في موجات الاحتجاج على الفساد التي يشهدها العراق اليوم، ظهرت أساليب وانعكاسات اتسمت بالعنف المادي، وهي معروفة، تتعمد إلحاق الأذى الجسدي سواءً بالمتظاهرين أو بالقوات الأمنية، ولكن لم يقتصر العنف على هذا النوع بل برزت أنواع أخرى مؤلمة، ومنها العنف اللفظي، الذي قد يتجاوز العنف المادي بأذاه أحيانا، فما هو العنف اللفظي؟

يتوزّع العنف على شقين أو نوعين:

الأول: هو العنف المادي الذي سبق أن نوَّهنا عنه في المقدمة.

الثاني: العنف اللفظي الذي يُنتَج عن طريق التفوّه بكلمات جارحة، تشتمل على معانٍ تعنّف الطرف الآخر وتحطّ من شأنه وكرامته، فضلا عن إلصاق التهم والقذف والتشهير، والتطرف في اللفظ والطرح، وما شابه من أساليب، تنطوي على العنف بوضوح. أما الشق الثاني من العنف فهو مادي، يستخدمه الناس ضد بعضهم، باستخدام شتى وسائل القوة، لإحداث الأذى الجسدي والنفسي في الآخر، ويحدث هذا النوع من العنف بين الأفراد، والجماعات وحتى الدول، عبر المشادّات الفردية أو الجماعية على شكل معارك وحروب وتصريحات كلامية قد تتحول إلى حالة حرب.

في حالات التظاهر أو الاحتجاج تظهر أيضا مؤشرات عن العنف اللفظي، حين يبيح الفرد أو المجموعة لنفسها، التلفّظ بملفوظات ليست مقبولة أخلاقيا أو عرفيا، كالسب وإطلاق المفردات البذيئة وغير ذلك من الإساءات اللفظية، التي قد تنتهي في آخر المطاف إلى العنف المادي الذي يلحق أضرارا جسدية بالغة بالأطرف المتصارعة، فهل هناك سبل وطرائق لتلافي هذا النوع من العنف الذي لا يقدم أية فائدة تُذكَر لجميع الأطراف.

النقيض الذي يقف بالضد من العنف هو الرفق، ويمكن أن يكون لفظيا أو عمليا، ويجازي الله تعالى كل من يتخذ من الرفق طريقا وأسلوبا للتعامل مع جميع الكائنات، الإنسان وغيره، إذ يقول الإمام الباقر عليه السلام:

(إن الله رفيق ويحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف).

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي، (رحمه الله)، يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (اللاعنف منهج وسلوك)، عن العنف:

(العنف في اللغة: أي الخرْق بالأمر وقلة الرفق به، وهو ضد الرفق. وهو الشدة والمشقّة، وكل ما في الرفق من الخير ففي العنف من الشر مثله).

بمعنى أن نقيض العنف هو الرفق، وأن كلا النقيضين، العنف والرفق ينطويان على طاقة الخير من جهة وطاقة الشر من جهة أخرى، وهاتان الإرادتان أو الطاقتان هما في صراع دائم، في النفس البشرية وعلى ارض الواقع أيضا.

الابتعاد عن العنف اللفظي

من الأمور الواجب اتخاذها الابتعاد عن العنف اللفظي من خلال انتباه الإنسان لكلامه وضبط لسانه، ففي الغالب يبدأ العنف من خلال اللفظ، حتى المشادات البسيطة، او الحروب الكبيرة، لا تحدث من التمهيد لها بالكلام والتصريحات المتبادلة، لذلك يحذر الإمام الشيرازي من خطورة العنف اللفظي، حيث يضاعف من حالة الاحتقان والكراهية الضغينة، ومن ثم الاحتراب، وهذا يتناقض مع المبادئ الإسلامية التي تدعو إلى الجنوح للسلم،

واللجوء إلى الطرق والأساليب غير العنيفة حتى عندما نطالب بحقوقنا في المظاهرات أو غيرها، ودائما يركز العلماء والحكماء والمصلحون على السلمية، مع الإصرار على المطالبة بالحقوق، وغير مقبول أن نلجأ إلى أساليب العنف اللفظي وحتى المادي، إلا في حالات معينة أهمها حالة الدفاع عن النفس، لذلك يعد تجنب العنف اللفظي الخطوة الأهم في تجنب العنف المادي الجسدي، ويتم قبر الشر والعنف وهو في مهده، لذلك تعد قضية نبذ العنف من أهم المبادئ التي صاغ الإمام الشيرازي في ضوئها نظريته المعروفة باللاعنف.

