لاشك علينا التفريق بين مفهومي (الرقابة censorship والتقويم rectification)، فالرقابة على وسائل الاعلام بحسب الادبيات الاعلامية هي ماتعني (ملاحظة خروج مضمون وسيلة اعلامية معينة على ضوابط وتشريعات دستورية او قانونية من جهة مخولة حكومياً بالشكل التي لها صلاحيات اغلاق او حجب او تجريم او تغريم كاتب الرسالة الاعلامية او من يملكها او من يحمل امتيازها والتي بحسب تلك التشريعات تعد خرقاً للقانون المنصوص عليه في الدولة).

ومع ان الانظمة الاستبدادية والشمولية ترى في الرقابة عامل بناء وضبط اجتماعي او عقائدي، وعلى انه حق من حقوق الدولة على وسائلها، فان التغييرات الجذرية التي طالت المجتمعات وتنامي الوعي في حقوق الانسان في حرية التعبير، والنظم الديمقراطية كان هذا الاعتقاد والممارسة قد خلفت خلفها تاريخا اسوداً من الاستبداد والخنق الفكري، سرعان ما بدأت تعيش في اجواء اكثر تقبلاً لمفهوم النقد الحكومي او السياسي، واغلب الظن ان للرقابة الاعلامية نوعان اساسيان: الرقيب الاعلامي من داخل المؤسسة (والذي يسمى بالاصطلاح الاعلامي حارس البوابة) يعمل في اكثر الانظمة استبداداً بثلاث اتجاهات اغلبها تصب في الاتي:

1. حجب او منع رسالة اعلامية كان من المفترض ان تنشر الى الراي العام وفيها تبصير باخطاء الحكومة او من يمثلها بصيغة مباشرة او مستترة.

2. حذف او اضافة مادة او فكرة يرى الرقيب انها لاتتماشى مع سياسة المؤسسة (تحرير توظيفي).

3. انتقاء وتكرار وفرض رسالة اعلامية عن سواها في وقت معين، وهذا ما تم العمل به اخيراً تحت تسمية (الرقابة الذاتية).

اما النوع الاخر من انواع الرقابة فهو مايدعى بالرقيب الحكومي الاجرائي: ويعمل وفق فريق عمل رقابي لمضمون وسائل الاعلام وله الحق في احالة المؤسسة الخارقة للضوابط للقانون او بتشريع منه (بحسب صلاحياته من قبل النظام الحاكم) او بحسب الدستور المنصوص عليه في البيئة الاعلامية التشريعية. وهناك من يضيف نوعاً ثالثاً يقترب من الاجراء الاخلاقي لحدود المعالجة او الكتابة او التغطية، وبحسب علاقة المؤسسة الاعلامية ومن يمولها بالشؤون العامة، فيضع الصحفي لنفسه ضوابط رقابية اخلاقية، او مؤسسية(الرقيب الداخلي) الذاتي (فقرة 3)، انطلاقاً من الفهم العام لطبيعة الحاضنة التي تمليها المؤسسة وتضعها كأبجديات وخرائط عمل لايجوز عبور خطوطها الحمراء بحسب العرف الايديولوجي السائد.

التقويم الاعلامي:

يقترب مفهوم التقويم الاعلامي Rectification Mediaالى مصلح (القياس analogy)، أي يراد به قياس اقتراب او ابتعاد موسسة اعلامية ما من قضية معينة بغرض تعديل او ضبط مسارها الاعلامي، وهذه تقترب الى حد كبير الى وظيفة البحث العلمي لوسائل الاعلام، فالبحث العلمي يراقب الظواهر الاعلامية ويفسر وجودها ومن ثم يوضع لها اقتراحات (ضوابط او تحكم).

وهذا الاجراء قد بدأ منذ نشوء الصحافة المطبوعة لكنه تعاظم وتبلورعلى يد جملة من الباحثين للصحافة الامريكية وتطورحتى اصبح مقياساَ دولياً لقياس وتصنيف مضمون أي وسيلة اتصالية والتعّرف على عناصر التركيز او الاخفاء فيها ويدعى(تحليل المضمون او المحتوى Anlysis Content) وقد بنى لنفسه منهجاً مستقلاً وبضوابط صارمة من شانها ان ترفع مقدار الثقة والتعويل على نتائج تلك الطريقة، وبالتالي بناء الاقتراحات للتعديل، وفي الدول المتقدمة تخضع العديد من ظواهرها الثقافية والاعلامية الى التقويم والمراقبة والبحث، بناءَ عن حاجتها في اعادة الفهم لماتقوم به والذي يصب في اغلب الاحيان تحت تسمية (تقويم الاداء)، والمؤسسات الاعلامية الكبرى لها فريقاً بحثياً يقوم بتقويم ومراقبة ادائها الاداري او الاعلامي لغرض بناء الجديد والمؤثر لدى الجمهور.

