك لأول كاميرا رقمية لكن دون استفادة حقيقية

في القرن الماضي، اشتهرت شركة كوداك بكونها الرائدة في مجال التصوير الفوتوغرافي، لكن مع ذلك امتلكت الشركة وقتها أول كاميرا رقمية، تلك التي صنعها مهندس الشركة ستيفن ساسون، المتخصص في تصنيع الكاميرات، وحصل على براءة اختراع لها في عام 1977.

لم يكن مسؤولو الشركة وقتها مستعدين للدخول في عالم الكاميرات الرقمية، إذ كانت رؤيتهم أنّ الناس لن تستجيب لهذا النوع بسهولة، وسيظل لديهم التفضيل للنمط الحالي من التصوير. حتى إنّ إجابتهم لعرض الفكرة من ستيفن كانت: "هذه فكرة لطيفة، لكن لا تخبر أحدًا عنها".

في النهاية تأخرت استجابة كوداك للسوق، ولم تقدم تكنولوجيا الكاميرات الرقمية إلّا في وقت متأخر، إذ كانت وقتها غير قادرة على منافسة الشركات الموجودة، ولم تنجح في تحقيق الأرباح التي تأمل بها، حتى انتهى بها الأمر إلى إعلان الإفلاس في عام 2012.

6- سماح شركة Xerox لشركة أبل بالدخول إلى منشآتها

في سبعينيات القرن الماضي، نجحت شركة Xerox في ابتكار العديد من تقنيات الحاسوب، وقدمت بعض المنتجات المتميزة مثل الحاسوب الشخصي المسمى Xerox Alto، وواجهة المستخدم الرسومية (GUI). تعد واجهة المستخدم الرسومية أحد أساسيات أنظمة الحاسب الحديثة، لأنّها جعلت المستخدمين قادرين على التفاعل مع الصور والرسومات بالجهاز، بدلاً من النصوص فقط.

طلبت شركة أبل زيارة منشآت عمل للشركة للاطلاع عليها، وذلك في مقابل دفع مليون دولار. ذهب بعض الموظفين من أبل، وبرفقتهم ستيف جوبز، في زيارة استمرت لمدة ثلاثة أيام. تعلم فيها ستيف جوبز ورفقاؤه الكثير من الشركة، ما ساعدهم على بناء منتجاتهم بعد ذلك.

رفعت شركة Xerox دعوى قضائية ضد أبل في نهاية الثمانينيات لاستخدامها تقنية واجهة المستخدم الرسومية، لكن رُفضت القضية، ونجحت شركة أبل في التطور في هذا المجال، بفضل ما تعلمته في داخل مختبرات وأماكن عمل شركة Xerox.

7- رفض ويسترن يونيون الدخول إلى عالم الهاتف

عملت شركة ويسترن يونيون في مجال إرسال التلغرافات لسنوات عديدة. في عام 1876، ذهب ألكسندر غراهام بيل يعرض عليهم اختراعه الجديد المعروف باسم "الهاتف"، الذي يمكن من خلاله نقل الأصوات عبر التموجات الكهربائية. عرض ألكسندر على الشركة بيع براءة اختراعه بمقابل 100 مليون دولار، فهو رأى جهازه سيحدث ثورة في عالم الاتصالات.

لم ترد الشركة آنذاك سوى بالسخرية، فإلى جانب التكلفة الكبيرة المطلوبة في الاختراع، فقد كانت لديهم قناعة بأنّه لا يمكن لهذا الاختراع أن يحل بدلاً من التلغراف بوصفه وسيلة اتصال أساسية. في العام التالي أُنشئت شركة Bell Telephone، التي تعد إحدى أهم الشركات في تاريخ أمريكا. بعد سنوات أصبح اسم الشركة American Telephone & Telegraph، ونجحت في الهيمنة على عالم الاتصالات.

8- رفض شركة نوكيا استخدام نظام الأندرويد

اشتهرت شركة نوكيا بكونها واحدة من كبرى الشركات في مجال الهواتف، إذ امتلكت حصة سوقية كبيرة، وكانت هواتفها الأكثر استخدامًا وتداولاً بين الأشخاص. لكن مع ذلك لم تنجح شركة نوكيا في الحفاظ على استمراريتها، وتمسكت بأسلوبها القديم ونظامها المستخدم في تشغيل الهواتف، فكان أحد أكبر أخطائها هو رفضها الحصول على نظام أندرويد واستخدامه في العمل.

