-1-

على مضض توجهت إليه، بيت لا لون له ولا شكل محدد، يجثو متهالكا على بقعة صغيرة من الأرض، ومنه تبتدئ بيوت الزقاق التي تبدو أفضل حالا منه، بمحاذاته يمتد الشارع الرئيس للحي حتى أن أكثر الناس هنا يستكثرون على هذا البيت المريض موقعا جيدا كهذا، عوى قلبي حين رأيت البؤس يأكل مزاياه كلها، وحين دخلت فيه، لم أرَ شيئا جديدا سوى الخمول المعتق، الأشكال الحزينة التي تركتها من قبل في هذه الغرفة تبتهج ببؤسها الآن أمام بصري، حتى صار الخراب يطلي مظهرها ويعيث بكيانها من الداخل كأنه حُوصِر فيها فأخذ ينزُّ منها فارّاً إلى الخارج.

الدولاب الخشب لا أقدام له، انه يقف مباشرة على قاع الغرفة، ضلفتاه تمتلئان بالخدوش والنتوءات الباهتة التي تشبه دمامل تزدحم فوق وجه مريض أصفر، والكرسي الوحيد، يقف بثلاثة أرجل الى جانب الدولاب، انه لا يستخدم للجلوس، لعله من الأشياء التي يجب ان لا تخلو منها الغرفة، هذا الكرسي ذكرني بحصان له تأريخ مذهل لكنه على أثر كبوة مفاجئة تعطلت ساقه الأمامية اليمنى فأطفأت ذلك التأريخ المضيء والى يمين الكرسي كانت تستقر فوق القاع سلة معدنية صدئة تمتلئ بملابس قديمة متهرئة وأحذية غبراء ممزقة وعلب سجائر فارغة وأشياء صغيرة تافهة لا أدري لماذا يحتفظون بها في جوف هذه السلة، ومن وسط السقف كانت تتدلى مروحة متهالكة تخبط الهواء بتأنٍ ممض ومع دورانها البطيء تصدر أنينا رتيبا يشبه الى حد بعيد عواء كلب جريح.

جلست على وسادة خاوية وآثرت أن أكون قبالته تماما، برغم أنني لا أحتمل مرأى شكله الجديد لا لأنه مقرف ومقزز أو لأن لعابه يتقاطر من بين شفتيه على نحو مفجع بل لأن منظره هذا يذكرني بما كان عليه من قبل، لقد كان رجلا طويلا متخما باللحم له وجه عريض مشعّ كقرص الشمس وعينان لامعتان وأنف مشرئب الى الأعلى يشي بهيبة كبيرة وها هو الآن متهالك على مقعد تغزوه المسامير التي تنغرز فوق أخشاب قصيرة تلحم كسرا هنا وآخر هناك، يحاول أن يفتح عينيه أو يحركهما في محجريهما ليرى هذا الذي أتى إليه بعد غيبة طويلة ويشنّف أذانه كي يلتقط موجات العواء التي لا تتوقف، ولكن عينيه لا تنفتحان بل العين اليمنى تكاد تنغلق فيخيل إليّ انه لا يراني أو ربما لا يرى سوى شبح لي، تقربت منه ليرى أنني زرته واقتلعت تماما ذلك الجحود الذي يعشش في قلبي كما كان يقول عني، فهو إنْ زاره أحد الأقارب او الأصدقاء، يسألهم قبل أن يجلسوا بلسان لا يتحرك إلاّ إذا استجمع قواه وحبس أنفاسه وأطلقها دفعة واحدة:

- أرأيتم ابني؟

- لا ولكنه يوما ما سيعود....

ومع ذلك فإن الكلمات تكاد تموت في فمه وإنْ خرجت إلى سمع الزائرين فإنها تخرج ضئيلة مشتتة على شكل تأتأة غير مفهومة، حينئذ يقوم أحدهم ليضع أذنه لصق فم الرجل المريض ليفهم ماذا يقول:

- انه ليس ابني انه جاحد؟!

سعل قليلا فتطاير اللعاب من فمه في أرجاء الغرفة، أسرعتُ وناولته كأس ماء، لكن الماء نفسه ينحشر في حنجرته ثم ينحرف ويدخل إلى رئتيه، فيسعل بطريقة أشدّ يهتز معها جسده المحاصر بالموت، دخلت امرأة نحيفة في يدها صحن ممتلئ إلى النصف بحساء الرز، بدا على محياها ملامح الحياء والتعب، ارتبكت قليلا حين رأتني، ثم ألقت تحيتها وصافحتني، إنها زوجته الصغرى، قالت كأنها لم تجد كلاما آخر تقوله:

- انه لا يأكل شيئا...

