بقلم: ليندا بريم

يمكن للشركات الاستفادة بشكل كبير من خلال مساعدة المهنيين العالميين ذوي الخبرة على نقل عملهم إلى المقر الرئيسي والحصول على حياة مستقرة جغرافياً.

يعيش اليوم ملايين الأشخاص حياة عالمية بالفعل. وتعتبر هذه المجموعة التي أطلقت عليها اسم "المواطنون العالميون" واحدة من أسرع المجتمعات نمواً في العالم. ويشكل المواطنون العالميون مجتمعاً بشرياً سريع النمو ومتعدد اللغات ويضم أفراداً على مستوى عالي من التعليم ممن عاشوا وعملوا ودرسوا لفترات طويلة في أماكن جغرافية ذات ثقافات مختلفة.

تطوير الرواية المهنية: عندما يريد المواطنون العالميون العودة إلى المقر الرئيسي

تشكل السمات الخاصة بالمواطنين العالميين موضوع مشروعي البحثي المستمر، والذي تمخّض عنه العديد من المؤلفات بما في ذلك "المواطنون العالميون: قمة الإبداع والتميز" (Global Cosmopolitans: The Creative Edge of Difference) و"عقلية المواطنة العالمية" (The Global Cosmopolitan Mindset). وغالباً ما يصف المواطنون العالميون الحياة كلوحة فسيفسائية تصبح مع الوقت بكل عناصرها المتنوعة والمتباينة جزءاً من شخصية الفرد. إنهم يطورون قصصهم خلال رحلتهم في الحياة، ويصنعون رواية شخصية تعكس ماهيتهم وتطلعاتهم والتغييرات التي يشهدونها في هويتهم وحياتهم الشخصية والمهنية مع مرور الوقت. وفي ظل هذه التغييرات، تتغير الأولويّات، حيث تظهر أولويات جديدة واضحة وأخرى محتملة. وفي حين أنهم قد يختارون الإقامة في بلد واحد لفترة من الوقت، إلا أنهم يحافظون على منظور عالمي ويتمتعون بالقدرة على المساهمة في حل العديد من التحديات، والذي قد يثمر عنه إحداث تغيير إيجابي في الشركات العالمية.

الانتقال إلى مناصب إدارية عليا

من الأمثلة الشاهدة في هذا السياق حالة السيدة إيزابيلا، وهي مواطنة إسبانية عملت في عدة دول قبل أن تبلغ أخيراً وجهة أحلامها في مقر الشركة في إنجلترا. لذلك، عندما طُلب منها مجدداً نقل عملها إلى دولة أخرى، كان عليها أن تقيّم خياراتها، لاسيما أنها تمكنت بعد سنوات عديدة من الخدمة المخلصة والناجحة في جميع أنحاء العالم من الحصول على منصب مؤثر، فضلاً عن الفرصة التي سيقدمها لها عملها في المقر الرئيسي لتحقيق طموحها بالانضمام إلى فريق الإدارة العليا. وعلاوة على ذلك، كانت هي وزوجها الإنجليزي على استعداد للاستقرار في المملكة المتحدة، حيث قاما بشراء منزل في موقع متميز في لندن ووجدا مدارس مناسبة لأطفالهما.

أبلغت إيزابيلا ربّ عملها وقسم الموارد البشرية رغبتها بالبقاء والانضمام إلى فريق الإدارة، ودعمت رغبتها بتوصيفٍ مفصّلٍ بعناية لمستوى النضوح الذي وصلت إليه كقيادية عالمية، واستعدادها لتحمّل مسؤولية أكبر في هذه المرحلة من حياتها المهنية.

في غضون أشهر، بدأ قسم الموارد البشرية في إبراز الفرص القيادية المتاحة لها في بلدان أخرى. وعلى الرغم من أن هذا قد جعلها تشعر بأهميتها كمديرة تنفيذية عالمية ترتبط إمكاناتها القيادية بقدرتها على التنقل على نطاق عالمي، إلا أنها ترى نفسها اليوم كقيادية خاضت تجربة مهنية عالمية أكسبتها المهارات اللازمة لقيادة فريق عالمي داخل المقر الرئيسي للشركة. وعندما اقترح عليها أعضاء في الإدارة العليا أستراليا كنقلة مهنية ممتازة، أدركت أن الوقت قد حان للتغيير ونقلت مواهبها إلى شركة أخرى.