لم تقدر شركة نوكيا على التكيف مع حقيقة أنّ الطلب على البرامج أصبح أكثر من الأجهزة، فرفضت التعاون مع غوغل وتصنيع هواتف تستخدم نظام أندرويد، الذي يعد بسيطًا وسريعًا في استخدامه، إلى جانب احتوائه على مجموعة متنوعة ومتميزة من التطبيقات في متجره. في النهاية تراجعت نوكيا وخسرت جزءًا كبيرًا من شعبيتها نتيجة لذلك.

9- خطأ الرياضيات الذي كلف ناسا 125 مليون دولار

حتى الكسور العشرية قد تُحدث فارقًا في عالم الأعمال. في عام 1999، فُقدت المركبة المدارية المتجهة إلى المريخ، نتيجة لخطأ بسيط جدًا في الحسابات، إذ صُممت المركبة بوساطة شركة لوكهيد مارتن، ثم منحتها لناسا لاستخدامها في رحلة المريخ.

استخدم المهندسون في شركة لوكهيد قياسات إنجليزية في الحساب، بينما يعتمد فريق ناسا على قياسات متريّة. أدى عدم التطابق بين الاثنين إلى حدوث خلل في المركبة، بلغت قيمته 125 مليون دولار، ونتيجة لذلك فُقد المسبار.

اشتركت مع ناسا في الخطأ شركة لوكهيد، فالثانية لم تلتزم بما تنص عليه مبادئ وكالة ناسا من استخدام المقاييس المترية في الحسابات، أمّا الأولى فلم تدقق في التفاصيل وتحاول التأكد منها، وفي النهاية تكلفت الاثنتان هذه الخسارة الكبيرة.

4 دروس مجانية نتعلمها من هذه الدروس غير المجانية

بالطبع هذه الدروس كلفت شركات مليارات الدولارات، وبعضها تسبب في إغلاق شركات. لكنها تعد لأصحاب الشركات الأخرى دروسًا مجانية في عالم الأعمال، يمكنهم الاستفادة منها والانتباه إليها في أعمالهم باستمرار.

1- البحث عن الفرصة

في عالم الأعمال، يجب على الشركات ألا تنتظر الفرص لتأتي إليها، ولكن الذهاب بحثًا عن هذه الفرص لمحاولة الاستفادة منها. هذه واحدة من أهم جوانب ريادة الأعمال التي تقوم على المخاطرة، إذ في هذه المخاطرة تكمن العديد من الفرص.

من أشهر الاقتباسات التي تُنسب إلى هنري فورد، يصف فيه الحال قبل ظهور السيارة، مع استخدام الناس للخيول، ويقول في هذا الاقتباس: "إذا سألت الناس عمّا يبحثون عنه، ستكون الإجابة هي: خيول أسرع". من ثم، تكمن الفرصة في قدرة أصحاب المشروعات على رؤية الشيء الذي لا يراه غيرهم، ومحاولة استثماره قبل أن يفعل الآخرون.

2- تقبل التغيير والتكيف معه

كثيرًا ما تفشل الشركات نتيجة عدم قدرتها على تقبل التغيير، والاعتقاد بأنّ الأمور ستسير بالصورة نفسها باستمرار. لذا، من أهم الأمور التي يجب وجودها لدى الشركات عدم تجاهل مؤشرات هذا التغيير، وتقبل حدوثه حتى إذا كان سيترتب عليه تغيير كبير في طبيعة عملها.

مثلاً نجاح كوداك أو نوكيا في السيطرة على الأسواق لفترة طويلة من الوقت، لن يجعلهم قادرين على الاستمرار في هذا النجاح. لذا، لا بد للشركات من الاعتراف بوجود التغيير وأثره على طبيعة عملها، ومن ثم الاستعداد له جيدًا، لا سيّما في العصر الرقمي وهيمنة التكنولوجيا، فيصبح التغيير أمرًا حتميًا قد يحدث في غمضة عين.

