العرض المستمر في تقديم الذات على الآخرين لاجتلاب اهتمامهم والحصول على متابعاتهم اليومية، بصرف النظر عن المحتوى المقدم يدفعنا إلى التساؤل حول الأمر، ان هذه المواقع الاجتماعية كشفت ونفضت الغبار عن منظومتنا الاجتماعية الهشة؟

سايكولوجيا أو علم النفس هو العلم الذي يدرس الوظائف العقلية والسلوك ويهتم علماء النفس (السايكولوجيين) بدراسة الشخصية، العاطفة، السلوك، الادراك، والعلاقات بين الاشخاص.. إلخ.

قديماً كانت السايكولوجيا تعرف بأنها دراسة العقل والظواهر العقلية. السايكولوجيا في دراساتها تتبع المنهج العلمي القائم على الملاحظة والقياس والتقريب، وتنقسم حسب المبادئ التي تقوم عليها السايكولوجيا السلوكية، والفرضية، والتكوينية، والتحليل النفسي، وبحسب موضوعها: السايكولوجيا العامة، والاجتماعية، والتربوية، والصناعية، والمرضية، والجمالية، وبحسب منهجها: السايكولوجيا النظرية، والتجريبية، والتحليلية، والاحصائية، والإكلينيكية.

لكل مجتمع وثقافة تجربة مختلفة مع مواقع التواصل الاجتماعي وأسباب مختلفة لاستخدامها. هذه الاختلافات موجودة أيضاً بين أفراد المجتمع الواحد، لكن تظل النتيجة النهائية واحدة في الغالب.

في دراسة نُشرت على موقع «The Economist»، أعدَّها باحثون من «الجمعية الملكية للصحة العامة» في بريطانيا، لوحظ أنه خلال الـ25 سنة الأخيرة، زادت معدلات أمراض القلق والاكتئاب بين الشباب بنسبة 70%.

يؤكد معظم الشباب الذين شاركوا في الدراسة أن استخدامهم أربع أو خمس من أبرز مواقع التواصل الاجتماعي تسبب في زيادة نوبات قلقهم واكتئابهم.

تورد الدراسة أن 91% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عامًا في بريطانيا يستخدمون الإنترنت من أجل مواقع التواصل الاجتماعي فقط، وتقل النسبة تدريجيًّا وصولًا إلى الفئة العمرية من 55 إلى 64 عامًا، الذين يستخدمون مواقع التواصل بنسبة 55%، وأخيرًا بنسبة 23% لمن تزيد أعمارهم عن 68 عاماً.

الرسام الأمريكي "آندي وارهول" قدم نبوءة بظهور وسيط إعلامي يصنع من حلم الشخص العادي واقعا ملموسا لم يتوقف عن كونه تنظير بل سرعان ما تحقق، فقد عبر هذا الأخير في إحدى مقابلاته بمقولته الشهيرة "في المستقبل سيتمكن الجميع من أن يصبحوا مشهورين شهرة عالمية خلال 15 دقيقة فقط..".

ورغم أنه في الستينيات من القرن الماضي لم تكن وسائل الإعلام واسعة الانتشار بما يحقق نبوءة "وارهول" غير وأنه بعد مرور عقود قليلة من الزمن على نبوءته، بدأ ظهور بعض المواقع والتطبيقات التي تدخل ضمن قائمة وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي، والتي حملت على عاتقها مهمة تحقيق نبوءة ما نظر إليه الرسام الأمريكي.. فأصبحت المعلومة تنتشر وتكتسح العالم شمالا وجنوبا في وقت محدود.

وحسب إحدى الأبحاث التي قام بها موقع "Mamsys"، فإن النتائج التي توصل لها خبراء الموقع تكشف حقيقة هذا الامر، ففي عام 2017 فقط، كان معدل الدخول على موقع فيسبوك نحو (900.000) في الدقيقة الواحدة، مقابل (46.200) صورة يتم تنزيلها على إنستغرام، و(452.000) تغريدة على تويتر، ونحو 4 ملايين مشاهدة على يوتيوب في الدقيقة ذاتها.

ويظهر ذلك بشكل واضح الدور الكبير جدا الذي تحققه وسائل التواصل في صناعة الأحداث وانتاج المشاهير، فأصبحت بذلك وسائل التواصل الاجتماعي زاخرة بالكثير من الأسماء المشهورة على اختلافها ما بين الذي يقدم المحتوى العلمي المعرفي الجاد، والذي يتفنن في تقديم المحتوى الفارغ التافه والمرضي أحيانا مثل تلك التي تنتشر داخل المجتمع العربي، والقائمة بهذه الأسماء طويلة جداً وقد لا يمكن حصرها وفق توجهاتها، والذي يلقى إقبالا على نطاق واسع خاصة في المجتمعات المتخلفة التي تفكر وتعمل بسطحية، فتبرز لنا ظاهرة "التفاهة" على مواقع التواصل كظاهرة تحتاج إلى التأمل والتساؤل ومن ثم التقصي.

ففي معظم مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك، سناب شات، إنستغرام، تويتر، تيك توك...) تتفاوت أسماء العارضات والعارضين -الفاشيونيستا- وصناع المحتوى في تسابق على أرقام المتابعين المقدرة بمئات الآلاف، وربما الملايين، لأنهم يقدمون صورتهم في أزياء ومستحضرات ومنتوجات لا تضيف قيمة تتناسب مع شهرة صاحبها، فهذا يحرك شفتيه على أنغام أغنية شعبية فيحصد مئات ملايين المشاهدات بلا أي سبب منطقي لهذا، وتلك تعتمد صورة الجسد لحصد المتابعين، وذاك يسوق لغته المرضية، وآخر يصور محتوى ساخرا عن يومياته وأسرته، وهذا يستعمل مقاطع الأفلام والمسلسلات، وآخر يقلد المعلقين الرياضيين، وإلى آخر تلك القائمة الطويلة والتي قد تكون غالبها ترفيهي لكن لنسأل بطريقة علمية، ماذا حصل المجتمع من ذلك؟!.

ذلك العرض المستمر في تقديم الذات على الآخرين لاجتلاب اهتمامهم والحصول على متابعاتهم اليومية، بصرف النظر عن المحتوى المقدم يدفعنا إلى التساؤل حول الأمر، ان هذه المواقع الاجتماعية كشفت ونفضت الغبار عن منظومتنا الاجتماعية الهشة بحيث أفرزت لنا عن الكثير من الأسئلة المهمة التي أصبحت تطرح نفسها بشدة على باحث اليوم.

كيف يمكن الحديث عن ظاهرة الشهرة أو "البوز bose" في ظل الدور المباشر الذي تلعبه وسائل التواصل في تفشي هذه الظاهرة؟ وهل يمكن القول بأن البوز مفهوم يخدم مصلحة المجتمع الرأسمالي؟ هذا من جهة، ومن جهة أخرى ماهي التفسيرات العلمية خاصة منها السيكولوجية المقدمة في إطار هذا الطرح؟ وما دور الجمهور في انتاج التفاهة وبروز المشاهير الفارغين؟

العلاقات الزوجية ومواقع التواصل

وفقًا لإحدى الدراسات الحديثة، وجد باحثون من جامعة نورث وسترن الأمريكية أنّ أولئك الذين ينشرون كثيرًا عن أنفسهم وعلاقاتهم على وسائل التواصل الاجتماعية، يشعرون في الواقع بعدم الأمان في علاقاتهم ومن مشاعر شركائهم تجاههم، فعندما كان الأشخاص المشاركون بالدراسة يشعرون بعدم الأمان والتأكد حول مشاعر شريكهم، كانوا يميلون إلى جعل علاقاتهم ظاهرة للآخرين في فيسبوك أو انستجرام.

وبعبارة أخرى، فإنه من خلال نشر صورهم وتفاصيل حياتهم يحاولون إقناع الآخرين بعلاقتهم الصحية غير أنهم بالأصل وبشكلٍ لا واعٍ يسعون لإقناع أنفسهم بذلك، إنها حيلة لإقناع الجميع بحبّهم وانسجامهم لكنها في الحقيقة مجرّد وسيلة لخداع أنفسهم في التفكير بأنهم سعداء ويشكّلون ثنائيًّا رائعًا مختلفًا عن البقية.

على الباحثين في المجال الإعلامي والاجتماعي والمؤسسات الاكاديمية والمنظمات تحديات كبيرة لدراسة هذه الظواهر وتأثيراتها على الأجيال القادمة، البحوث والدراسات في مجال مواقع السوشيال ميديا لا تزال قليلة جداً في العالم العربي.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2019Ⓒ
http://shrsc.com

انقر لاضافة تعليق