- هل جرب ذلك؟

- نعم لكنه لا يمضغ الأكل جيدا ولم يستطع دفعه إلى معدته، إن الأكل يتجه مباشرة إلى رئتيه فيسعل بالصورة التي رأيتها.

بدت إشارات الحنق واضحة في مساحة وجهه المنكمش، انه يرفض ما يحدث الآن أمام عينه الوحيدة المفتوحة إلى النصف، فخمنتْ زوجنه انه لا يرغب الحساء وربما سيغضب (بهذا الجسد الميت) فيحدث ما لا يليق بالزائر، حملت عشاءه وخطت إلى غرفتها، مشت بأقدام متعبة قلقة وقبل أن تخرج قالت:

- سأجلب لك العشاء.

شكرتها فلم تلحّ، لكنها نظرت ناحيتي بعينين ضئيلتين وخرجت...

دخل طفلان صغيران وأعقبتهما صبية، جلسوا على مبعدة مني وشرعوا يرقبونني بعيون فيها من الخوف أكثر مما فيها من الأمان، قلت للأصغر وقد فتحت له ذراعيّ:

- تعال إليّ.

صمت الطفل ثم ارتجفت شفتاه وبكى فجأة ليهرب إلى أمه، تزحزح الأب قليلا فوق مقعده وانتشر الحزن في وجهه المحزّز بالأخاديد المتعرجة، حرك لسانه بصعوبة بالغة، فلم أفهم شيئا منه، وجهه المخذول جدد العواء في قلبي، قالت الصبية:

- انه يقول لك إن الطفل الذي هرب منك هو أخوك.

رفعت رأسي ونظرت إلى المروحة الصدئة البالية، أشرت للصبية أن تقترب مني، رفضت لكنها لم تهرب كما فعل أخوها الصغير، قلت لها تعالي ومددت يدي إلى جيبي وأخرجت ورقة نقود فتقربت ثم أخوها الذي ألقى بجسده بعد لحظات بحضني وشعت عيناه بفرحة مباغتة، وفي لحظات عاد الطفل الهارب، توقف قليلا عند الباب، آثار الدموع بدت واضحة في عينيه وإذ أخرجت له ورقة نقدية أسرع إليّ وأخذ الطفلان يتزاحمان للجلوس إلى جانبي.

نظرت إلى أبي، تخالط الفرح والحزن في قلبه، وفي عينه الوحيدة شبه المغلقة، دخلت علينا زوجته بالشاي وجلست إلى جانب زوجها وشرعت تملأ لي كوبا صغيرا وحينئذ كانت عينه الوحيدة تمشط وجهي، تتلمسني، إنها تحدثني، أنا سمعت كلماتها بوضوح، اعتذرتْ لي فصدح العواء عاليا في قلبي، قالت العين ان الحماقات الكبيرة ربما تحدث مرة واحدة في عمر الإنسان أو لا تحدث قط، فإن حدثت أجهزت على صاحبها وإن كُبِحَتْ، ماتت، وحينها كل شيء سيمر بسلام.

-2-

سنوات طويلة مرت، كنت جالسا على عتبة الباب حين خرج أبي من البيت، في الخامسة والأربعين.. بدا جسدا فارعاً بدشداشة بيضاء وذقن حليق معطر، في تلك اللحظات عوى قلبي برغم إن أبي كان سلسا هادئا لطيفا ورائقا، كلماته ناعمة منمقة.. قال لي مع ابتسامة لم أرها على ثغره من قبل:

- ستصحبني الآن في زيارة قصيرة.

- أنا !!!

- ستذهب معي إلى بيت أبي محمد كي نتعلل عندهم.

