ثقافة وإعلام - أدب

كش ملك

قصة قصيرة

ملاحظة رقم (١)

الخيال هو وسيلة سهلة لإعطاء معنى للعالم.

في البداية كان مجرد حلم شيّق وجميل، لكنه بدأ يتسارع نحو الأسفل والاسوء، حيث جمع الطغاة شملهم وانتخبوا ملكاً.

فانقسم الناس إلى نصفين، السلطة… ولطالما كانت السلطة خطيرة حيث إنها بدأت تجذب أسوء أنواع البشر … وتُفسد أطيب ماتبقى فيهم.

وفي الجانب الآخر يقف المعدمون ومن خلفهم المثقفون والشعراء، وقد زُرِع في حلوقهم قطع الزجاج والصبّار … وسقوهم بدل الماء خلاً، رغم ذلك فهم يصرّحون:

- إننا سنكون أشجارًا طويلة، رائعة وخضراء… بفيئها تلوذ ملايين الوجوه التي تسحقها الشمس، وسنكوّن غابة من الثوار.

ملاحظة رقم (٢)

يمكننا أن نزور أيّ بقعة في الكوكب بمجرد أن ننام ونحلُم، لن يُوقفنا أيّ شرطي أو أحد … ودون أن تمنعنا الحدود والعساكر. وهاهو حلمه يهبط عليه: لاحت فيه ذكرى شاحبة لصديقه (سامر)، لم يعرفه للوهلة الأولى

فقد غيّرت مظهره البرجوازية تماماً، وأصبح من ذوي الكروش … وهنا أستدرك الموقف قائلاً:

- هو بالكاد كان صديقي، ثم تحوّل مساره إلى الرأسمالية الدافئة، وإن عمله اليوم هو نقل الفساد من تاج إلى آخر، وهذا خيال يُصعب تصديقه)

صديق العمر يتقدم إلى الخلف - هذا ما تيقن منه (أحمد) …لان كل شيء أحبه فيه قد أُخذ منه، و(سامر) أصبح مجرد حُطام غير قابل للإصلاح، ويبدو إنه الآن يستند على حائط يتداعى.

(هو وصاحبه) أصبحا نصفين متضادين، وفي حالة حرب الآن.

ملاحظة رقم (٣)

(احمد) هو غيفارا الحالمين، وصديقه السامري (سامر) قد أبرم صفقة مع الشيطان… وجعل هذا القرن محفوفًا بالمخاطر، قال (غيفارا) لـ (السامري):

- كنّا جاثين على ركبنا لفترات طويلة، وحان وقت الوقوف …

فردّ (سامر):

إذن ليس لديّ خيار آخر… سأجعل الفوضى تمطر هنا، في دولتك المفترضة.

واتفقا الاثنان أن يخوضا الحرب على رقعة الشطرنج … رقعة الوطن التي قُسمت إلى مربعات مُلئت بالجنود والفيلة والخيل والقلاع لحماية الملوك من كارثة (كش ملك).

وهكذا اندلعت الحرب على مساحة الوطن المقسم إلى مربعات سوداء وبيضاء. دخلا الهاوية رسمياً، وكأنّ ما أمامهما الّا القتال لاغير…

يعتقد (أحمد) إن تأسيس مدينة فاضلة على قطعة الشطرنج هو المتاح حالياً، وهو أفضل من لاشيء، لذا ركب المتسولون والفقراء خيولهم، وزحفت العساكر وهم مستعدون الآن أن يحولوا حجارة الوطن الى بنادق هجومية، والبنادق إلى صواريخ الكاتيوشا، والحياة برمتها الى حرب كاملة.

وأصبح الموت ينزّ من زوايا الرقعة ذات اللونين، والفيلة تنطلق كالصواعق وتدوس الاعشاب وتخلطها بالناس، وتسيل الدماء أنهارا…

إما (سامر) فقد كان يتبختر، عاشق لوقع حوافر خيله وهي تعبر الخطوط الوهمية والجسور، يسرقون بهجة المكان.

عمّت الفوضى وتعالى الغبار، وقطع مهزومة منكسرة تتناثر خلف السواتر والمربعات تتمايل منسحبة كأنها جثث سائرة.

وكان الطرفان يزرعان حقولاً من الالغام، رصاص وفولاذ تصطاد الاطفال والناس الذين لا حولة لهم ولاقوة، يزرعان الموت بدلا من الثلوج والازهار.

(أحمد) يصيح بقطعه المتقدمة للأمام مشجعاً:

- لا وقت للخسارة … ولا للتعادل، فقط علينا أن نتقن قواعد اللعبة المباركة حتى نستطيع لعبها أفضل منهم، لاشيء يوقف تساقط الدموع سوى النصر.

(سامر) يردُّ:

- أنا لديّ شياطين أكثر من ملح البحر، وستكون بيادقي ذئاب مفترسة، وستخلف ورائها بحر من موتاكم.

ملاحظة رقم (٤)

(أحمد) يعتقد الآن بأنه إما أن يتقدم أو يرحل، لذا اندفع عبر الفراغات كأنه نيزك عظيم يحطم كل الحواجز، منادياً الفقراء والمساكين، وكل من يمكنه الوقوف: اتبعوني لا تخافوا نحن ميتون بالأصل … فهل يمكن قتل شيء ميت؟ وسنريهم ما يمكن أن يفعله البيدق الأبيض، وكيف يطارد الملك الأسود.

(سامر) لازال مصراً أن يكون رمزاً للرأسمالية، وهدفه الآني إما أن نموت أو نولد من جديد ويقول: هنا يتجذر عالمي ويمتد.

الملاحظة الأخيرة

الاثنان يريدان أن يخرجا ولو بالقليل من الشرف… ولكنهما لا يملكان الشعور بالوقت… فالليل آخذ بالأفول، والفجر مدّ ضياءه على الدنيا… مهدداً الاحلام والأحداث بالتوقف، ونفخ بالصور، وحان وقت الاستيقاظ وسيعرفان

مدى سرعة التردي … وإن عراكهما هو عراك العصافير فوق سطح المنزل

وأولئك الأشخاص الذين يظنون أن الأرض مسطحة كرقعة الشطرنج، سأثبت لهم إنهم مخطئون، وإنهم خارج حدود الشمس……

اضف تعليق