تأسيس تحالفات متينة

دروس من تحالف رينو-نيسان

بقلم: بارت دي روفر
يجب أن تخلق التحالفات قيمة مشتركة، وإلا ستصبح عبارة عن شكل من أشكال الاندماج

كانت رينو على طرفي اثنين من التحالفات الاستراتيجية. ففي 1993 كان عليها تقبل هزيمتها المخزية من تحالفها الاستراتيجي مع فولفو. جاءت الضربة الأخيرة لثلاث سنوات تحالف عندما قامت الحكومة الفرنسية، المساهم الرئيسي في رينو، برفع توقعاتها للسيطرة على الحصة الكبرى من عملية الدمج المحتملة لكلا الشركتين. انتهت ثلاث سنوات من التعاون المكثف والجهود المبذولة من كلا الشركتين بدعم المساهمين من كلا الطرفين، بطريقة مخزية ومكلفة وغير متوقعة. تكبدت الشركتين تكاليف كبيرة بسبب عدم القدرة على المناورة في الوقت الذي كان فيه المنافسون أمثال دايملر بنز يستعدون للخطوة التالية.

عادت رينو إلى الساحة عندما شكلت تحالفاً مع شركة نيسان في 1999. أدى وضع شركة السيارات اليابانية المزري إلى التعاون مع رينو المهيمنة عبر ضخ 5.4 مليار دولار مقابل الحصول على نسبة 36.8% من شركة نيسان. نجحت نيسان بحلول 2001 من تحقيق أرباح قياسية بعد أن كانت على شفير الإفلاس.

واصلت رينو قصة نجاحها دون توقف حتى عام 2015، عندما رفعت الحكومة الفرنسية حصتها في رينو إلى أكثر من 19%، وسعت إلى مضاعفة حقوق التصويت. امتلاك رينو لنسبة 43.4% من نيسان بذلك الوقت، جعلها تتمتع بحقوق التصويت كاملة، أما نيسان التي امتلكت 15% من أسهم رينو لم يمنحها الحصول على حق التصويت، سرعان ما زاد التوتر داخل التحالف. في 2016 قامت نيسان بإنقاذ شركة ميتسوبيشي المتعثرة، وضمت الشركة إلى التحالف لتخلق أكبر شركة صناعة سيارات في العالم. ولكن سرعان ما وجد التحالف نفسه بحالة خلاف.

في ضوء التطورات الأخيرة حول تحالف رينو ونيسان وميتسوبيشي -بما في ذلك الخلافات والمزاعم حول قيادتها الشهيرة– نشأت العديد من التساؤلات حول التحالفات المماثلة.

التحالفات مقابل الاستحواذ

بعد تحقيق النجاحات في البداية، تتعثر التحالفات الاستراتيجية عندما تتموضع العقلية المعاملاتية بين الإدارة العليا. يصب الشركاء تركيزهم على استخراج قيمة لأنفسهم بدلاً من خلق قيمة مشتركة التي تعتبر الهدف الظاهري للتحالف. من المحتمل حدوث ذلك عندما تكون بنية التحالف متعنتة، أو عندما تفشل بوضع آلية ترضي الطرفين عند حل التحالفات.

في حال كانت بنية التحالف تنطوي على العديد من القيود منذ البداية، قد تحيد عن هدف التحالف بخلق قيمة متبادلة- أي كشكل من أشكال عمليات الدمج والاستحواذ. فعوامل النجاح الرئيسية المبنية على تحفيز السلوك التعاوني وخلق قيمة متبادلة، لا تتوافق بشكل جيد مع العلاقات المبنية على الملكية والسيطرة. فصراع السلطة بين الشركاء بالاسم فقط هو النتيجة محتملة.

إعادة النظر في التبعية الاستراتيجية المتبادلة

تدخل الشركات في تحالفات استراتيجية بناءً على تقييمات استراتيجية لمدى توافق هياكل وقيم الشركة مع شركاء التحالفات. تعد الملائمة على صعيد الاستراتيجية والموارد والهيكل التنظيمي وعلى الصعيد الثقافي أمراً هاماً عند تقييم شركاء التحالفات المحتملين. مع ذلك، فإن الواقع الاقتصادي للشركاء في التحالف يهدف صراحة إلى التغيير عقب التحالف. تتغير الأدوار مع تغير التبعية الاستراتيجية، مما يستلزم إجراء تعديل في الحوكمة والعمليات، دون تقويض أسس التحالف.

