تدفع الشركات مبالغ باهظة لجذب المتألقين في الشركات المنافسة، وتنفق الملايين لتوسع قاعدة عملائها من خلال التسويق لمنتجاتها، وتعتمد قواعد دقيقة للوصول إلى هدفها، وهذا يفرض أعباء هائلة على موظفيها، وجو عمل غايته تحقيق أكبر قدر من الربح، لكنّ ذلك يؤدي إلى هروب الموهوبين والكفاءات منها بحثاً عن بيئة أفضل، رغم ذلك هناك طريقة تؤمن ميزة تنافسية أقوى ولا تلزم إنفاق الأموال الطائلة على التسويق والتوسع الإقليمي، المتمثّلة بثقافة القيادة الخدمية، وهي الطريقة الأكفأ بلا منازع في الاقتصاد العالمي.

ماهي القيادة الخدمية؟

يظن الكثيرون أن القيادة هي الجلوس في أعلى موقع وظيفي، واحتلال المكان الأبرز في المؤسسة أو الشركة، والتصرف على هذا الاساس المبني على السلطة والهيبة، لكنّ القادة الذين يقعون ضحية هذه المغالطة يركزون على أدائهم بدلاً من التركيز على كيفية قيادتهم.

وتعتمد القيادة الخدمية على قادة متفهمين، يعرفون حق المعرفة أن شركاتهم لن تنجح إلا بتقديم ثقافة تدعم استمرار الموظفين في الشركة بتنمية قدراتهم ومواهبهم ومراعاة ميولهم، ووضعهم في المواقع الأنسب لهم من حيث الكفاءة والقدرة والرغبة، وعندها سيشعرون بالانتماء والولاء، وستقل فرص مغادرتهم الشركة بحثاً عن مكان أفضل، وسيتمسكون بها لأنها تخدم كينونتهم وتحقق تطلعاتهم، حتى لو عرضت عليهم الشركات المنافسة الانضمام إليهم بأجر أكبر.

أخدم لتكون عظيماً

يساعدنا كتاب أخدم لتكون عظيماً للكاتب مات تيني في فهم بعض النقاط المهمة في القيادة الخدمية:

أصغِ للآخرين ليستمعوا إليك:

خلق الأنسان بفم واحد وأذنين، لذلك فأنّ القادة الذين يصغون إلى مرؤوسيهم أكثر مما يتحدثون، سيؤثرون إيجابياً وينشئون بيئة عمل عملية ومتمكنة.

الإنصات للآخرين يساعد القائد في الابتعاد عن التحيزات المعرفية، فلا يتخذ القرار بناء على مايعرفه بل على ماهو انسب للجميع وللشركة وأهدافها، وإتخاذ القرار في الوضع الراهن لهُ دور كبير في التأثير على مستقبل الشركة، ويعترف القادة الناجحون أن الاستماع إلى أفكار الآخرين وحلولهم واقتراحاتهم يساعد على التغيير، ويعرفهم على مبادرات مبتكرة، ستقود الشركة نحو الاستمرارية وتحقيق النتائج الإيجابية على المدى الطويل.

ومن أجل الحصول على أفضل النتائج من فريق عمله عليه البدء برفع مستواهم المعرفي، وذلك من خلال برنامج تدريب، أو تأمين مكتبة تضم الكتب التي تعزز قدراتهم وتنمي معارفهم في مجال الأعمال، وعقد اجتماعات شهرية لمناقشة المواضيع ذات الصلة بالتطوير والتدريب.

اخدمهم وأحصد النجاح:

ان القائد يحب الأشخاص الذين يعملون تحت قيادته، ويعرف التزامه تجاه الآخرين، وأنها ليست مجرد وظيفة أو مقياساً للسلطة، يوجد الكثير من الشركات التي تتمتع بخدمة موظفيها، فتجذب الموهوبين إليها، والمتفوقين وتعرف كيف تحافظ عليهم. وعلى سبيل المثال تتمتع شركة الخطوط الجوية ساوث ويست بسمعة ممتازة من ناحية العملاء، فيها، ويعد الرئيس التنفيذي السابق(هيربكيليهر) قدوة في الشركة بقيادته العملية، وعدم توانيه عن مساعدة موظفيه وتحفيزهم وكان يقول دائما: يأتي موظفوك في المقام الأول وإذا عاملت موظفيك بشكل صحيح خمن ماذا؟ يعود عملاؤك، وهذا يجعل المساهمين سعداء أبدأ بالموظفين والباقي يتبع ذلك.

وكذلك تتمتع شركة هيرشند للترفيه العائلي بقيادة خدمية حيث ساعد المدير التنفيذي (جويل مانبي) موظفي الخطوط الامامية الذين يواجهون ظروفاً صعبة في حياتهم. وكذلك شركة نكست جامب وهي شركة إلكترونية حيث يكرس مؤسسها ومديرها التنفيذي (تشارلي كيم) جداراً في مبنى الشركة، للإعتراف بالإنجازات الاستثنائية للعاملين في الشركة، وسبق له أن أغلق مكتب الشركة في نيويورك ذات مرة ليتمكن الجميع من حضور حفل زفاف السكرتير.

في خدمتك دوماً:

تعود خدمة العملاء الجيدة بعائد استثماري كبير وتعزز ولاء العملاء للشركة، وتخسر المؤسسات ذات الخدمة السيئة عملاءها رغم أسعارها المنافسة إذ إن العميل الراضي مستعد لدفع أي سعر مقابل الخدمة الاستثنائية التي يحظى بها، فتنطوي خدمة العملاء الممتازة على وجود موظفين سعداء ومتحمسين، ولا عجب في أن الشركات التي تحظى بثقافة عمل سليمة هي أفضل في نيل رضى العملاء، ويعمل موظفوها المتحمسون على خدمة عملائهم بأفضل الصور، نظراً للصلاحيات المخولة لهم، إضافة إلى تشجيعهم على التفكير للمستقبل، والثقة في حدسهم تجاه العميل ورغباته وطلباته.

القيادة الخدمية خير صديق لعلاماتك التجارية:

في اعقاب إعصار ساندي في 2012 تحول عشرات الآلاف من العمال في مناطق نيوجيرسي ونيويورك إلى عاطلين عن العمل بلا دخل، ولتخفيف من هذه الحالة قرر موظفو نيكست جامب في نيويورك في المساهمة بنسبة 10% من رواتبهم لصالح العمال تعد هذه الرغبة في مساعدة الآخرين معياراً اساسياً للحصول على وظيفة عندهم، حيث ستجذب موظفين موهوبين ذوي التفكير المماثل، مما يعزز العمل الجماعي في الشركة، وكذلك تؤدي السمعة الحسنة للشركة ونشر الناس لقصصهم وتجاربهم على مواقع التواصل الاجتماعي إلى ميزة تنافسية عالية.

اجعل حياتك منارة للآخرين:

حقق القادة المميزون مكانتهم ونجاحهم الكبير بسبب قدرتهم على إلهام الآخرين وفقاً لكتاب (أبدا بالتساؤل لماذا) للمؤلف سيمون سينك والذي شوهدت إحدى محاضراته على موقع تيد أكثر من 15 مليون مرة، فإن جميع القادة يعبرون عن رؤيتهم ويشرحون لماذا يفعلون ماذا يفعلونه، ويبقون على قوتهم ومبادئهم حتى في أحلك الظروف، ولا يتراجعون مهما بلغت الضغوط عليهم لأنهم يعرفون أنهم يخدمون الآخرين من اعماق قلبهم ويدركون تماماً السبب الوجيه الذي دفعهم لذلك.

* مات تيني مؤلف، ومتحدث، رئيسي دولي وخبير، ومستشار في معهد بيرث للقيادة

اضف تعليق