من أهم الأمور التي قد تتغير لدى الشركات:

التغير في احتياجات الجمهور: لا تظل احتياجات الجمهور كما هي بمرور الوقت، أو مع ظهور منتجات أخرى حديثة تجعلهم لا يقبلون سوى نوعية معينة من المنتجات. لذا، من المهم الحرص على فهم سلوك المستهلك جيدًا وما هي المتغيرات التي تحدث به، لضمان مواكبة التغيير المحتمل.

تغيير نموذج العمل: قد يكون الاحتياج كما هو، لكن يتمثل الاختلاف في نموذج العمل، من خلال إيجاد طريقة أخرى للوصول إلى الزبائن، كما هو الحال في تجربة نتفليكس. لا بد للشركات من فهم نماذج العمل المتطورة، ومعرفة أيها سيحقق أفضل نتيجة لها، حتى تقدر على اتّخاذ قرار صحيح بالتوجه لهذا النموذج، أو الإبقاء على النموذج الحالي.

التغير في التكنولوجيا: يعد تغير التكنولوجيا سببًا في العديد من المتغيرات، منها ما هو متعلق بنموذج العمل، ومنها ما يتعلق باحتياجات الجمهور. لذا، لا بد من متابعة التغيرات التكنولوجية باستمرار، لمحاولة فهم آثارها المحتملة، والتفكير في الطريقة المثالية التي ستكون مناسبة للتكيف معها في الشركة.

لأجل هذا السبب، توجد العديد من الشركات التي تولّي التغيير اهتمامًا كبيرًا، وتخصص أحد الأقسام في الشركة ليتولى مهمة إدارة التغيير، أو على أقل تقدير تسعى للانتباه إليه جيدًا، وذلك بهدف البقاء على المتابعة لكل ما يحدث.

3- الحفاظ على القيمة الأساسية

لا بد للشركات من الاهتمام دائمًا بالقيمة الأساسية التي تقدمها إلى زبائنها، وأنّ التغيرات وإن كانت مهمة، لكن يجب أن تحدث بناءً على أساس معين، من خلال الحفاظ على القيمة الأساسية التي يبحث عنها الزبائن عند تعاملهم مع الشركة.

إذا كان الوضع يتطلب إجراء التغيير الجذري، فمن المهم إدراك ضرورة اتّباع ذلك من خلال نماذج للاختبار، لضمان قبول الجمهور للتغيير والتعامل معه بالطريقة الصحيحة، أو سيؤكد الجمهور أنّ هذا التغيير ليس مناسبًا لهم. في الحالتين لن تتكلف الشركة كثيرًا من الأموال للاختبار، بل في المقابل ستكون لديها معلومات حقيقية وصادقة قائمة على الاختبار والتجربة العملية، وليس افتراضات أو إحصائيات نظرية.

4- الانتباه إلى التفاصيل

يكمن جزء كبير من نجاح الأعمال التجارية أو فشلها في قدرتها على الانتباه جيدًا إلى التفاصيل. من خلال التفاصيل سيكون بالإمكان تحقيق العديد من الأشياء، لتجنب الأمور المفاجئة التي تظهر دون تخطيط مسبق.

من فوائد الانتباه إلى التفاصيل:

ضمان سير الأمور وفقًا للمخطط.

اكتشاف الفرص وتحديد طريقة استغلالها، من خلال امتلاك رؤية استباقية للواقع.

تجنب المخاطر المحتملة من خلال إدارتها قبل ظهورها أو تفاقم أثرها.

قد يؤدي الانتباه إلى التفاصيل إلى العديد من الفوائد للشركة، فحتى إذا لم يحقق إضافة معينة، فهو يضمن للشركة عدم الوقوع في فخ الأخطاء غير المتوقعة التي تنتج عن أمور بسيطة لم يلتفت أحد إليها قبل ذلك.

ختامًا، يمتلئ تاريخ الشركات بالعديد من اللحظات، ما بين لحظات النجاح أو الفشل، لكن يبقى الأهم دائمًا هو ما بعد اللحظة، سواء من خلال الحفاظ على النجاح، أم العمل على تجاوز الفشل وتجنب تكراره لاحقًا. لذا، لا بد من فهم الدروس غير المجانية جيدًا، لضمان بقائها مجانية لشركتك طوال الوقت.

https://www.arrajol.com

اضف تعليق