الإصلاح ليس مجرد شعار يرفع وقت الاحتجاج، او مجرد كلمة نتداولها في مجالسنا الخاصة او العامة، بل هي حركة جماعية تهدف الى احداث التغيير الحقيقي في الفرد والمجتمع، من خلال القضاء على بيئة التخلف، وتفعيل مقومات الاصلاح محلها، لتشمل كل مفاصل الحياة المادية والمعنوية، ولا تتوقف بتحقيق أهدافها الانية، بل تستمر وتتطور مع بقاء حياة الانسان في هذه الدنيا.

وينظر المصلحون، ومنهم الامام محمد الشيرازي (رحمه الله) الى الإصلاح باعتباره "اسلوب حياة" وليس مجرد حركة عابرة يقوم بها الفرد او المجتمع من اجل احداث تغيير زماني او مكاني، فالإصلاح لا يحده المكان او يقيده الزمن، لان التجديد والتطوير والتحضر والرقي هو جزء من اهداف الإصلاح التي يسعى الى تحقيقها وصولا الى السعادة المطلقة لكل البشرية في مجتمعات خالية من العنف والاستبداد وتقييد الحريات والاستعباد وغيرها من قيم التخلف.

وبمناسبة الحديث عن التخلف، يرى الامام الشيرازي ان "التخلف" هو البيئة المناسبة لتقويض أي عملية إصلاحية يمكن ان يقوم بها الفرد او المجتمع، وبالتالي لا بد من القضاء على هذه البيئة من خلال معرفة اهم الأسباب التي تؤدي الى التخلف الفردي او المجتمعي، ومن اهم أسباب التخلف بحسب ما يراه السيد الشيرازي:

1. الجهل:

يقول الشيرازي: "من مقومات الإصلاح رفع الجهل ونشر الثقافة والوعي"، لان الجهل بمختلف مستوياته (الاجتماعي، الديني، السياسي، الثقافي، الأخلاقي، الحقوقي، القيمي...الخ) يؤدي الى كوارث لا حصر لها، وأخطر ما فيها هو تولي القيادات الفاشلة للمجتمع وسيطرتها على زمام الأمور، في مقابل تراجع الكفاءات واهل الاختصاص والخبرة، وربما تعرضهم الى التهديد والاعتقال والاجبار على الهجرة.

الجهل وممارسة سياسة "تجهيل المجتمع" هو أخطر الممارسات التي يمكن ان تقوم بها الأنظمة الفاسدة والمستبدة من اجل السيطرة والبقاء أطول فترة ممكنة في الحكم، حيث تمارس عملية تهديم ممنهجة بمعول الجهل لكل قيم التقدم ومقومات الإصلاح داخل الفرد والمجتمع حتى يتحول المجتمع الى طبقة واحدة خالية في جوهرها من القيم والحقوق والثقافة والأخلاق والدين، مع وجود الشكل الظاهري لها فقط.

2. عدم الوعي:

انعدام الوعي او الرشد الفكري هو الآخر أحد أسباب انعدام بيئة الإصلاح ونجاحه في المجتمع، فالعلم والوعي مدركان فكريان يسرعان عملية الإصلاح في أي مجتمع، مهما كانت درجة تخلفه وجهله، بينما التخلف وانعدام الوعي ركنان اساسيان في تهديم المجتمع مهما كانت درجة تقدمه وتطوره، وقد شهدت العصور الكثير من الانهيارات المادية والمعنوية لدول وامبراطوريات وشعوب تسلل اليها الانهيار والتراجع عبر الجهل وغياب الوعي فأصبحت فريسة سهلة للتخلف والسقوط في هاوية الفتن والتمزق.

وكما ان للتخلف أسباب فان للإصلاح مقومات ينبغي تحقيقها حتى ينجح المصلحون في مبتغاهم، بحسب ما يراه الامام الشيرازي، وقد ذكر الامام الراحل جملة من المقومات الإصلاحية من اجل النهوض بواقع الفرد والمجتمع، يمكن الاعتبار بها والاستفادة منها لكل البشرية بمختلف انتماءاتهم الدينية والفكرية والقومية، نذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر:

1. التنظيم:

التنظيم من الأمور المهمة التي تسهل عملية الإصلاح الداخلية للمجتمع فضلاً عن الافراد، فالفوضى لا يمكن ان تنتج مجتمع او افراد منظمين في عملهم وحياتهم، يقول الشيرازي (رحمه الله): "إن النظم والتنظيم سنة من أهم سنن الحياة، وقد قام الكون على هذه السنة، فإن النظم من المسائل الضرورية والحياتية لكي يقوم الإنسان بالإصلاح وينعم الناس بالهدوء والسعادة في الدنيا والآخرة".

3. القضاء على بيئة التخلف:

كما ذكرنا سابقاً فان "من مقومات الإصلاح، القضاء على بيئة التخلف"، وبالتالي "فكما أن لكل مخلوق من المخلوقات بيئته الخاصة به سواء كان إنساناً أم حيواناً أم نباتاً، من ماء وهواء وشمس وأرض، وما أشبه ذلك، فللتخلف أيضاً بيئة خاصة به، فبيئة التخلف هي الجهل والنزاع، والكسل والضجر، وشيوع الزنا والانحرافات الجنسية، والمرض والكآبة، وعدم الأمن والبطالة، واشتغال كل بلذائذه ومصالحه بأقصى ما يمكنه وعدم الاعتناء بحقوق الآخرين، عدم تحمل المسؤولية وخدمة الآخرين، والعمل لكسب المنافع من أي طريق كان ومطاردة ما يتصوره من المضار كذلك، كلها من أسباب تكوّن بيئة التخلف.