في حالة رينو ونيسان، كانت الأهداف الاستراتيجية لكلا الطرفين متباعدة منذ البداية. فنيسان كانت تسعى إلى حل سريع، بحسب خطة كارلوس غصن، أما رينو فأرادت دخول أسواق آسيا التي تتربع فيها نيسان. لم تضمن تلك الأهداف الانسجام على المدى الطويل. وفي الواقع استجابة رينو لإعادة إحياء نيسان كان لتعزيز موقع قوتها داخل التحالف.

الانتقال إلى قيادة التحالف

في بداية التحالف، فهم كارلوس غصن بوضوح كيفية ترجمة الاختلافات والفجوات بين رينو ونيسان إلى ممارسات ناجحة على صعيد الإدارة. كان اسلوبه مثال على كتاب مدرسي في كيفية نجاح القيادة الملهمة بخلق أهداف مشتركة ترتقي بكلا الطرفين إلى ما هو أبعد من مجرد حصص. أسفرت التحديات الاستراتيجية والتشغيلية والإدارية على جميع المستويات بكلا المؤسستين عن التزام وثبات.

بالرغم من ذلك وبمجرد تحقيق التحالف للأهداف الظاهرية -وبظل غياب التعديلات الاستراتيجية- من الأرجح التشكيك بشرعية القيادة. بالنهاية، يثبت نجاح التحالف أنه خدم الغرض منه. تكون التوقعات الضمنية لكلا الطرفين في الغالب، بالعودة إلى نموذج الإدارة الكلاسيكي، بما في ذلك، دور متواضع لقيادة التحالف. بالإضافة لذلك، فإن التحول من القيادة المثالية إلى التعاونية يعد مطلباً مسبقاً لتعديل الاستراتيجية، بشكل يمكن كبار التنفيذيين من كلا الطرفين من إعادة تعريف توازن القوى.

لذا من الأرجح أن رينو- نيسان تجاوزت منذ فترة طويلة اسلوب القيادة الاستبدادية الشهير لكارلوس غصن.

الوعي الثقافي والثقة

تعتبر الملاءمة الثقافية أمراً هاماً لنجاح التحالفات الاستراتيجية. وربما تكون البعد الأكثر تعقيدًا في العلاقة كونها تظهر في أماكن ولحظات غير متوقعة. تتشابك ثقافة الشركة مع الثقافة المحلية وتدعم كل منها الأخرى في الأوقات الحرجة.

تتسم الثقافة اليابانية بكونها حساسة تجاه الأمور المتعلقة بالشرف والعار. وينطبق ذلك بشكل خاص على الأمور التي تتمتع بشعبية كبيرة، مثل ثروات الشركات اليابانية الكبرة، لاسيما شركة شهيرة مثل نيسان. عرضت رينو في 1999 نموذجًا للتعاون بشكل لا يتم المساس بهوية واستراتيجية كلتا الشركتين، وأن تتعاونا مع بعضهما البعض كشركاء عالميين. بعد سبع سنوات متتالية من الخسائر ومحاولتين فاشلتين للتحول الداخلي، نجح تحالف نيسان ورينو، مما أعطى الشركات المحلية شعورًا بالفخر. ومع ذلك، زاد الإحباط بين إدارة نيسان في السنوات الأخيرة، بسبب رفض رينو تحقيق توازن قوى في علاقاتها داخل التحالف.

كان ينظر لأي محاولة فردية لتغيير فلسفة التحالف على أنها رمز لعدم الاحترام وانهيار الثقة بين الطرفين. ومن المفارقات أن تفادي الشعور بالإهانة الذي عمد بالبداية لتعزيز الاتفاق مع رينو، أصبح بمثابة تهديد لعلاقة الشركتين ببعضهما البعض.

يجب إعادة تقييم التحالفات

تعتبر التحالفات الاستراتيجية أكثر أهمية اليوم من أي وقت مضى لا سيما بظل التغير السريع في السوق وسرعة الابتكار. فوجود اثنين أو أكثر من الأسماء أفضل من اسم واحد، مما يعطي ميزة استراتيجية. ولكن التغيير يتطلب إعادة تقييم الشراكات لضمان استمراريتها بتقديم قيمة لجميع الأطراف. وبمجرد عدم تقاسم الفوائد بشكل عادل، أو بحال شهد شريك أو أكثر تحولاً خطيراً، تصبح التغييرات الكبيرة أمراً ضرورياً. وذلك يعكس الحالة التي توصل لها تحالف رينو-نيسان.

* بارت دي روفر أستاذ مساعد في الشراكات والتحالفات الاستراتيجية بكلية إنسياد
https://knowledge-arabia.insead.edu

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق