الحلقة الحالية من سلسلة المظاهرات التي انبثقت في العراق بدءاً من 2011، أظهرت حاجة ماسّةً لاتخاذ مبدأ اللاعنف سبيلا في حياة الإنسان فرداً كان أو مجتمعاً أو دولةً، فما بين مطالب المتظاهرين وبين ردود أفعال وإجراءات الطبقة الحاكمة فجوة كبيرة من الصعوبة ردمها بأسلوب التعامل المتسرّع المرتبك، وهذا ما حدث تماما في معالجة هذه الأزمة التي تستوجب استحداث آليات لصنع نظام سياسي يلتزم بمبدأ اللاعنف ويجنح للسلم وفق دستور يؤكد الحقوق ويحمي الحريات ويحدد الواجبات الملزمة للجميع حكومة ومحكومين.

يجب توجيه وتدريب القوى الأمنية للدولة على التزام السلوك الإنساني ودعم سلمية المتظاهرين وحمايتهم، عبر أسلوب اللاعنف والحوار المتبادَل، فالجنوح إلى السلم والتهدئة ومعالجة المشكلات المعقدة عبر الحوار والنقاش بصبر وعدالة، هو الطريق الذي يؤمّن للجميع مصالحهم بلا غالب ولا مغلوب، وإن بدت الجماهير غاضبة وساخطة على الحكومة، إلا أنّ اللجوء إلى مبدأ اللاعنف يمكن أن يمتص كثيرا من اهتياج وغضب المتظاهرين، فضلا عن وصف العنف بأنه حالة غير سليمة وغالبا ما تنبع من نفوس مصابة بأمراض شتى.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول حول هذه النقطة: (الجنوح إلى النزاع والاختلاف نوع من أمراض النفس، وانحراف في الذات).

من ردود الأفعال المتوقّع حدوثها، أن من يرتكب أعمال العنف ويجعلها وسيلة لتحقيق ما يصبو له من أهداف سوف يجد أن نتائج حالات العنف التي يصنعها بنفسه، ستعود وبالا عليه، لتصيبه في الصميم، حتى قبل أن يضر غيره في أعمال العنف التي تصدر منه بسبب أمراضه النفسية التي تدفع به الى العنف والشدة واتخاذ القمع سبيلا الى تحقيق ما يصبو إليه بدلا من أن يتخذ العنف والتعاون والعدل طريقا الى غاياته التي ينبغي أن تكون مشروعة، وبهذا يكون الحاكم المؤمن بمنهج اللاعنف في مأمن من النتائج الدامية، مكن خلال إيمانه وتطبيقه الفعلي لمبدأ اللاعنف في تعامله مع جميع التعقيدات والخلافات بما في ذلك المظاهرات القوية.

التركيز على أهمية الحد من العنف أو القضاء عليه هدف العقلاء، كونه مطلب فطري، تقرّهُ الضوابط الإنسانية التي أوجبت ردع العنف بكل أشكاله والجنوح إلى السلم مع العمل المستدام على احتواء الأزمات التي تثير الأعمال العنيفة، وقد لمس المسلمون منذ أوائل الرسالة النبوية الفوائد العظمى لكبح العنف، فاتخذوا منه طريقا ومنهج حياة وعلى من يبحث عن الاستقرار والتقدم والعيش بحرية أن يتخذ من مبدأ اللاعنف طريقا له.

يقول الإمام الشيرازي: (مبدأ اللاعنف هو شعار الإسلام قبل أن يتخذه غاندي شعاراً كما أن من شعار الإسلام السلام، قبل أن يتبناه بعض دول العالم صدقاً أو كذباً).

لماذا تلجأ الأنظمة السياسية للقمع؟

مما يثير حفيظة المهتمين والباحثين عبر التاريخ، ذلك الإصرار على القمع واستخدام القوة في معالجة الآراء والأصوات المعارضة للسلطة، فلم يذكر التاريخ حتى لمرة واحدة بأن القوة الغاشمة والأنظمة القمعية تمكنت من إسكات صوت الشعب بأساليب القوة والقمع، ومع ذلك لا تزال بعض الأنظمة السياسية بعيدة عن مبدأ اللاعنف، من خلال أساليب المطاردة والتضييق، ومنها ما يبلغ العنف فيه مستويات عالية كالتصفية والقتل والخطف وأنواع التعذيب وملء السجون بالناس، وهو أسلوب ينمّ عن صفتين:

الأولى: ضعف الحجة والإدراك.

الثانية: الجهل وغياب الرؤية الصحيحة للتعامل مع الرأي المعارض.

الإمام الشيرازي يؤكد على أنّ: (الإنسان فيه حالة العنف، لكن يمكن إزالته بالتلقين والإيحاء والتمرين، وعند ذاك تكون ملكة له وطبعاً من طباعه يأتي بكل يسر وعفويّة، كما هو كذلك في سائر الحالات والملكات الرديئة).

