إسلاميات - الإمام الشيرازي

هل تنتهي الانتخابات بظهور نتائجها؟

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

(يجب أن تكون الأكثرية هي الحاكمة ويجب إعطاء الأقليات حقوقها)

الإمام الشيرازي

لا يمكن التنكّر لأهمية الانتخابات في تطوير حياة البشر، ليس السياسية وحدها، وإن كانت الأهم من بين جميع أنواع الانتخابات، ولكن في كل الأحوال يجب أن تصبح منهج حياة عملي وسلوكي لدى الجميع، فسلطة الدولة يجب أن تأخذ شرعيتها من أصوات الشعب، ويحبَّذ أن تُجرى الانتخابات في في المنظمات والاتحادات وحتى في المدارس والمرافق الأخرى.

الغرض من ذلك أن يتعلم الناس جميعا على الانتخاب ويجعلونه أسلوبهم في الإدارة والعمل بمختلف المجالات، فإذا شبّ الإنسان في مجتمع يعطي للانتخابات قيمتها الحقيقية، آنذاك نكون أمام أمة متماسكة قوية، حامية للحقوق والحريات، وسائرة في طريق التقدم منافسة بذلك أرقى الأمم وأقواها.

من هنا تأتي أهمية الانتخابات، وتركيز العلماء والمهتمون عليها، فلا يجوز إهمال حق الاقتراع، أو جعله شكليا، أو تنظيمه بطريقة إسقاط الفرض، إنما تأخذ عملية الاقتراع الفعلي النزيه دورها الحاسم في تقدم الأمم، لهذا يجب أن تُجرى في توقيت دوريّ مستمر، كأن تُجرى كل ثلاث أو أربع سنوات، ويتنافس فيها المتنافسون، لإقامة سلطة صالحة تأخذ شرعيتها نم الشعب وليس عبر القوة والانقلابات.

الإمام الراحل آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) يقول في كتابه القيّم (الشورى في الإسلام):

(من الضروري أن تجري انتخابات عامة بين فترة وأخرى كل أربع أو خمس سنوات لانتخاب حاكم جديد. إذ الحكم في الإسلام ليس وراثيا دكتاتوريا كما أن الحاكم الذي يأتي إلى الحكم عبر انقلاب عسكري مرفوض من قبل الإسلام حتى لو كان الحاكم)

ومن الأهمية بمكان أن يعرف الجميع ناخبون ومرشّحون، أن الانتخابات النيابية أو الرئاسية أو أية انتخابات كانت، لا ينتهي دورها بانتهاء عملية الاقتراع، كلا هذه ليس نهاية الانتخاب، إنما بداية مرحلة جديدة فيه، يمكن أن نسميها مرحلة اختبار المرشَّحين الفائزين، فالمرشَّح الذي فاز بمقعد في مجلس النواب، أو صار وزيرا أو رئيسا للوزراء، لا تنتهي مسؤوليته عند نهاية الاقتراع.

ما هو الاختبار الحقيقي للفائزين؟

إنما تبدأ مع بداية مسؤولياته وفقا للمركز أو المنصب الذي يشغله، سواء كانت تشريعيا أو تنفيذيا، فالمرشح يبقى طيلة سنوات الدورة الانتخابية ممثلا لمن انتخبه، وساعيا لتلبية حاجياته المختلفة، وأي خلل في هذا الدور والتمثيل، يحق للناخب الذي منح للمرشح صوته، أن يجرّد الأخير من تمثيله.

لذلك يجب أن يعي الفائزون في الانتخابات أن فوزهم ما هو إلا بداية لمرحلة الاختبار الحقيقي لكفاءتهم ومؤهلاتهم وصدق توجهاتهم ووعودهم التي قطعوها للناخبين قبل الانتخابات، لهذا فإن أي تلكّؤ بهذا الدور وهذه المسؤولية من المرشّح الفائز، والتخلي عمّن انتخبوه واستغلهم لمجرد بلوغ السلطة أو المنصب، فإن شرعيته تكون ساقطة، وأن سحب الشرعية يمكن أن يتم عبر سبل سلمية عديدة.

وفي هذا يقول الإمام الشيرازي:

(إن الانتخابات لا تنتهي باليوم الذي يذهب فيه المقترع ويضع صوته في صندوق الاقتراع، بل تستمر إلى ما بعد الانتخابات؛ لأن المرشح الفائز في الانتخابات يعتبر ممثلا ووكيلا للشخص الذي انتخبه، لذا لابد له أن يتواصل معه حتى تصبح شرعيته مستمرة، لذلك فإن الذين يستغلون الناس للوصول إلى السلطة يفقدون شرعيتهم عندما يتخلون عن تمثيلهم للمواطن الذي انتخبهم).

ولابد من التذكير بأن المرشحين الذين يفوزون في الانتخابات بأصوات ناخبيهم ويحصلون على مناصبهم العالية، ثم لا يعطون الاهتمام الكافي لناخبيهم، هذا النوع من النواب الفائزين، لا يمكن أن يتصدوا للقضايا المصيرية التي ترتفع بالأمة إلى مصاف الأمم الأخرى، بل من الواضح أنهم منذ البداية يعلنون انحيازهم لمصالحهم، ولا يعنيهم من انتخبهم بشيء، بل لا تعنيهم القضايا المصيرية بتاتًا.