وتأخذ الدراسة او البحث بهذا النوع طرقاً شتى منها مايتعلق بطرق انسياب الرسائل الاعلامية وانعكاسها على الجمهور (بواسطة اداة الاستبانه او الملاحظة او المقابلة العلمية) او مايتعلق بالرسالة (المحتوى الرمزي) او مايتعلق بالتاثير (رجع الصدى feed back) وهذه كلها طرقاً للقياس الاعلامي، ولها معطيات في الحكم على الوسيلة الاعلامية واتجاهات مضمونها.

وعلى الرغم من ضعف الوعي بدور اجهزة تقويم الاداء او المراقبة الاعلامية الا اننا نرى من الضروري ان نشيع مثل تلك التقاليد التي هي بالنتيجة في صالح العمل الاعلامي،وعلينا تهيئة المؤسسات والمجتمع الى مثل تلك الاجراءات التي تشيع لديهم ثقافة البحث العلمي وضرورات التقويم، فالعمل كل عمل تشوبه الاخطاء والمزالق والقصورات، وحده اسلوب البحث العلمي وادواته تستطيع كشف واقتراح البديل الايجابي لمسيرة المؤسسة.

وتعّدُ الاجراءات التي تعنى بتقويم او مراقبة الاداء الاعلامي من اعتى واصعب الاجراءات البحثية، ذلك لان العملية الاعلامية مركبة ومتداخلة مع متغبرات متعددة، فضلاً عن تنوع الاشكال والوسائل، وبالتالي يُصعب وضعها مختبرياً وقياس مضمونها الا وكان فريقاً ماهراً ومدرباً في اساليب الانتقاء والتحليل والية المراقبة.

وحقيقة القول ان البحوث التي تجرى على وسائل الاعلام وعناصرها المختلفة ماهي الا عنصر موضوعي للمراقبة العلمية، ذلك ان الباحث يراقب ويتحسس بالظواهر، ومن ثم يقوم بمعالجتها منهجياً.

وفي ذات الوقت تاخذ الرقابة بعدأ تقويمياً (ايجابياَ) اذا كانت تنطلق من المقومات الاتية:

1. لاتمثل جهة حكومية الزامية التوصية.

2. هدف الرقابة ياخذ جانب تقويمي وليس من باب الانتقاص او خلط الاوراق.

3. موضوع الرقابة يجب ان يكون ذا ابعاد مهمة وواضحة وقابلة للقياس والتصنيف، وذا ابعاد نفعية للمؤسسة قيد الدراسة، وللدراسين في ذات الميدان.

4. فريق الرقابة يحمل صفة الحيادية والمسؤولية العلمية لا الصفة الجهوية او التسلطية.

5. ان تسير الرقابة باسلوب المنهج العلمي، وان تخضع اجراءتها الى الصدق والثبات في التحليل والقياس.

6. ان يكون موضوع الرقابة يحمل حاجة وطنية او اجتماعية ومن صلب اهتمامات المجتمع واولوياته، وان يجري اختيارها بناءً على دراسة قبلية (قبل دراسة التقويم) على وفق اسلوب المسح الشامل.

7. ان يتم اختيار الوسائل الاعلامية بحسب ضوابط معينة(مجتمع البحث وعينته)، ويفضل ان يكون مضمونها متاح (للباحثين)حتى يتم اخضاعه للتحليل والدراسه.

8. تعرض نتائج الدراسة بشفافية عالية وبهدف سام لاجل افادة او تعزيز او لفت النظر عن قضية او طريقة، ربما تكون الوسيلة الاعلامية غير مدركة لها.

9. الاستعانة بخبراء في المجال الاعلامي وطرق البحث العلمي للتاكد من صحة الاجراءات وبالتالي تعميمها.

10. ان لاتاخذ نتائج الرقابة التقويمية على انها من باب الانتقاص او التربص او الضعف، بل العمل على تشجيع المؤسسات التي تعنى بمثل هذه الدراسات لان العمل الاعلامي لايمكن ان يسير بالشكل الصحيح الامن خلال كشف مناطق الخطأ والصواب.

11. إشعار القنوات الاعلامية بدور الاجهزة الرقابية التقويمية وبطرق اجراءاتها وكادرها حتى تساعد من يراقب بالمعلومات او توفير عينة التحليل او اية مساعدة اخرى، مادامت الرقابة ايجابيةو من صالح الوسيلة الاعلامية.

انقر لاضافة تعليق