ان الاجساد تشفى بتشخيص المرض ومعرفة اسبابه ومعالجته بالوقت المناسب، وتسيل الجروح قيحا بطمرها، والفشل الكبير في الديمقراطية السياسية والتطور الاقتصادي، كالجُروح الجائشة اصابت جسد العراق، ومعرفة الاسباب والمعالجة تقع على عاتق الافراد والمؤسسات وتعد حرية الرأي في رصد الأعمال وتصويب الأخطاء اهم مقومات الشفاء والتكامل.

تتيح المجتمعات التي تحترم حق تعبير الانسان عن وجدانه وافكاره الدور للصحفي في توسيع مساحته في الانتقاد وايجاد الانتهاكات وكشف الخلل، وأقرت المنظمات الانسانية ان قمع حرية الرأي والتعبير أخطر قضايا حقوق الإنسان والتي باتت تتدرج كعوائق وعقبات حقيقية بأساليب جديدة للصوت الحر النزيه في البلد، وتشكل عرفا سياسيا جانب المتسلطين على الحكم لتسكيت وتخويف الصوت الصحفي، اختلف عما كان يطبقه النظام السابق ضمن قوانين معلنة او شروط شفهية على وسائل الاعلام والصحافة، وكان امام الصحفي خيارين أما لانسحاب من المشهد الصحفي، او الحذر في اختيار الموضوعات وانتقاء المفردات في التعبير.

مما ادى الى تضييق مساحة مهام الصحفي في نقل الآراء الشارع بصدق وموضوعية وتصويب الاخطاء والمغالطات وتوسيع مدى وصول سداد آرائهم، وتشكيل رأي عام، وتقديم معلومات مستكملة ومقترحات وحلول الإجراء التغيير، وهذا الدور تقلص تدريجيا لا سيما حين يتعارض العرف السياسي المتحزب مع العمل الصحفي.

واذا كان مفهوم العرف هو ما يستقر عليه المجتمع ويصبح عادة في المعاملة والتصرفات والقول بعيدا عن القوانين، نستطيع القول ان التدرج الحاصل منذ سنوات في التضييق على الرأي الحر اخذ عرفا سياسيا بأساليب متعددة جوهرها عدم الاعتراف بتعدد الآراء واسكات الاصوات المنتقدة.

على سبيل المثال لا الحصر نجد الكثير من الصحفيين يختارون مفردات فيها تعميم مثل (حكومة، دولة) عند الانتقاد لأبداء الرأي بكل حرية دون حذر وتردد، بمعنى كل كلام الانتقاد تكون خلف كلمة (حكومة، دولة) تقال بحرية وشجاعة، لكن اكثرهم لا يستطيعون ذكر الكلام ذاته وراء ذكر اسم حزب معين، ومهما وضحت للعلن فضائح ذلك الحزب وفساده يتردد اغلب اصحاب المهن الاعلامية في قوله. ان معنى كلمة حكومة أي خليط من مجموعة احزاب تشكل مقاعد برلمانية ويضيع بينها المقصود وغير المقصود، ويتسع مفهومها لتشمل السلطات الثلاثة والشعب ايضا، وببيان معناها نجد سبب اختيار هذه المفردة للتعبير بحرية دون قيود.

والامر ينطوي عند انتقاد احد المسؤولين في حزب معين ايضا، ربما هناك صحفيين يمتلكون العزيمة والقوة لانتقاد مسؤول منتمي لاحد الاحزاب ولكن يتردد في ذكر اسم الحزب المنتمي له بشكل صريح ومعلن، كذلك لا يتجرأ الصحفي على ذكر كل المسؤولين، فعلى الصحفي ان يمتلك عين تميز من هو المسؤول الذي ينتقده وماهي المفردات التي ينتقيها للتعبير وما هي نتائج رأيه.

نقرأ ونسمع بيانات كثيرة من الاحزاب تتبرأ فيها من احد قياديها، حتى لو كانوا رفقاء الدرب، ومنهم من يجعله كبش فداء للخلاص من توجيه التهم والانتقادات، وهو سبب اضعف قوة نفوذ بعض المسؤولين مكن وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي بأثارة الآراء والجدال والانتقاد بحرية خصوصا لو كان المبرر واضحا، والامر لا ينطبق على الجميع فمنهم يمتلك نفوذ وتمركز مستقل عن حزبه.

تكشف اتباع سياسة التخويف تشابه علاجات الأحزاب ضد الخطاب التوعوي ومصادرة الحق في التعبير، والتضييق على الحريات، كما تكشف غياب فكرة الاصلاح الحقيقي عند المسؤول في وجود النقد الذي يسهم في تعديل السياسات الخاطئة وتصحيح المسارات المعوجة، الدليل على جعل مهنة الصحفي من اكثر المهن خطورة في حال رفض الخضوع، كما يدل على تطبيق منهجية الافلات من العقاب بشكل واسع، وعدم وجود قوانين فاعلة تحمي حقوق الصحفيين.

اضف تعليق