الارتقاء بالأهداف الشخصية والمهنية

لقد وجدت في بحثي أن المواطنين العالميين عندما يصلون إلى مستوى خبرة إيزابيلا، فهم حتماً طوروا الثقة والمعرفة والمهارات الكفيلة بتأهيلهم ليكونوا قياديين عالميين. وبالإضافة إلى الخبرة والمعرفة والمهارات، فهم يتمتعون بعقلية عالمية تمكنهم على سبيل المثال من تقييم التحديات من منظور عالمي ومحلي - وهي سمة أساسية تحتاجها الشركات في ظل المشهد المربك للأعمال العالمية وتنامي النزعة القومية الاقتصادية.

ومن شأن التعقيدات التي تنطوي عليها الحياة العالمية أن تؤثر على الطريقة التي ينظر بها أشخاص مثل إيزابيلا إلى هويتهم وعلى ما يلزم لإنشاء حياة ذات معنى بالنسبة لهم. وعلينا أن نأخذ بالاعتبار أن المواطنين العالميين لا يقيسون الإنجاز المهني بالترقيات وزيادة الرواتب فقط، ولكن أيضاً في القدرة على مواصلة التعلم والنمو. ولذلك، فهم ينظرون إلى حياتهم العملية كفرصة لاستخدام ما تعلموه وإظهار شخصيتهم التي طوروها خلال رحلة نموهم. كما أن مفهومهم للوطن مختلف، فقد يكون فكرة مجردة أكثر من كونه مكاناً جغرافياً ملموساً، أو قد يشعرون بالانتماء إلى أكثر من مكان واحد.

وإذا كان إنشاء سرد متماسك للمسيرة المهنية أمراً صعباً على المهنيين المحليين، يمكن تخيل مدى صعوبة ذلك بالنسبة للمواطنين العالميين. وحيث أن كل مغامرة جديدة تقدم معها فرصة للتحول، تتطور قصصهم المهنية بشكل مستمر لتصبح أشبه برواية بدلاً من قصة قصيرة. ويبقى تقييم حجم الشوط الذي قطعوه وتوضيحه للآخرين تحدياً ماثلاً.

تضمنت قضية إيزابيلا واحدة من أكبر التحولات التي يمكن لمواطن عالمي أن يمر بها. فبعد بناء مهنة متينة على نطاق عالمي، شعرت إيزابيلا أن الوقت قد حان لبدء حياة مستقرة. ولتحقيق ذلك، كانت بحاجة إلى دعم ربّ عملها لمساعدتها على إنشاء موطن لها في المملكة المتحدة، وتقدير مهاراتها الخاصة واستكشاف مناصب قيادية مناسبة لها في المقر الرئيسي، مدعومة بمهاراتها وعقلية المواطنة العالمية التي تمتلكها. وكان بإمكان الشركة تجنّب خسارة موظفة موهوبة مثل إيزابيلا لو أنها التزمت بالاستماع إليها وتفهمها والتعاون معها لحل المشكلات والتوصل إلى قرار جماعي يصب في صالح الطرفين.

إطار عمل ثلاثي الأجزاء

قد يكون الانتقال من مهني عالمي إلى خبير عالمي محفوفاً بالتحديات. ولكن من خلال تعلّم كيفية إبراز تجاربك وتوجيهها لتعكس وجهات نظر جديدة، يمكنك أن تجعل هذا الانتقال أكثر سلاسة. وأسهم عملي مع مواطنين عالميين في إرساء إطار عمل مؤلف من ثلاثة أجزاء يمكن استخدامه كمرجع إرشادي للأشخاص الذين يمرّون في ظروف مشابهة لظروف إيزابيلا.

1- إعادة صياغة السرد المهني

في إطار التحضير للمناقشات مع الشركة التي تعمل بها، أعادت إيزابيلا قراءة السرد الذي كتبته عن نفسها قبل عشر سنوات. وشكلت هذه الخطوة فرصة لها للنظر في مدى تطورها وتغيّر أولوياتها.

