تشير العديد من الدراسات الحديثة أنّ كثرة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي تزيد من الشعور بالعديد من المشاعر السلبية، وتزيد نسبة الإصابة بالاكتئاب، ففي حال لاحظ الشخص بأنه محبط، أو لديه مشاعر سلبية، وسيئة على نحو منتظم ومستمر، فَيُفضّل أن يمنح نفسه وقتاً للاستراحة من استخدام الشبكات الاجتماعية.

ما يتميّز به عصرنا هو التقدم الهائل في تكنولوجيا الاتصال، حيث تشير آخر الدراسات أن هناك ثلاثة مليارات شخص حول العالم يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي، أي ما يعادل 40 في المئة من سكان العالم. كما إننا نقضي في المتوسط نحو ساعتين يوميا في تصفح هذه المواقع والتفاعل من خلالها، ويمكن القول إن هناك نحو نصف مليون تغريدة وصورة تنشران على موقع سناب شات للمحادثة كل دقيقة.

في الوقت ذاته استطاعت وسائل التواصل الاجتماعي ان تجعل من العالم بقعة صغيرة من الناحية الافتراضية نظراً لكمية المواد المنشورة من خلالها سواء كانت للتواصل اليومي بين الناس او نشر المواد العلمية والفكرية، وأصبحت منصة للتسويق الالكتروني لكثير من المنتجات وخلقت الكثير من فرص العمل، الأرباح المالية المتحققة من ذلك تقدر بمليارات الدولارات كل عام.

وتعتمد الدراسات المتوفرة حالياً على بعض التقارير واستطلاعات الرأي، والتي يمكن في الغالب أن تنطوي على بعض العيوب الإجرائية، كما إن أغلب هذه الدراسات تركز على موقع فيسبوك على وجه الخصوص. وفي هذا السياق، يمكن القول إن هذا الحقل البحثي يعد سريع التطور، وقد بدأت بعض الأدلة القليلة في الظهور مؤخرا.

تأثيرات اجتماعية إيجابية

تؤثر مواقع التواصل الاجتماعي بشكل إيجابي في عدة مجالات في حياة الإنسان:

- تساعد مواقع التواصل الاجتماعي الشركات في مجال التسويق، فهي وسيلة فعالة، وسهّلت للشركات التواصل مع عملائها مجاناً، بحيث تكون التكلفة الوحيدة هي الطاقة والوقت، وذلك من خلال مواقع التواصل المختلفة.

- فتحت مواقع السوشيال ميديا فرصةً أمام جميع الكتاب والمدونين، للتواصل مع القرّاء لتبادل الخبرات، والمقالات، والأفكار بحيث يستطيع الكاتب مشاركة جمهوره بجميع مقالاته وتدويناته، مما يعزز علاقاته مع المتابعين.

- أزالت الشبكات الاجتماعية جميع عوائق التواصل والتفاعل، بحيث يمكن للمرء أن ينقل رؤيته، وأفكاره حول مجموعة متنوعة من المواضيع، وأن يشارك أفكاره ويتواصل مع الأشخاص ذوي التفكير المماثل، ويبادلهم الرأي حول موضوع معين.

- تساعد شبكات التواصل الاجتماعي على خلق فرص للتوظيف، بحيث توفر بعض شبكات التواصل خيار إضافة المؤهلات، والمهارات، والخبرات الخاصة بالشخص، ووفقاً لشركة إي ماركتر E Markter المختصة بدراسة السوق، فإن مواقع التواصل الاجتماعي لديها القدرة على ربط الآلاف من الأفراد المتشابهين في التفكير، والميول الوظيفية.

- تُمكّن وسائل الاتصال الحديثة 42% من الآباء من التحدّث يوميّاً مع أبنائهم عبر الهواتف المحمولة، وذلك وفقاً للمسح الذي أجراه مركز “بيو” للدّراسات العالميّة حول الإنترنت، حيث يُظهر المسح دور وسائل الاتصال في تعزيز التواصل بين أفراد الأسرة البعيدين عن بعضهم البعض، وتُعتبر وسائل الاتصال الحديثة من الطرق الفعّالة للتواصل بين الآباء والأطفال في حالات الطلاق، وذلك عبر اللقاءات الإلكترونيّة المرئيّة، والمُحادثات المُتواصلة، حيث تُمكّن هذه المحادثات المرئيّة الوالدين المنفصلين من مُتابعة نمو، وتطوّر أطفالهم بطريقة فعّالة أكثر من الاعتماد على المُكالمات الهاتفية وحدها.

