في عالم فراعنة «وادي السليكون»، يمكن أحدهم أن يكون رئيس أقوى دولة في العالم، وقائد إمبراطورية تجوب أساطيلها المحيطات ولها قواعد عسكرية في كل أنحاء الأرض، فيما يعبث جواسيسها بأنظمة الدول الحرّة، حيث تُنهب ثروات الشعوب... لكن هذا الجبروت يستحيل أمام عمالقة التكنولوجيا الذين وصل حكمهم، واعتقادهم بـ»امتلاك الحقيقة» إلى حدِّ كتم أنفاس دونالد ترامب وأنصاره بدعوى «التحريض على العنف».

لفهم ما حصل مع ترامب وأنصاره، لا بد من المرور على نظريّة كيو آنون «Qanon» المؤامرتية: «الفيل الكبير في الغرفة». تقول الأسطورة إن هناك شخصاً يعمل في أحد فروع الاستخبارات العسكرية الأميركية، ويرمز له بـ«Q»، مقرّب من ترامب، وينشر معلومات سرية يتلقّاها من الرئيس مباشرةً، في أقبية الإنترنت المظلمة (Dark Web). نظرية المؤامرة هذه تشمل مواضيع عديدة، وتقول اختصاراً إن الرئيس الأميركي يعيش مواجهةً كبرى مع أفراد الدولة العميقة، وهم عبارة عن «مجموعة من المتحرّشين بالأطفال يجمعهم نادٍ سرّي مع أفراد من العائلة الملكية في إنكلترا». لكن «العاصفة الكبيرة آتية لا محالة، وسيتمّ زج هيلاري كلينتون وباراك أوباما والعديد من الشخصيات الرفيعة في الحزب الديموقراطي في السجن». وعلى رغم سذاجة هذه النظرية، إلّا أنها تلقى رواجاً كبيراً بين أنصار ترامب.

وبما أن الدخول إلى الإنترنت المظلم ليس في متناول جميع المستخدمين، قام عشرات الأفراد بخلق حسابات على منصة «تويتر» بأسماء وهمية، إلى جانب مجموعات مغلقة على منصّة «فايسبوك»، لنقل كل ما يتفوّه به «كيو» إلى عالم التواصل الاجتماعي. ويدور الحديث هنا عن مغرّدين مثل: «مايجور بايتريوت» و«ماكسيموس» و«وايت رابِت» والعشرات غيرهم، من الذين حازوا مئات آلاف المتابعين، وبعضهم تخطى المليون متابع. وفي البداية، تحاشى الإعلام الغربي - والأميركي تحديداً - التطرّق إلى هذه القضيّة، أو ذكر اسم «كيو آنون». لكن الأمور سرعان ما خرجت عن السيطرة، وبات في الإمكان رؤية لافتات وحتّى ملابس كتب عليها حرف «Q» في جميع المسيرات والمهرجانات الانتخابية التي يحييها ترامب. حينها، وجدت وسائل الإعلام الأميركية الكبرى نفسها مجبرةً على نشر التوعية ضدّ نظرية المؤامرة هذه. لكن سبق السيف العذل، وانتشر «كيو» في أميركا وخارجها، وتحديداً بين مجموعات اليمين والنازيين الجُدد في أوروبا. حتى إن ترامب نفسه، ولدى سؤاله مرّات عديدة عن «كيو آنون»، وآخرها في المناظرة الثانية والأخيرة التي جمعته إلى جو بايدن قبل الانتخابات الرئاسية، قال: «لا صلة لي بهم، أعلم أنهم ضدّ التحرش بالأطفال وأحترمهم لذلك».

في مقابل ذلك، وبعد جلاء نتائج الانتخابات الأميركية، برز أقطاب ومؤثّرون يمينيّون بشكل أكبر من ذي قبل على «تويتر»، أمثال المستشار السابق للأمن القومي مايكل فلين، والمحامية سِندي باول، ومحامي ترامب الشخصي رودي جولياني، وإعلاميون مثل مارك لِفين، ومفكرون مثل جيم ريكارس. هؤلاء لا ينشرون ما يقوله «كيو» على صفحاتهم، بل يقدّمون آراءهم في شأن الطرق التي يمكن فيها ترامب قلب نتيجة الانتخابات التي خسرها بـ«التزوير». الملايين الذين يتابعون هؤلاء، كانوا ينتظرون كل تغريدة جديدة منهم، تبعث في نفوسهم السعادة وتنسيهم مرارة الخسارة المدوية، وتعطيهم أملاً بقلب النتيجة. ومنذ صدور نتيجة الانتخابات، كان أنصار الرئيس الحالي يعلمون أنه يمكن نائبه، مايك بنس، أن يلغي أصوات الهيئة الناخبة في الولايات المتنازَع عليها ويقلب النتيجة لمصلحة ترامب. لكن الأخير لم يتحدّث عن احتمال اللجوء إلى تلك الخطوة إلى أن حلّ، قبل يومين من الانتخابات الفرعية في جورجيا، ضيفاً على الولاية التي أعطت الديموقراطيين غالبية بسيطة في مجلس الشيوخ، فيما تفوّه بخطّته بصورة رسميّة في السادس من الشهر الحالي، عندما خطب بأنصاره المتجمهرين في العاصمة واشنطن، قبل غزوة «الكابيتول».