لا ادري وقتها لماذا تدفق العواء من قلبي عاليا، عواء كنت اسمعه بوضوح، عواء كلب جريح كان يتلوى في قلبي، نهضت من دكة الباب، ظننت انه سمع العواء الذي يتدفق من صدري لكنه كان منشرحا إلى حد بعيد، نفضت الغبار عن دشداشتي ودهشة قاسية تتحكم بأفعالي وأقوالي كلها.. قلت:

- لماذا أرافقك أبي؟

لم يجبني وامسك بكفي برفق وقادني معه، خمس دقائق ونصل، الأضواء تكلل البيوت وهواء نقي بارد يمر على وجهي، العواء يتعالى والنجوم بعيدة خافتة مشوشة تتراقص فوق رأسي، طير مر خطفا فوق رأسي، صدح بأنغام لذيذة أنعشتني ثم ما لبثت أن تحولت إلى عواء مرير، يا الهي العواء سيقتلني، قال لي:

- ولدي

- نعم

- أمك كما تعرف كبرت، وشغل البيت يتطلب امرأة ناصحة قوية، نحن بحاجة إلى امرأة أخرى تساعد أمك في البيت.

هنا اتّضحت الأمور لي بعض الشيء، انه يحاول تزويجي من بنت ربما لا أرغبها وربما خطط لذلك مراعاة لامي ولكن من دون أن يشرك معه أحداً، خطفت في ذهني هذه الأفكار، ثم تذكرت الفتاة التي أحبها تلك التي قابلتها على عتبة الباب بعد انتظار طويل وألقت بقلبها الصغير في كفي بلا خوف أو قلق، بغتة دهمتني فرحة كبيرة، توغلت بكياني كله، كيف لم انتبه لخطة ابي هذه من قبل، وكيف نسيت حبيبتي .. نزيهة .. إنه لا يمكن أن يرفضها زوجة لي ولعله حدثّ أباها عني واتفقا على كل شيء وها هو يأخذني معه إلى بيتهم لنلتقي أبا محمد ويُحسم كل شيء.

وصلنا إلى البيت المقصود، واجهته تتحلى بضوء أزرق ينسكب فوق أوراق خضراء كثيفة فيبدو لونها خليطا حالما من زرقة شفيفة وخضرة داكنة، طرق أبي الباب وفي لحظات أطلتْ علينا فتاة رشيقة ينسكب فوق جسدها الأهيف شلال هادئ من الضوء الأزرق فيضفي عليها هالة حالمة، دخلنا واحد اثر آخر، أبي يخطو إلى داخل البيت تسبقه قهقهة عالية توحي بثقة لا تحدها حدود، جلسنا على فراش قطني ذي لون وردي بشكل مربع في حديقة البيت، كنت محاذيا لأبي في جلسته المستقرة، يقابله أبو نزيهة يتلذذ بلفافة تبغ أرّثها لتوه قريب منه ابنه محمد والى جانبه زوجته التي بدت على قدر من الجمال تحت ضوء فضّي، جرى حديث غير ذي هدف بين الجالسين، الكلمات العالية المتواصلة تخللتها قهقهات عالية، الأجواء حيوية مدججة بالفرح والرضا التام، حتى العيون التي تتلصص في بعضها صارت تعيش كرنفال العرس القادم، مهرجان من الفرح يتوهج الآن في أجواء هذا البيت، رحت ابحث عن نزيهة بعينين تائقتين مشدوهتين، وراحت تخطف بين لحظة وأخرى من خلل نافذة صغيرة تطل على جلستنا، وكلما لاحت لي أحس بقلبي يتخبط بين أضلعي، ولم ينتبه لحالتي هذه سوى أبي الذي قال لي بصوته الواثق الضحوك:

- ها .. أراك الصامت الوحيد بيننا ؟!

تلعثمت كأنني صحوت بغتة من سكرة نوم عميقة، ثم عدت إلى عزلتي وتركت عيني على النافذة التي أغلقتها قبل قليل ستارة معتمة، لم اعد أراها، فباغتني شعور بأنها لن تكون لي قط، وإنها ضاعت مني إلى الأبد، نهضت أمها وخَطَتْ إلى داخل البيت وحل صمت ثقيل على المجلس تماما كما لو أننا ننتظر حدثا خطيرا ستعود به المرأة التي نهضت قبل قليل، كان أبي قد ابتعد عني قليلا وشرع يحدّث أبا نزيهة بصوت خفيض، حاولت أن اسمع شيئا مما دار بينهما، ترى هل سيقبلني زوجا لابنته أم سيرفض، الصمت والهلع سمتان تلازمان كياني، ولكن حتما ستعود أمها بخبر يسر القلب وينعش الجسد، مضت نصف ساعة على غياب الأم ولم تعد إلينا، انتصف الليل وشاع الصمت ولحظت أبي يفرد ذراعيه جانبا كالصقر ويفتح فمه واسعا، انه يتثاءب بصورة توحي بأن كل شيء يسير لصالحي، لقد كان هادئا مستقرا حتى أنني شعرت بفرحة هائلة أطفأت العواء في قلبي إلى الأبد.

*********

لم يصدّقْ احدٌ من أهالي الحيّ إن هذا سيحدث ولكنه حدث فعلا، وشرعت الأيام تتراكض بجنون نحو يوم الزواج، أما أمي فقد فاجأها المرض بشكل مفاجئ حين سمعت بالأمر، كان أبي يقول عن أمي إنها امرأة مريضة لا تقوى على خدمة نفسها وبيتها ولكن هذا غير صحيح، أنا ابنهما وكنت أرى وأعيش كل شيء، وبعد أن شاع خبر زواج رجلها من نزيهة صارت تردّدُ على نحو متواصل (لقد أصبحتُ عجوزا، لا فائدة مني بعد الآن) ويوما بعد آخر أخذت تذوي... يفرّ لحمها من جسدها حتى أضحتْ كومة عظام يابسة.

أما أنا فقد حاولت أن ألتقي نزيهة، ذهبت إلى أبيها كي استطلع الأمر ولكن بلا طائل، الرجل كان يقول إن أباك هو المعني بالأمر وليس أنت غادرْ فوراً ولا تعد إليّ مرة أخرى.

وهكذا.. قُرعتْ الطبول في باحة بيتنا وصدحت الحناجر ونُحرت الخراف وابتدأت الزفة من بيت نزيهة، كان يوما حارا ساخطا على كل شيء، قيل إن البنت رفضت أن تخرج مع الزفة وقيل إنها أغلقت على نفسها الغرفة ولم تدع احد يدخل عليها حتى أمها، وقيل إنها منذ الصباح التهمت عشرات الحبوب المنومة لكي تنتحر ولكنّ الأمر الوحيد الذي لم يقله احد ورأيته بعيني، إنها خرجت من البيت تتعثر بأقدامها فتاة صغيرة تخطو بين امرأتين كبيرتين بحلة الزفاف وجهها ملطخ بالمساحيق المتضاربة حزينا فاقدا لألقه وللنور الذي كان يتدفق منه، ألقت نفسها في سيارة أجرة، وحين مرت السيارة من جانبي كدت التهمها بعيني كي أعرف أهي نزيهة نفسها أم لا، أخفت وجهها بكفيها وبرغم صراخ الأطفال والصبايا وزعيقهم المتداخل سمعتُ صوتا رقيقا مفجوعا يصدر من فتاة مختطفة أجلسوها عنوة بين امرأتين سمينتين في مقعد خلفي لسيارة سوداء، وحين استعدت الصوت عرفت انه صوتها هي لقد سمعته من قبل، حين كنا نلتقي تضحك نزيهة وحين نختبئ بين الأشجار صمتها يفضحها وإذ امسكها متخفية خلف نخلة الحديقة تتساقط دموعها ضحكا، وحين دخلت نزيهة بيتنا زوجة لأبي تمنيت لو أنها لم تُخلق، ثم فكرت وأنا على مسافة من البيت والى جانبي أمي تتكئ على جدار قريب (لو أن أبي تصرف بحكمة لو انه تأنى قليلا لكانت نزيهة في هذا اليوم زوجتي) وارتسمت ابتسامة مخذولة فوق فمي وهناك في الأعماق السحيقة من الروح، التقت الأحزان بالأفراح، تعاركت، تلاطمت في بعض، وتحولت إلى عويل أرعن بدأ ينز من روحي نفسها ورحت أنشج بصمت، لأول مرة أشعر إن الحياة عجفاء غبية لدرجة إنها يمكن أن تخذل الإنسان بهذه الطريقة الغادرة.

بحثت عن أختي وأخي الصغيرين وجئت بهما لأمي فوجدت بعض نساء الحي قد تحلقن حولها، إحداهن أعطتها طاسة ماء بارد فلم تشرب وأخرى مدت قبضتها بنقود فرفضت أن تأخذها وثالثة جلبت كيسا متخما بالأكل لكنّ أمي رفضت كل شيء.