هنا سوف يغامر مثل هؤلاء النواب الفائزين بحاضرهم ومستقبلهم، وبنبذ الشعب لهم، وفضح موقفهم الانتهازي، بالإضافة إلى أنهم يعرّضون أنفسهم لاحتجاجات شعبية من الممكن جدا تطيح بهم، وتطردهم خارج السلطة، وهذا حق من حقوق الناخبين الذين يتنكر لهم من صعد على أكتافهم ثم تنكّر لهم.

خطوات متقنة لتسيير العمل التنفيذي

يقول الإمام الشيرازي: (إن الذين يلغون دور الناس بعد انتخابهم لا يعبأون بآراء المنتخبين، في كثير من القضايا المصيرية).

أما إذا بقي المرشح الفائز وفيا لناخبيه، وأمينا على ما قطعه للناس، فإن هناك مهام عديدة يجب عليه الالتزام بها كما يرى الإمام الشيرازي، وأولها هو عدم قطع حبل التواصل مع الناس، بل على العكس يجب أن يضع الفائز اجتمعا دوريا منتظما، (كل شهر أو كل منصف شهر)، كي يلتقي بمنتخبيه ويناقش معهم كل ما يشغلهم من أمور، سواء تخصهم أو تخص البلد بشكل عام.

النائب الناجح هو من يبقى على تواصل مستمر مع الناس، ويجس بشكل دائم نبض الشارع، ويناقش مع الجميع كل القضايا ذات الأهمية المشتركة، فليس صحيحا أن تغلق بابك بوجه ناخبيك كما يفعل بعض النواب حين يضمن فوزه، وهناك منهم من يغيّر أرقام اتصاله (موبايلاته)، أو يغلق جهازه كي لا يتواصل مع الناس ولا يشغل نفسه بقضاياهم التي يشعر أنها لا تجلب له فائدة مادية سريعة.

لهذا يقول الإمام الشيرازي بوضوح:

(يجب أن يجتمع المنتخَب بالناس كل شهر مرة - مثلاً-: ليدلوا بآرائهم في القضايا المهمة، فيكون المجلس مقيداً بأخذ أكثرية هذه الآراء لا كيفما شاء المجلس بنفسه).

وقد وضع الإمام الشيرازي آلية عملية سهلة التنفيذ وواضحة، للسلطة التنفيذية التي ستتمخض عن الانتخابات، وحدد لها خطوات هذه الآلية، كي يسهّل عليهم العمل التنفيذي، ويتقدم هذه الخطوات دقة منهج العمل الحكومي وصحته، وعدم إيغاله في التعقيدات غير المبرّرة.

تليها خطوة أخرى عملية وخبروية تتعلق بطبيعة الطاقم الحكومي (الوزراء)، ويجب أن يكونوا فعالين ويمتلكوا الكفاءة الجيدة والتخصص، فضلا عن الصدق والأمانة والخبرة العالية، فالإدارة يجب أن تكون صحيحة مؤثرة وفعالة لبلوغ أفضل النتائج العملية، وأخيرا حتى تكون الشرعية في محلها، فإن الحكم يجب أن يكون من حصة الأغلبية الشعبية، على أن لا تُهدَر حقوق الأقليات بأي شكل من الأشكال، وفي هذه الحالة يكون التقدم والاستقرار والجودة مخرجات متوقّعة ممن بلغ الفوز ونال قبول الناخبين في الاقتراع.

لهذا حدد الإمام الشيرازي ثلاث نقاط يجب أن تهتم بها الحكومة العراقية في المستقبل لتكون حكومة صالحة ومقبولة، وهي: (المنهج الصحيح الذي تحكم وفقه. والكادر والإدارة الفعالة. ويجب أن تكون الأكثرية هي الحاكمة كما يجب إعطاء الأقليات حقوقها).

أما في حال حدوث العكس، أي في حال فشلت الحكومة ومؤسسات الدولة الأخرى في القيام بواجباتها المعروفة حيال الشعب، وخالفوا القانون والدستور، فإنه هذه الحكومة ومؤسساتها سوف تكون عرض لسحب الغطاء الشرعي عنها، وقد يصل الأمر لدرجة إسقاطها لأنها أخلّت بما تعهدت به للمواطنين والناخبين.

الإمام الشيرازي يحذر من ذلك ويقول: (إذا أصر الحاكم أو الحكام المنتخبون على مخالفة القانون وعدم تلبية حاجات المواطنين فان من حق الشعب إسقاط الحاكم أو الحكومة).

لقد انتخب العراقيون مجلسا تشريعيا جديدا، وهذا يعني أنهم قاموا بدورهم، والآن جاء الدور لمن وصل إلى قبة البرلمان، هؤلاء عليهم أن يستفيدوا من الدروس والتجارب السابقة، ولابد أنهم يصححوا ما وقع في الآخرون ممن سبقهم إلى السلطة، وسيكون أمر التصحيح أسهل على من تكرر صعوده إلى البرلمان، إذا أخلصوا النية وبدأوا مع تسيير السلطة ولكن بإخلاص وإنصاف ونيّات صادقة.

اضف تعليق