الإمام الشيرازي يؤكد على إن:

(النفس الإنسانية فيها قوى خيرة تجر الإنسان إلى عمل الخير والصلاح، وفيها أيضاً قوى عدوانية شريرة تحاول جر الإنسان إلى الأعمال الشريرة، والعنف من المصاديق الظاهرية لتغلب القوى الشريرة في الإنسان على القوى الخيرة، وهو من المشاكل المهمة التي صادفت الإنسان في سالف الزمان وإلى يومنا هذا؛ فكثير من الحروب المدمرة وجرائم القتل الفردية والجماعية، وانتشار الحقد والعداوة بين الناس، كان بسبب العنف).

العنف نتاج سلوك عدواني موجود أصلا في المبنى التكويني للإنسان، لكن بعد رحلة طويلة من التدريب والكفاح والتثقيف والتعليم الأخلاقي، استطاعت البشرية أن تشذّب السلوك الإنساني وتقلل من النزعة العدوانية لديه، خصوصا في الأزمات الصعبة كالتظاهرات القوية التي يشهدها العراق اليوم.

نقرأ في كتاب الإمام الشيرازي نفسه:

(لقد حاول أغلب المحللين الاجتماعيين وعلماء النفس، وضع القواعد السلوكية والقوانين الاجتماعية لتنظيم أعمال الإنسان، وإيجاد الضوابط المحكمة للسيطرة على عدوانية النفس الإنسانية، أو على الأقل تحجيم آثارها).

تهيئة النفس لاستيعاب مبدأ اللاعنف

في أي عملية احتجاج أو صراع من أي نوع كان، لابد أن يبحث المتصارعون من الطرفين عن أساليب أقل عنفا، أو هي بعيدة عن العنف، واعتماد الحوار الضامن للحقوق، لذا يؤكد الإمام الشيرازي في كتابه (اللاعنف منهج وسلوك)، على أهمية البحث عن بدائل للعنف، خاصة أننا يمكن أن نواجه الشر وانعكاساته في كل لحظة، لأننا نعرف بأن الشر موجود معنا، يأكل ويشرب ويتحرك بيننا، فلا سبيل للقضاء عليه بصورة كلية، كونه موجود في أعماق النفس وتنطوي عليه التركيبة النفسية والتكوينية للإنسان.

إنطلاقا من هذا الاستنتاج الجميع مطالبون بإيجاد البدائل التي تحمي الإنسان من تداعيات العنف اللفظي الذي يقود بالنتيجة إلى أنوع أخطر من العنف، والبدائل يمكن أن يجدها الإنسان في الكتب والأفكار النيرة، ويمكن أن يدرّب نفسه عليها، كما أن التوجّه الجمعي للجماعة أو المجتمع يمكن أن يكون ذا منهج بعيد عن العنف يلتزم به الأعضاء المنتمون للجماعة.

الإمام الشيرازي يقول:

(لقد وضع الإسلام البدائل للعنف، ودل الإنسان على العلاج الشافي لهذا المرض العضال، فأوجد له تعاليم وسنّ له القوانين التي إذا اتبعها بصورة موزونة وسليمة فإنه بلا شك سوف يتغلب على هذه المشكلة وتهدأ نفسه ويرتاح ضميره أي يصبح هادئاً مطمئناً).

قد نواجه مصاعب كبيرة في محاربة النزعة العنيفة في النفس الفردية أو الجماعية، لكننا بحاجة دائمة لها، حتى نتجنب التداعيات الخطيرة للعنف سواء في الاحتجاج والمظاهرات أو غيرها، إنها قضية إرادة أولا، أي لابد من الإصرار على استنهاض إرادة السلم والخير، وهذه الإرادة هي التي تصنع القدرة الرافضة للعنف اللفظي، ومن ثم رفض جميع الأشكال التي تؤدي الى الصراع والتطرف وتؤجج حالة الاحتراب، بين المتصارعين بسبب خلافات في الرأي أو تجاوز على الحقوق، وهذا ما يتطلّب منا أن نهيئ أنفسنا للسلم ونرفض العنف اللفظي أو المادي.

كما يؤكد ذلك الإمام الشيرازي:

(علينا أن نهيئ أنفسنا ونعدها إعداداً يمكننا من مجابهة الصعوبات التي تعترض طريق عملنا؛ لنواصل العمل بكل جد ومثابرة. أما كيف يمكن تجاوز الصعوبات حتى يستمر العمل ويعطي نتائجه؟ فإن أهم ما يتطلبه العمل الصحيح الذي يعطي ثماره ويرضاه الله سبحانه وتعالى، هو أن يكون مصحوباً باللاعنف وممتزجاً بالتقوى والورع والأخلاق).

بهذا الأسلوب الوعي الأخلاقي الذي يحافظ على حقوق الأطراف المتصارعة، يكون مبدأ اللاعنف هو الحل، مع استمرار المطالبات وعرض القضايا المختلفة عبر حوارات تقوم على الثقة والصدق والإخلاص من قبل جميع الأطراف المتنازعة.

انقر لاضافة تعليق