وفي المواقف الحاسمة التي يكون فيها المواطنون العالميون على مفترق طرق مهني أو شخصي، أوصيهم بأن يجمعوا كل ما تعلموه- بما في ذلك الدروس غير الملموسة التي لا يمكن إدراجها في السيرة الذاتية المتعارف عليها- وأن يعملوا على تطوير سرد مهني غير مؤرخ. وفي حالة إيزابيلا على سبيل المثال، ركّزت في سردها المهني على إبراز ما يمكنها إضافته للشركة لو أتيح لها شغل منصب قيادي. إذ أدركت أهمية أن تبرز للموظفين في المقر الرئيسي المهارات غير المرئية التي تتميز بها. وكانت بحاجة أيضاً إلى توضيح كيفية تغير احتياجاتها وقيمها نتيجة بلوغها هذه المرحلة من الحياة. وأثناء نظرتها للأحداث الماضية التي شهدتها خلال تطورها المهني، أدركت أنه كان بمقدورها أن تكون أكثر وضوحاً حول رغبتها في تحمل مسؤولية القيادة وعمق التزامها بالعمل خارج المقر الرئيسي في هذا المرحلة من حياتها. فإذا كنت في وضع مشابه لوضع إيزابيلا، فسيساعدك ذلك في إبراز التغييرات التي شهدتها، وسردها بوضوح لنفسك وللآخرين.

2- أبرز مهاراتك من عدة زوايا

بمجرد تحديث السرد الخاص بمسيرتك المهنية، قم بإنشاء حوار مع الأشخاص المعنيين حول أهدافك المهنية وفرصك الوظيفية المحتملة، فضلاً عن المهارات التي طورتها خلال رحلة حياتك العالمية وتجربتك المهنية. وأظهر كيف يمكنك المساهمة في الشركة.

ومن المفيد أن تكون قد تعلمت لغة أخرى (أو عدة لغات) أثناء تواجدك بالخارج، ولكن قدرتك على التكيف ستكون عاملاً محورياً في مساعدتك على بلوغ مناصب قيادية عليا. وتتمثل القدرة على التكيف في معرفة ما لا تعرفه وكيفية العثور على إجابات؛ وإدارة التغيير المعقد واتخاذ القرارات؛ وإقامة تعاون بين مختلف الأطراف المعنية؛ وتحمل المخاطر. ومع وجود احتمال لأن تكون غير مدرك لاكتسابك لتلك المهارات، من الضروري أن تقوم بإجراء عملية جرد ذاتية شاملة. وابحث عن فرص تتيح لك استعراض مجموعة المهارات التي تمتلكها، كأن تقوم مثلاً بخلق توافق في الآراء وسط فريق متعدد الثقافات.

3- استخدم منظوراً مرناً

يعتبر تبنّي منظور مرن ومتغير للعالم أحد أكثر العناصر الفعالة في الحياة العالمية. وبدلاً من اعتماد رؤية ثابتة حول شكل ونمط الحياة، يتمتع المواطنون العالميون بالقدرة على تعديل أفكارهم وتوقعاتهم. وعندما يواجهون تحديات جديدة، فإنهم ينجحون في إدارتها بصورة بسيطة، ويبحثون في تلك التحديات عن فرص مواتية لاغتنامها في تشكيل حلول وأنماط جديدة للحياة. وعلاوة على ذلك، فهم يتمتعون بالثقة بمواطن القوة الداخلية وبقدرتهم على الإبداع لسد أي ثغرات قد تظهر مع دوران عجلة الحياة.

ويمكن للمواطنين العالميين تشجيع أرباب العمل على مشاركة رؤيتهم المرنة، والتواصل معهم بروح التجربة والتعاون معهم لإيجاد طريقة جديدة للمضي قدماً. وقد يشكل التعاطف أداة رائعة أيضاً، وهنا أدعوك لمحاولة النظر في القضايا التي تشغل الشركة، والوقوف على الاعتبارات الهامة التي قد تواجهها لو كنت في موضع ربّ العمل. ويعتبر ردم الاختلافات الثقافية في الأدوار السابقة متعددة الثقافات تأهيلاً مثالياً للتمكن من إرساء نموذج تعاون مرن على مستوى العلاقة بين ربّ العمل والموظف.

هل تستفيد شركتك من المواهب العالمية؟

ينبغي على المواطنين العالميين وأرباب العمل اغتنام الفرصة للتعلم وإعادة دمج التغيرات في العقلية والمهارات والمعارف المكتسبة من التجارب الثقافية المتنوعة. ويجب على القيادة التواصل على أوسع نطاق ممكن حول أهمية تقدير المواطنين العالميين والاستفادة منهم.

بالمقابل، ستفقد الشركات مهنيين عالميين موهوبين (مثل إيزابيلا)، ما لم تقم بالإصغاء إليهم وتقديم فرص مواتية للمواطنين العالميين للشروع في الفصل التالي من حياتهم.

* ليندا بريم، أستاذ فخري في السلوك التنظيمي في كلية إنسياد.
https://knowledge-arabia.insead.edu

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق