يحتاج تغيير معتقدات الناس وتحويل أفكارهم من النمط السلبي الى الايجابي، وانتشالهم من ظلمة الجهل الى نور العلم، الى شخصية ونموذج مختلف عن الناس العاديين، واذا كان المجتمع يقبل بوأد البنات وبعدم المساواة وبكل الامور السيئة والسلبية، فمن المحتم انه يحتاج الى ذلك النموذج، فجاء النبي محمد (ص) لكي يبني بأخلاقه وقيمه مجتمعا جديدا تكتنفه الفضائل والأخلاق الحميدة فهو (ص) القائل: (إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق).

لقد كانت هذه القيم هي المنعطف الذي جعل من الجاهلية امة متحضرة وفاهمة، امة يتساوى الكل فيها في الحقوق والواجبات، فصار ذلك المجتمع الغارق بالمادية والنفعية، مجتمعا معنويا أخلاقيا يحمل قيم التسامح والمحبة واللاعنف، وكان حسن التعامل هو المحور الاساسي الذي استطاع من خلاله الرسول (ص) ان يصل الى قلوب الناس، فكيف بأناس كانوا يتباهون بالأموال والمناصب أن يتحولوا الى أناس يحبون مساعدة غيرهم ويقتنعوا أن المساواة والعدل هو أساس الحياة؟؟

لقد استطاع الرسول (ص) بطرق متعددة وكثيرة، ان يصل الى قلوب الناس، ومن هذه الطرق كانت النصيحة، وقد جاء في حديث نبوي شريف (الدين النصيحة)، وهذا دليل على مدى الاخلاص الذي يجب ان يكون عليه الشخص من اجل تغيير المقابل والوصول الى قلبه.

كان الرسول (ص) نموذجا لكل القيم المعنوية السامية من محبة وتسامح وتعايش سلمي واللاعنف، فاستطاع (ص) بهذه الفضائل والأخلاقيات أن يصل الى الناس ويغيّر معتقداتهم ويطفئ عصبيتهم، ويجعل مهم مجتمعا وأمة موحدة ثابتة وقوية.

(شبكة النبأ المعلوماتية)، استطلعت آراء عدد من المختصين والكتاب، حول مدى إمكانية الاستفادة من تجربة الرسول الأكرم (ص)، في إطار التغيير الاجتماعي من المادية والنفعية إلى المعنوية والأخلاق؟

إتمام منظومة القيم العليا

فأجابنا الكاتب محمد عبد الجبار الشبوط: في الحديث المروي عن النبي محمد (ص) قال:"إنما بُعِثتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ". وعلى قصر هذا الحديث فانه يسلّط الاضواء الساطعة على موقع النبي محمد في حركة التاريخ البشري الممتدة منذ استخلاف الانسان في الارض الى وراثة الارض على يد الامام المهدي ومن ثم ولادة المجتمع المعصوم.

وهي مسيرة طويلة سجل القران الكريم محطاتها الاساسية في عدد من آياته مثل قوله تعالى: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً".

وقوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ".

وأخيرا قوله تعالى:"هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدً".

تعمل مسيرة الانبياء على البناء التدريجي لمنظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري المؤلف من خمسة عناصر هي: الانسان والارض والزمن والعلم والعمل. وكلما ازداد هذا البناء اكتمالا، ازدادت البشرية من الاقتراب من الله عن طريق بناء المجتمع الصالح، مجتمع العدالة والكرامة، المجتمع الذي يحقق اهداف الخلافة الربانية في الارض والتي تشير الى بعضها الاية القرانية الكريمة:"الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ". ومنظومة القيم هي المؤشرات السلوكية العليا التي يبنى على اساسها المجتمع البشري، وتضبط بموجبها علاقة الانسان بأخيه الانسان من جهة، وعلاقة الانسان بالطبيعة من جهة اخرى، وصولا الى صيانة المسيرة الحضارية التصاعدية للمجتمع البشري من الانحراف والانتكاس والنكوص.

النمو المتراكم لمنظومة القيم

وهكذا شهدت منظومة القيم العليا نموا متراكما على يد الانبياء والصالحين من البشر، حتى وصلت الى درجة عالية من التكامل على يد الرسول الكريم الذي ظل يجاهد على مدى ٢٣ عاما من اجل نشر منظومة القيم العليا وترسيخها في المجتمع البشري انطلاقا من الامة التي "أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ"، بشرطها وشروطها كما ذكرها القران بقوله: "تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ"، في الوقت الذي كان يخطط لاستمرار البناء التراكمي لها على يد وصيه وابي اوصيائه الامام علي. ورغم اشارات النبي الكثيرة الى هذا الدور المناط بعلي اثناء حياته، الا انه اراد ان يوثق هذا الامر قبل وفاته، حين طلب من الذين كانوا حوله من المسلمين في مرضه الذي كانت فيه وفاته ان يأتوه بقلم وقرطاس ليكتب لهم وصيته الاخيرة.