هناك بعض الحكومات وحكّامها، لا تفارقهم حالة التكبّر، وهؤلاء حين يشعرون بقوة سلطتهم ونفوذهم وعروشهم يوغلون بالتعالي والأنفة الفارغة، بالطبع لا يمكن تعميم هذه الحالة، ولكن في الغالب يكون مصدر العنف متكبرا على الآخرين، تحت دافع نفسه المريضة بالقوة والعنف، هل ينطبق هذا على بعض الدول، خصوصا التي يُطلَق عليها بالدول الكبرى، هذه ليست قاعدة، ولكن هناك من تقترن قوته باللين والهدوء والاتزان، وهذا النوع من الأنظمة السياسية التي تبتعد عن أساليب العنف ستكون قريبة من الشعب الذي سيخلص لها ويؤيدها ويدعمها طالما كانت عادلة وملتزمة بإنصاف الجميع.

كيف نمنع الجنوح نحو النزاعات؟

يشعر بعض المسؤولين من المصابين بأمراض نفسية مركّبة، بأنهم أفضل من الآخرين في أمور كثيرة، فيدفعهم هذا الشعور المشخَّص مرضيا إلى التكبر على الناس في الفعل والقول، وغالبا ما يلجأون للعنف والقوة باعتبارها أسهل الطرق للقمع والتكميم، لكن الخطأ والخطر يكمن في النتائج المستقبلية لأسلوب العنف، لهذا لا يمكن أن تبقى الأنظمة الاستبدادية بمنأى عن نتائج أفعالها القمعية، ومن المشاكل الكبرى عندما يتسلق (المتكبّر) المغلق عقلياً وفكرياً سلّم السلطة والمواقع العليا، هنا ستبدأ المشكلة عندما يكون مثل هؤلاء الأشخاص في السلطة، وتكون مصائر الناس بأيديهم، إنها تبدأ مشكلة بغياب العدالة الاجتماعية، وانتشار الفساد والمحسوبية والقمع، لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فحتى الأشخاص من ذوي الوظائف الصغيرة، وبعضهم بلا وظائف ولا سلطات ولا صلاحيات يتخذون من العنف سلوكا لهم، فيحترفون العنف في حياتهم اليومية المعتادة، فتكون ألفاظهم نابية مؤذية خادشة، ولهذا قد يكون الطاقم الحكومي كله عنيفا متعاليا على الناس، وهو ما يزيد من تعقيد الحياة، وقد يعجّل من سقوط الحكومات العنيفة.

الإمام الشيرازي يقول: (حين يرى المسؤول نفسه كبيراً، ويترفّع على الآخرين عملاً، فإن هذا يتسبب بانفضاض الناس من حوله. ويقترن التكبر بكثير من الرذائل كالعجب والاستبداد وإهانة الناس بالقول والعمل).

مبدأ اللاعنف هو العلاج الناجع للخلاص من حالات الاحتقان الشعبي التي قد تقود إلى موجة احتجاجات عارمة، كما يحدث اليوم في العراق، فمنهج اللاعنف يزيد من ثقة الناس بالمسؤول، ويجعله قريبا من الناس، ومع ذلك قد يرتبط العنف بأفكار وأقوال بعض المسؤولين في الحكومة أو النظام السياسي، وهو ما يؤدي بالنتيجة إلى تزايد النقمة الشعبية، على العكس فيما لو استخدمت الحكومة الحلول الصحيحة والحوار الهادئ بعيدا عن العنف، فالحاكم العنيف لا يحبذ التهدئة ولا ينشر الاحترام، إنه عنيف بالفكر واللفظ وباستخدام القوة المادية، وأينما حل مثل هذا الحاكم تجد العنف قائما وحاضرا بحضوره، لذلك من الأفضل أن تكون هناك إجراءات قانونية دستورية تقيّد من صلاحيات وقرارات الحاكم الذي يجعل من العنف سياسة قمعية دائمة له.

الإمام الشيرازي يقول: إنّ (الجنوح إلى النزاع، لأن بعض – المسؤولين- يميلون إلى المشاكل والاختلاف مع الآخرين في الصغائر والكبائر، وفي كل أبعاد الحياة).

خلاصة الأمر، صناعة النظام السياسي اللاعنيف، ممكنة وفق شروط وإجراءات تحدد وترسم خارطة طريق واضحة لمنهج وحركة وتطبيقات هذا النوع من الأنظمة، ويجب أن لا تُترك الصلاحيات حكراً على قائد أو حاكم يرى الحلول في الأساليب والقرارات القمعية التي لا ينتج عنها سوى المزيد من العنف والدمار، لذا فإن مبدأ اللاعنف (إيماناً وتطبيقاً) سوف نعثر عليه في نظرية اللاعنف للإمام الشيرازي، وسوف يكون الحلّ الضامن للسلم والاستقرار والقبول الشعبي للحاكم وحكومته على حدٍ سواء، بالإضافة إلى كونه السبيل الأسلم لخلق عالم بشريّ متجانس.

انقر لاضافة تعليق