حملة تطهير

حرّاس بوابة الإنترنت في «وادي السليكون» كانوا على علم بكل الحسابات والمجموعات التي تنشر نظرية «Q». ومن هذا المنطلق، يتحمّل هؤلاء مسؤولية التغاضي عنها. فهُم انتظروا واقعة «الكابيتول» لبدء عملية تطهير شاملة لحسابات ترامب وأنصاره على كل المنصات، بدعوى التحريض على العنف من قِبَل الرئيس في أيامه الأخيرة، وبذريعة اجتثاث مجموعات «Q». ويمكن القول إن ما حصل حقٌ يراد به باطل. حتى إن عملية إسكات الرأي غير الملوّث بـ«Q»، دفعت بموظف الاستخبارات السابق، إدوارد سنودن، إلى القول: «أعلم أن ما حصل مع ترامب سيدخِل البهجة إلى قلوب معارضيه، لكن عليكم أن تتخيّلوا عالماً بعد انتهاء أيام ترامب الأخيرة، حيث سيكون ما حصل مع الرئيس هو الهدف النهائي لعمالقة التكنولوجيا مع كل المستخدمين».

شبكات التواصل الاجتماعي محميّة بموجب المادة 230 من قانون الاتصالات والتواصل الأميركي، وتصنّف باعتبارها منصات لا أدوات نشر، فلا يمكن محاسبتها لما يُنشر، ولا يوجد قانون فعلي قادر على تقييدها، فضلاً عن أن غالبية أعضاء الكونغرس لا يفقهون كيفيّة عملها. وعلى رغم كل مساوئ ترامب، إلّا أنه كان الوحيد الذي هدّد تلك الشركات بتعديل المادة 230 أو إزالتها، إذ كان يعتبرها ذراع الحزب الديموقراطي في الفضاء الرقمي، لكونها تعمل، كما يعتقد، بصورة ممنهجة لإسكات الرأي الآخر.

أغلق «تويتر» حساب ترامب إلى الأبد، وحذف تغريدة له بعد دقائق من نشرها على الحساب الرسمي لرئيس الولايات المتحدة (POTUS). وحظره «فايسبوك» عن كل منصاته لمدّة أسبوعين يمكن أن تمدّد إلى ما لا نهاية. وأغلق «تويتر» الحسابات التابعة لمايكل فلين، وسندي باول، وعشرات الآلاف غيرهم. كما حُذفت مقاطع فيديو نشرها جولياني على «يوتيوب» الذي عمّم مذكرة إلى جميع صنّاع المحتوى على المنصة، تقول إن أيّ مقطع مصوّر يتطرّق إلى تزوير الانتخابات سيتم حذفه أو حظر القناة نهائياً. وعندما لجأ أنصار ترامب إلى منصة «بارلر» (Parler) لمتابعة الأقطاب والمؤثرين، حذفت شركتا «آبل» و«غوغل» التطبيق عن متجريهما. وتم ضرب الموقع بهجوم وقف الخدمة (DDoS)، قبل أن تهدّد شركة «أمازون»، التي يوجد موقع «بارلر» في خوادمها، بإزالة الموقع مع كل محتواه. قرار عمالقة التكنولوجيا بتصفية ترامب، يجب أن يقلق خصومه قبل مؤيديه، ولا سيما أن ما حدث ليس من باب المصادفة، إذ يستند إلى ضغوط على خلفيات سياسية، كما يدّعي أصحاب هذه الشركات التي بات يتعاظم دورها ونفوذها إلى درجة أنها وجدت نفسها «مضطرة» إلى إعادة تعريف الحقيقة، في عالم تتنامى فيه ثقافة الـ post truth.

انقر لاضافة تعليق