يروي عبد الله بن عباس، ابن عم الرسول، والدي سوف يلقب لاحقا بكلمة "حبر الامة"، تلك اللحظات التاريخية الحرجة، بحديث اجمع ارباب الحديث والتاريخ على اعتباره صحيحا سندا ومتنا، وروته المصادر الاساسية كتاريخ الطبري، والبخاري، ومسلم، وغيرهم. ونص ما قاله ابن عباس:

"لَمَّا حُضِرَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وفي البَيْتِ رِجَالٌ، فيهم عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، قَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هَلُمَّ أكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لا تَضِلُّوا بَعْدَهُ فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدْ غَلَبَ عليه الوَجَعُ، وعِنْدَكُمُ القُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ. فَاخْتَلَفَ أهْلُ البَيْتِ فَاخْتَصَمُوا، منهمْ مَن يقولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمُ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، ومِنْهُمْ مَن يقولُ ما قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أكْثَرُوا اللَّغْوَ والِاخْتِلَافَ عِنْدَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: قُومُوا قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَكانَ ابنُ عَبَّاسٍ، يقولُ: إنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ ما حَالَ بيْنَ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وبيْنَ أنْ يَكْتُبَ لهمْ ذلكَ الكِتَابَ، مِنَ اخْتِلَافِهِمْ ولَغَطِهِمْ. (واللفظ للبخاري). وكانت تلك بداية الخلل الحاد في منظومة القيم العليا التي جاء بها الرسول ونص على مفرداتها القران، وهو الخلل الذي تراكم تدريجيا على الضد من التراكم في منظومة القيم العليا وادى الى انحدار المجتمع الاسلامي وتخلفه في مختلف الميادين.

واليوم، ونحن نعيش ذكرى ولادة الرسول، في مجتمع اصابه التخلف الحضاري، ما احرانا ان نستأنف بناء منظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري وعناصره الخمسة في ضوء ما جاء به الرسول واهل بيته، لكي يستعيد المجتمع الاسلامي، ومنه المجتمع العراقي، سيره الحثيث في طريق القضاء على التخلف وتحقيق التقدم والتكامل.

ذلك "لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ".

رسالة قوامها المحبة والسلام والمساواة

أما الناقد والباحث الدكتور عمار الياسري فأجاب: في أية دراسة بنيوية للنصوص التي وردت على لسان رسول الأمة محمد صلى الله عليه وآله، سيجد الدارس منظومة دلالية هائلة من المتواترات اللغوية التي تشي بالمحبة والسلام والمساواة وما إلى ذلك من القيم السامية، فالسلوك الإنساني الذي شكلته الخطابات السماوية والتربية الأسرية لنبينا الكريم قد تعالى فوق السرديات الكبرى التي تشتغل على إعلاء المركزية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

فبلال الحبشي وسلمان الفارسي وعبد الله بن سلام من الهوامش قبالة الجنس العربي، لكن رسول الرحمة قوض مركزية قريش حينما قرب الجنس الأسود والفارسي واليهودي المعتنق للإسلام في منظومة شمولية مشتركة لا فرق فيها بين الأجناس والأعراق إلا بالتقوى، ليس هذا فحسب، بل لم يسمح بالتجاوز على الآخر المختلف من غير المسلمين حتى لو لم يدخل الإسلام مادام الإسلام في سلام منه.

ومع ما تعرض له من مضايقات ومناكفات كان ينشر المحبة ويرسخ السلام حتى خضعت الأرواح الثائرة تحت خيمة السلام، وعلى الرغم من الاحتراب السياسي الذي مرت به الأمة الإسلامية فيما بينها بعد رحيل الرسول (ص) إلا أن تعاليمه السامية بقيت راسخة في ثورات عديدة، مثل ثورة الإمام الحسين عليه السلام ضد الظلم والطغيان، وما أحوجنا في زماننا المعاصر إلى التطبيق العملي للإسلام الحقيقي الذي نهضت به الرسالة المحمدية.

فمع ما نشاهده من فرقة في التوجه وعدم إتقان في العمل وفساد في المسؤولية، ينبغـي علينا جميعًا الوقوف أمام مرآة الروح لمحاسبة أنفسنا وتنقيتها من أدرانها الوجودية، فالطبقية والعرقية والقبلية التي سادت وساد معها الفساد سببها الابتعاد عن الإسلام النقي، بفعل بعض الفلسفات الشاذة التي وردت إلينا والتي تبرر الوصول إلى الغاية بأية وسيلة وبفعل التدويل السياسي الوافد إلينا ما جعل المجتمع ينسلخ من سلوكه الإسلامي القويم، بل حتى من المكارم التي كانت قبل الإسلام فسادت التفرقة وعم الفساد وشذ الرعاة.

لكن الذات الإنسانيّة مجبولة على الخير وهذا ما تجسد بوساطة السلوك الجمعي في زيارة الأربعين، حينما تلاشت المقامات والطبقات وهب الجميع لخدمة زوار الإمام الحسين عليه السلام، لذا لتكن أيامنا شبيهة بخدمة زوار الحسين ولنا في رسول الله وآله وما قدموه لنا أسوة حسنة نسير عليها نحو الأمل المنشود.

الأثر الأخلاقي النبوي عطّر قلوب الناس

الكاتبة والتربوية أشواق الدعمي أجابت: عاش الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قبل البعثة النبوية في مجتمع جاهلي بائس، حيث سادته أعراف بعيدة عن القيم الإنسانية، فكان مجتمعا متناحرا يبيح السرقة لسد الرمق والإغارة على التجمعات الأخرى واعتماد القتل لكسب المغانم، ناهيك عن التعصب القبلي والتطرف ومن ثم سحق وضرب أبسط حقوق الإنسان٠

لقد رفد الرسول (ص) ذلك المجتمع الذي كان متدنيا أخلاقيا وإنسانيا بأخلاقه وقيمه ومبادئه السامية؛ فكان صادقا خلوقا أمينا ترك أثرا طيبا في قلوب وعقول الناس؛ فكان قائدا روحيا ومعنويا ثم قائدا سياسيا فيما بعد٠

أراد الرسول الأعظم الانقلاب على الواقع البائس وبناء مجتمع إنساني؛ فعمل على بناء منظومة إنسانية وأخلاقية تنبذ التعصب والتطرف، وقد نجح الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام في بناء المجتمع الذي راح يدعو له ويحدد ملامحه وصفاته، مجتمع تحكمه القيم والأخلاق السامية والعدالة والابتعاد عن الطبقية والفئوية٠

الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وفطره على الخير وما عدا ذلك صفات مكتسبة، عمل الرسول على إعادة الناس إلى الفطرة التي أوجدتها الله سبحانه وتعالى في نفوسهم والتخلص من كل مكتسب ودخيل على النفس الأنسانية٠

في الواقع الذي نعيشه اليوم والقائم على النفعية المادية نحن بحاجة إلى العودة إلى الفطرة التي جَبَلنا الله سبحانه وتعالى عليها، والتخلي عن أي مكتسب فيه إساءة للإنسانية، وحري بنا التمسك بأخلاق ومبادئ الرسول الكريم وإعادة العمل بالمنظومة الأخلاقية التي أسسها قائدنا الأول٠

ولأهمية القادة في حياة المجتمعات، فيجب على القادة التحلي بأخلاق الرسول الكريم والسير على منهجه ومبادئه الإنسانية، وعليهم العمل على التأثير في الجانب الروحي والمعنوي والنفسي والعقلي للناس، كما فعل الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في بناء دولته٠

النبي (ص) نموذج للإنسان المثالي

جواب زهراء محمد طالبة جامعية: لقد جاء النبي محمد (ص) كنموذج للإنسان المثالي الذي يستطيع تغيير مجتمع كامل بالكلام والأفعال، واستطاع الرسول من خلال حكمته وأخلاقياته أن يجعل من مجتمع الماديات مجتمع محبة وسلام، فلقد أكد الرسول (ص) على دور المرأة في الاسلام وعلى حقوقها وواجباتها، لاسيما أن الاسلام كرّم المرأة بعد ان كان وأدها أمرا عاديا يتكرر بصورة يومية.

وكانت تشترى وتباع في الاسواق، وليس لها اقل الحقوق، كل هذه الأمور المادية النفعية كانت مترسخة في عقول متحجرة تمكن الرسول (ص) بأسلوب واعٍ أن يضيء هذه العقول ويجعلها تفهم بأن السير في ضوء القيم المعنوية، من تسامح وكرم وشجاعة، سوف يجعل من هذه الأمة أمة عظيمة، تعطي للبشرية خير مثال على أن الانسان لو عمل بجد وبصورة صحيحة وبأخلاق وقيم الدين الاسلامي، سيكون العالم مكانا مناسبا للعيش الرغيد.

اضف تعليق