وبالتأكيد هذه البيئة هي بيئة طاردة للإصلاح والتقدم لذلك كان لزاماً القضاء عليها وتدميرها من اجل نجاح عملية الإصلاح.

4. مواكبة العصر:

ان التطور الكبير الذي شهدته مختلف المجالات العلمية والإنسانية في الوقت الراهن ينبغي مجاراتها من اجل الوصول الى تحقيق الإصلاح ومحاربة التخلف، لان مواكبة العصر هو جزء حيوي (عملي) من أجزاء ومفاصل الإصلاح، فالرجوع الى الوراء او البقاء ساكناً لا يحقق الهدف المنشود، وهو التقدم الى الامام، بشرط عدم اهدار او التخلي او التراجع عن القيم والأخلاق والثوابت الحضارية التي تعزز قيمة الانسان في بناء ذاته وتكامله نحو السعادة، فالجانب المادي لا ينجح في تحقيق السعادة الإنسانية من دون وجود الجانب المعنوي، والعكس صحيح ايضاً.

5. اصلاح الفرد وإصلاح المجتمع:

يقول الامام الشيرازي: "من أهم ما يلزم في إصلاح المجتمع، هو إصلاح الفرد، لأن المجتمع يتشكل من فرد وفرد وفرد، وكل من الفرد والمجتمع يؤثر في الآخر سلباً وإيجاباً، ومثل المجتمع مثل الفرد، في الصلاح والفساد، والصحة والسقم، والتقدم والتأخر، ثم إن الفرد قد يقدّم مصلحة المجتمع على مصالحه الشخصية، وقد يجعل مصالحه الشخصية كمصالح المجتمع وبنفس المستوى، وقد يجعل مصالحه الشخصية فوق مصالح المجتمع".

6. التعاون على البر والتقوى:

"إن المجتمعات المتقدمة المتحضرة تبنى على التعاون وعلى البر والتقوى بين أفراد المجتمع، علماً بأن الأمرين، التقدم والتحضر، متلازمان عادة، فإذا رأينا مجتمعاً متقدماً في مجال الصناعة والتكنولوجيا من دون المعنويات، فلا يعد من المجتمعات المتحضرة وإن وسم بذلك، حيث إن لكل من الروح والجسد مكانة في المجتمع المتحضر فإذا روعي حق كل واحد منهما بالمقدار المطلوب كان المجتمع متحضراً".

7. محاربة الفساد:

لا يمكن تصور وجود اصلاح حقيقي من دون محاربة "الفساد" والقضاء عليه، فالفساد افة خطيرة تعصف باي عملية اصلاح او تغيير حقيقية يمكن السعي لتحقيقها في أي مجتمع، لذلك يرى الامام الشيرازي ان: "من مقومات الإصلاح هو محاربة الفساد بكافة أشكاله، والحد من انتشاره، لأن نشر الفساد بين الأمة يعتبر من أهم موانع الإصلاح".

كما ان محاربة الفساد والقضاء عليه لا تقتصر على فرد دون اخر، وهي ليست جهدا حكوميا خالصا، او جماعة او مجتمع بعينه دون غيره، بل هي مسؤولية جماعية مثلما هي مسؤولية فردية، فهي تقع على عاتق الجميع دون استثناء، فالأمة او الجماعة او الفرد، لا يمكن لهم تحقيق اصلاح حقيقي وملموس من دون محاربة ومكافحة افة الفساد التي تصدر من أي جهة كانت.

الخلاصة:

1. لا يمكن ان يكتب للإصلاح النجاح من دون القضاء على بيئة التخلف التي تكون حاضنة لطفيليات محاربة الإصلاح.

2. لتحقيق عملية اصلاح ناجحة ومستدامة في نفوس الافراد والمجتمعات ينبغي توفير مقومات نجاح الإصلاح الأساسية.

3. الإصلاح لا يقتصر على فرد او جماعة او مؤسسة او مجتمع، بل هو عملية تشمل الجميع ونجاحه يعتمد على مشاركة الجميع.

4. الإصلاح يقوم على مبادئ إنسانية تقوم على التعاون والأخلاق والوعي ونبذ العنف والفساد والتخلف والظلم والاستبداد، وبالتالي فان الإصلاح قيمة إنسانية عليا تشترك في تعزيزها وتحقيقها الإنسانية جمعاء.

5. دور المصلح في عملية الإصلاح هو دور جوهري يقوم على التنظيم وبث روح الإصلاح في الفرد والمجتمع وتحقيق مقومات الإصلاح الغائبة ومكافحة بيئة التخلف الطاردة لعملية التغيير والإصلاح، لذلك تلاحظ عبر التاريخ وجود الحركات الإصلاحية حيثما وجد المصلحين.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2022
http://shrsc.com

اضف تعليق