وبغتة استشاط في داخلي فضول أهوج دفعني إلى داخل بيتنا، تسللت بين الأجساد الكثيرة إلى سلم البيت الذي يحاذي غرفة (الدخلة) لا اعرف كيف وصلت إلى هذا المكان الممنوع حتى الأصوات التي كانت قبل قليل واضحة متميزة تداخلت في بعضها، فالهلاهل التي تنطلق من أفواه النسوة الصغيرات وقهقهات الرجال المفتعلة وبكاء الأطفال كلها كانت تتميز عن بعضها لكنها الآن وأنا أقف قرب باب الدخلة تخالطت الأصوات وتحولت إلى لغط هجين فاحش، وها أنا أرقبُ الأجساد تتراكض باتجاهات متعاكسة فوضى غريبة أجساد لنساء تقترب من العري وعيون شبقة لرجال جياع، هذه المشاهد تلاقحت فيما بينها لتصبح مشهدا متحدا يصور لي بدقة كاملة كيف يمكن أن تُغتصب فتاة بريئة بطريقة أترفع عن وصفها، سمعتُ صوتا غزى كل الأصوات، ربما هو صوتها حين حاصرها في زاوية السرير، تحركت من مكاني بحذر بالغ نحو الباب الخشب لغرفة الدخلة، صار جسدي كتلة جمر والعرق يتدفق من وجهي وجسمي كنبع تفجر توا، ومن دون أن أتحسّب لموقف ربنا يفاجئني بين لحظة وأخرى صفعت جسدي رعشة قوية، أخذ الصوت يخبو ويعلو تارة بدا ضعيفا واهنا فقيرا كمواء قطة تقترب من الموت ثم ما لبث أن تعالى ليصبح مواء قطة محاصرة، ارتفع المواء تنامى تفجر بغتة تحول إلى صراخ مفجع لطفلة لا تعي الحياة لامرأة ناضجة لعجوز ستختنق بأنفاسها، هبطت برأسي أسفل الباب، رأيت يده تمسك بشعرها بقوة صفعها باليد الثانية تكورت فوق السرير سقط فوقها بثقله وأظهر قضيبه المتوتر فتح ساقيها بقوة تملصت منه دفع بقضيبه نحو مؤخرتها صرخت وانقلبت على ظهرها ضربها بقبضته المكورة وأفرج ساقيها ثانية دفع بقضيبه بين الفخذين المرتجفين، سكن جسدها لحظات حتى تصورتُ أنها ماتت، رأيت حركته النازلة الصاعدة فوق جسدها لم يكن يظهر منها سوى عينين مغلقتين وشعر منفوش، مددت يدي إلى الباب، دفعت يدي، توقفتْ، حاولت أن أمزّق خشب الباب لكن وجدت نفسي محاصرا بالنساء اللواتي استدرجهن المواء إلى الباب، رأيت أمها تطرق على الباب بقوة وتصرخ بصوت مفجوع:

- الله وأكبر شصار علكيفك ....

هربتُ من البيت، مزقتُ الأجساد التي اعترضت طريقي، أكلتني الحمى حد الجنون، رحت اركض بلا وعي او اتجاه محدد حتى تعبت فوجدت أمي تقتعد دكة الباب تنظر داخل البيت بوجه ساهم مذهول، انتبهت لي تلقفتني بذراعيها تملصتُ منها صرت سريعا كأن شبحا قاتلا يطاردني، لا اعرف كم ركضت لكن حين تعبت أخيرا وجدت نفسي قريبا منها معروقا لاهثا بأنفاس تركض خلف بعضها بهلع وإذ ذاك نهضت أمي من دكة الباب توقفت عندي قليلا سحبت جسدي بيدها مضت بعيدا عن البيت وأنا خلفها وقبل أن تنعطف تباطأت رويدا ثم توقفت ونظرت إلى بيتها المغتصب نظرة طويلة حانية وحانقة في آن ولحظت شفتيها تتحركان وبين كلمة وأخرى ترفع رأسها إلى السماء وتنشج، وأخيرا حشرجت في صدرها صرخة مكبوتة ثم أسرعت إلى مكان ما لم نكن نعلمه بعد.

