«فيد كوين» هو اسم العملة الرقمية المشفّرة التي تنوي الولايات المتحدة إطلاقها بواسطة تقنية «بلوكتشاين». كل واحد «فيد كوين» سيساوي دولاراً أميركياً. يثير الأمر تساؤلاً حول بنية النظام المالي العالمي الذي يهيمن عليه الدولار؛ فهل ستظهر صعوبات لدى بعض الدول في مقاربة عملاتها المحلية قياساً على الدولار المشفّر؟ هل ستكون مشكلات تقنية أو أكثر من ذلك؟ في الواقع، سيبقى الدولار بشكله التقليدي أو المشفّر، عملة مرتبطة بهيمنتها على العالم ولن تعود إلى الارتباط بأي شيء آخر بعدما فكت ارتباطها بالذهب. خلق النقد سيبقى في يد الاحتياطي الفيدرالي، ولا شيء يوحي بأن عملة الولايات المتحدة لن تعود مصدراً أساسياً لرأس المال العالمي، لكن ما توفّره هذه التقنية من خصائص، ولا سيما لجهة تحويل الأموال السريع بين بلد وآخر، قد تخلق تعقيدات جديدة على دينامية النظام المالي، لا سيّما فيما يتعلّق بالإقراض والتسليف.

اتفاق «بريتون وودز» ربط كل عملات العالم بالدولار الذي ثبتت قيمته مقابل الذهب بسعر 35 دولاراً مقابل كل أونصة. وفي عام 1971، حلّ بدلاً منه اتفاق البترودولار بين الولايات المتحدة والسعودية الذي ربط النفط بالدولار. ثم بدأ عصر التحوّل نحو نظام «العملة الورقية»، أو الـ«Fiat Currency» الذي دام لنحو خمسة عقود. أما اليوم، فقد أطلقت الإدارة الأميركية فصلاً جديداً من هذا التحوّل نحو الدولار الرقمي المشفّر المربوط بالعملة الورقية. كل دولار مشفّر سيساوي دولاراً ورقياً. يشارك في هذه العمليات التجريبية بنوك مركزية وتجارية من بينها «BNY Mellon» و«Citi» و«PNC Bank» و«Swift» و«TD Bank» و «Truist» و«US Bank». ستحاول هذه المصارف تحديد تأثير الدولار المشفّر الذي يتم إصداره بواسطة تقنية «بلوكتشاين»، أي أنه يتم تسجيل كل العمليات التي يستعمل من خلالها، فيما ستبقى عملية إصداره وضخّه في السوق بيد الفيدرالي الأميركي.

هل هذا يعني أنه، في ظل هيمنة الدولار على العالم، سينعكس هذا التحوّل على بنية النظام المالي العالمي، أي هل سيطرأ التغيير على قنوات الهيمنة فقط، أم على طبيعتها أيضاً؟ المشكلة الرئيسية التي تواجه هذا التحوّل، أو على الأقل المشكلة المرتقبة منه، متصلة بعمليات دفع المال في أسواق الصرف الأجنبي. حالياً، يستخدم الدولار كعملة رئيسية في مجموعة واسعة من الدول حول العالم، إنما يتم ذلك نقداً أو بواسطة عمليات مقاصّة تنفذها المصارف المحلية مع مصارف المراسلة في الولايات المتحدة الأميركية. فهل هذه المرونة هي نفسها متوافرة لدى الدولار المشفّر؟

في الواقع، أثارت رئيسة مجموعة الأسواق التابعة للبنك الفيدرالي ميشيل نيل، هذه الإشكالية عندما تحدثت عن أهمية المعاملات الفورية للعملات الأجنبية في سياق «المدفوعات عبر الحدود». فالمعاملات بواسطة الآلية القائمة حالياً، تستغرق نحو يومين، بينما ستكون فورية عبر الدولار المشفّر. وسيشمل المشروع إطاراً تنظيمياً يتماشى مع اللوائح الحالية المعمول بها في المصارف، مثل «اعرف عميلك»... لكن هذه الأسئلة لم تعالج الإشكالية الأساسية المطروحة المتعلقة بإنشاء عملة مشفّرة بتقنية لا مركزية (بلوكتشاين) يمكن التحكّم بها من قبل جهة مركزية مثل المصرف الفيدرالي الأميركي.

ومع هذا الأمر، تكون الولايات المتحدة التحقت بالدول التي تحاول رقمنة عملاتها الوطنية. إذ بدأت الصين العمل على الين الرقمي منذ عام 2014. وفي الاختبارات التي أجريت في الأشهر الأخيرة، قام أكثر من 100 ألف شخص في الصين بتنزيل تطبيق للهاتف المحمول من البنك المركزي لتمكينهم من إنفاق تبرّعات حكومية صغيرة من النقد الرقمي مع التجار، بما في ذلك محال «ستاربكس» و«ماكدونالدز». وفي أيلول الفائت، مضت أستراليا قدماً في مشروعها التجريبي للحصول على دولار رقمي بالتعاون مع «إيثيريوم». وكذلك تستكشف كل من المملكة المتحدة وكندا والأوروغواي وتايلاند وفنزويلا وسويسرا والسويد وسنغافورة وروسيا هذا التحول. ويُشار إلى هذه العملات الرقمية بـ«CBDC» أي العملة الرقمية للبنك المركزي.

تختلف الدوافع من بلد إلى آخر. في حالة فنزويلا، الحكومة تعتبره وسيلة للقفز فوق العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة، ما يسمح لها بالوصول إلى أسواق التمويل الدولية. كذلك تنظر روسيا أيضاً إلى عملات المصارف المركزية الرقمية على أنها طريقة للتهرّب من الهيمنة الأميركية. والحكومات مهتمة ببناء عملتها الرقمية لتحمي نفسها من الاعتماد المفرط على دور المصارف في خلق النقد. أما في حالة الولايات المتحدة، فمن غير الواضح حتى الآن السبب الحقيقي خلف هذا الأمر، لكن وفقاً لبنك التسويات الدولية، إن نحو 88% من تحويلات العملات تضمّنت الدولار هذا العام. ومع ذلك، فإن حصّة الدولار في احتياطيات البنوك المركزية تتراجع بسرعة من 65% في نهاية عام 2016 إلى 59%. لكن هل سيعيد الدولار الرقمي البريق إلى العملة الخضراء عالمياً؟

اضف تعليق