تأثيرات اجتماعية سلبية

يمكن ان تؤثّر مواقع التواصل الاجتماعي بشكل سلبي في عدة مجالات في حياة الإنسان:

- يمكن أن يتأثر الأطفال بشكل كبير بمواقع التواصل الاجتماعي، وذلك لأنّ بعض الناس يشاركون الصور التي قد تحتوي على العنف أو مشاهد غير مناسبة، ممّا يلحق الضرر بسلوك الأطفال والمراهقين.

- يمكن أن يشارك أشخاص بعض المعلومات التي قد تُشكل تهديدات لهم، فحتى مع إعدادات الأمان قد تتسرب بعض المعلومات الشخصية على المواقع الاجتماعية، وقضايا الابتزاز الالكتروني التي شاعت مؤخراً خير دليل على ذلك.

- يساهم كثرة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في تقليل فرص التواصل المباشر والفعلي مع الأشخاص وجهاً لوجه، وذلك لأنّ البعض ينشغل بشكل كبير أثناء استعماله لهذه الشبكات، ممّا قد يزعج من حوله، ويقلّل من رغبتهم في الحديث معه. ربما تكون قد مررت بموقف كنت تتحدث فيه إلى أحد أصدقائك بينما أخرج هو هاتفه ليتصفح بعض الصور على موقع انستغرام، او يكتب رسالة لآخرين لتعرف جيدا مدى تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على العلاقات بين الناس!!

إن مجرد وجود الهاتف يمكن أن يؤثر على علاقاتنا بالآخرين، وخاصة عندما نكون نتحدث معهم في أمور ذات أهمية، وذلك وفقا لدراسة صغيرة نشرت مؤخرا.

- الانشغال عن أداء بعض الواجبات، سواء الأسريّة أم في جوانب أداء العمل الوظيفي المختلفة.

- مكان مناسب للتخطيط لنشر الجريمة والتطرف أحياناً، حيث تمثل هذه الوسائل أرضا خصبة يجتمع عبرها المتطرّفون ويعززون خبراتهم وتجاربهم الإجراميَّة.

- فيها فرصة كبيرة لنشر الإشاعات وترويجها، وفي مختلف جوانب الحياة.

- يستخدم الناس مواقع التواصل الاجتماعي للتنفيس عما بداخلهم، سواء حول موضوعات سياسية أو غيرها، لكن الجانب السلبي في هذا الأمر هو أن تعليقاتنا تشبه في الغالب موجة لا تنتهي من التوتر والضغوط.

ففي عام 2015، سعى باحثون بمركز "بيو" للدراسات، ومقره واشنطن دي سي بالولايات المتحدة، إلى معرفة ما إذا كانت مواقع التواصل الاجتماعي تزيد من حدة التوتر لدى المستخدمين، أكثر مما تخففها. وفي استطلاع أجراه المركز، وضم 1,800 شخص، عبرت النساء عن أنهن يشعرن بتوتر وضغوط أكثر من الرجال، عند استخدام مواقع التواصل الاجتماعي. وتوصل الباحثون أيضا إلى أن موقع تويتر يعد مساهما قويا في هذا الشعور، لأنه يزيد من وعي المستخدمين بالتوتر الذي يتعرض له أشخاص آخرون غيرهم.

وبناء على كل ما سبق لابدَّ من تَوَفُّرِ أمور حتى تحقق هذه الوسائل دورها المناسب وبشكل إيجابي، منها:

الرقابة الذاتيَّة والوعي الصحيح بكيفيّة التعامل معها.

الرقابة الأبوية والأسرية، بمتابعة ما يشاهد الأبناء، وما يسترعي اهتمامهم مع التوجيه المناسب.

من الواضح أنه في العديد من المجالات، ليس هناك ما يكفي من معلومات للوصول إلى نتائج نهائية وحاسمة في هذا الشأن، لكن الأدلة تشير إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي تؤثر على الناس بأشكال مختلفة، وفقا لظروفهم المسبقة، وسمات الشخصية لديهم. وكما هو الحال مع بقية مغريات العصر الحديث، فإن الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي غير مفضل، ولا يُنصح به. لكن في الوقت نفسه سيكون من الخطأ القول إن وسائل التواصل الاجتماعي سيئة بشكل عام، لأنه من الواضح أنها قد تحقق فوائد لا تُحصى في حياتنا.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2019Ⓒ
http://shrsc.com

............................
مصادر: شبكة النبأ المعلوماتية، BBC Future، موقع PEW

انقر لاضافة تعليق