-3-

بكى طفل رضيع كان نائما في مهد خشبي قديم، رُكن في زاوية الغرفة، نهضت أمهُ نزيهة رفعته من المهد وجلست إلى جانب زوجها وألقمت الطفل حلمة ثديها، أبي ينظر إليّ بعينه المفتوحة للنصف ثم ينظر إلى الطفل، بدت عينه التي تكاد تنغلق في أية لحظة وكأنها تتحدث عن لسانه بأشياء كثيرة، لمحت ذلك وأنا أركّز في العين التي أخذت تشي بمشاعر كثيرة تضاربت في أعماق الرجل المشلول، ترى ما الذي يريد أن يقوله، أي الخطايا تحاصره الآن؟ وأي الأماني ترد في ذهنه؟ لعله يشعر بالأيام القليلة التي بقيت له، انه على يقين من أن هذه الأيام ستسرع كثيرا لتؤدي به إلى عالم آخر مجهول ولا ريب أن اللحظة التي ستفصله عن هذه الحياة قريبة، ربما يتمنى الآن لو انه لم يقترف حماقته الكبرى، ولكن لا جدوى، انه يجلس أمام ابنه الزائر بلسان ميت ونصف عين قد تنغلق في أية لحظة، انه يحاول أن يعتذر أو يأسف على ما حدث، أخذ يتنقَّل بعينه على وجوه الأطفال ثم ينظر إليّ ثم إلى زوجته، وراحت عينه الوحيدة تنزف اعتذارا وأسفا.

ولشد ما تألمت لوجه نزيهة الذي أثقلته ملامح العجز والتعب، فتحت عيني وصرت انظر بعمق لوجه نزيهة انه تغير كثيرا أين ذلك النور الذي كان يتدفق منه ليل نهار، لقد بدا وجهها واهنا يميل إلى صفرة داكنة، الجبين محزَّز وأسفل العينين أخدودان أسودان والجلد الذي يطلي هذا الوجه ذابلا مترهلا وحين شعرتْ بأنني أمشط وجهها بنظري ارتبكتْ وتلفتت وحاولت أن تنهض لكنها نظرت لزوجها وقالت:

- إنه يدخن كثيرا برغم الأطباء الذين قالوا له سيقتلك التدخين.

لحظتها رمى السيجارة التي احتضرت بين إصبعيه للتو، حاول أن يطلب شيئا ما دمدم مع نفسه، أرادها أن تصمت، لكنها واصلت حديثها:

- كانت ليلة باردة تلك التي سقط فيها أبوك، فبعد العشاء بقليل رأيت يده اليمنى ترتعش ثم يده اليسرى وبعد لحظات اخذ جسده يرتجف بالكامل، صرخت به ما بك ما الذي حدث وقبل أن يجيب سقط فوق الأرض وبدأ يجهش بصوت متقطع يعلو ويخفت وتلعثمت كلماته فلم افهم كلمة واحدة منه، بكيت أولا... صحت... ثم ركضت إلى الجوار، غصَّتْ الغرفة بالرجال والنساء، أحدهم قال (لنذهب به إلى المستشفى) لكنه تمسك بالأرض وتشبث بي رفض أن يخرج من البيت وأخذ يردد كلمات فهمنا بعضا منها (لا اذهب، سأموت هنا، ابني أين ابني) في ذلك الوقت رأيت سائلا يشبه الماء يسيل من تحته وراحت أطرافه تهدأ وسكنت عيناه وفي الصباح كان نصفه الأيمن قد شُلّ تماما.

************

عواء المروحة لا يزال يموج في هواء الغرفة، قررتُ أن انهي زيارتي، تقدمت لأبي مددت له يدي اليمنى لكنه لم يرفع يده لي، نسيت انه لا يتمكن من ذلك، اضطربت عضلات وجهه المنكمش، تحركت شفتاه وارتعشتا ثم بكى، انفتحت عينه كاملة وتدفقت منها الدموع، مد يده اليسرى، أمسك بي أراد أن يحدثني عن شيء ما، قلت له سأذهب الآن ولكن سأعود، صدقني سأعود.

لحظتها تذكرتُ أمي واشتد عواء قلبي، لقد مرت سنوات طويلة على موتها وها أنا الآن كما لو أراها أمامي، لقد أخذت تذبل بسرعة بعد أن تزوج نزيهة ثم لفظت أنفاسها بعد شهور قليلة من ذلك.

انتبهتُ لعواء المروحة الصدئة، نظرت إلى الدولاب المدمَّل، وفكرت بيني وبين نفسي أن أشياءً كثيرة برغم قسوتها يمكن لي أن أنساها الآن، وضعت يدي على قلبي وكتمت شيئا ما ثم خطوت نحو مفتاح المروحة، أطفأت عواءها وخرجت.

انقر لاضافة تعليق