العمل التراكمي هو ما يمنح الأمم قدرات إضافية على التطور، ومن ضمنها الحصول على النموذج أو الدرس الذي يستفيد منه قادة اليوم كي يسوسوا الناس بالإدارة المُصانة من الإخفاق.

عيد الغدير من المناسبات العظيمة في تاريخ المسلمين، وتأخذ هذه المناسبة مكانتها وتفرّدها من شخصية الإمام علي عليه السلام الذي اقترن اسمه بهذا العيد الفريد، وطالما أن الأمم والشعوب تبقى بحاجة إلى النموذج، لاسيما تلك التي لم تزل قابعة في الدرجات الأدنى من السلَّم العالمي من حيث الاستقرار والتطور، لذا نحن بأمسّ الحاجة إلى محاكاة مناسبة مثل مناسبة عيد الغدير المباركة، حيث نستخلص منها ما يساعدنا على اللحاق بالركب العالمي، لاسيما في الميدان السياسي، نظرا للترابط الوثيق بين تقدم الأمم وبين تفرّد ونجاح قادتها السياسيين.

هناك سمات قيادية فريدة تجتمع في شخصية الإمام علي عليه السلام، فهو القائد الذي تميّز بالعدل، والرحمة، وحماية الرأي حتى لأعدائه ومعارضيه، وهو الذي رفع الحق سلاحا لا يدانيه سلاح، بوجه الخصوم من أهل الباطل أو حتى في مجادلة مناصريه، وكل من قرأ السيرة الناصعة لحكومة الإمام علي وسياسته، سوف يتأكدّ بأن العدل والحق هما الركيزتان اللتان استند عليهما في إدارته للسلطة والدولة، وفي تعامله مع شعبه، وهذا درس كفيل بجعل قادتنا اليوم في منأى عن الإخفاق الذي يحاصرهم اليوم، فيما لو اتخذوا من قيادة وإدارة الإمام علي مثالا لهم.

الغدير يعني في أبسط معانيه، عيدا للمسلمين تم فيه تنصيب الإمام علي (ع) خليفة لرسول الله صلة الله عليه وآله، وقائدا للمسلمين، الغدير هو المناسبة العظيمة التي دونها التأريخ الناصع بحروف من ذهب.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (عيد الغدير أعظم الأعياد في الإسلام): (إنّ عيد الغدير هو أعظم أعياد المسلمين؛ وذلك لأنّ في هذا اليوم نصَّب رسول الله -صلى الله عليه وآله- الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام خليفة له، وأميراً للمؤمنين من قبل الله تعالى).

بثّ قيم العدالة في عيد الغدير

وطالما اقترن هذا العيد بشخصية حازت على إعجاب كبار ساسة ومفكري العالم، فلا بد من أن يتخّذ ساستنا اليوم الدروس والتجارب التي تعيدهم إلى الجادة الصحيحة في التعامل مع السلطة، وتمنحهم كيفية الارتقاء بالإنسان وتطوير رؤيته للحياة، وتصنع منه النموذج القادر على مكافأة الأمم والشعوب الأخرى، من خلال التركيز على عقلية الإنسان وطبيعة تفكيره، وزرع قيم العدالة والتحرر في شخصيته فكرا وسلوكا.

لهذا لابد للمسلمين أن يجعلوا من الغدير مناسبة سنوية إسلامية عالمية للنهوض بعملهم السياسي، على أن يفهم السياسيون من قادة المسلمين في العصر الراهن، خصائص الإمام علي عليه السلام، وسماته القيادية العظيمة لكي يغترفوا منها بما يجعلهم أقرب إلى الحق من غيره، وأكثر حرصا على تحقيق العدالة الاجتماعية التي ترتفع بقيمة الإنسان والأمة وتجعلها في مصاف الأمم المتطورة.

القادة السياسيون اليوم قد يعوزهم الإطلاع على التجارب العظيمة، وربما تنقصهم الخبرات، وبعضهم ربما لا يمتلك الحصانة النفسية الإيمانية التي تجعله في منأى عن الزلل، وعليهم أن يفهموا بأن السياسي عندما يتقن مهمته القيادية ويلتزم بالضوابط والتعاليم المطلوبة، فإن التأريخ لن يغبنه قط، وأنه تبعا لأعماله سيدخل التاريخ من أوسع أبوابه.

الإمام الشيرازي يؤكد على: (إنّ المنقّب في التاريخ تنكشف له حقيقة ناصعة لا يمكن إخفاؤها، وهي: أنّ التاريخ يذكر العظماء في صفحة من نور، ويسجّل لهم فيها الإجلال والإكبار كلاً على قدر عظمته).

علْما إن المكانة التي حازها الإمام علي عليه السلام، لا يمكن خدشها او التقليل من شأنها، لسبب بسيط، أن يوم الغدير ليس فعلا بشريا بحتا، بل تدخلت فيه الإرادة الإلهية، وكان للدور النبوي حضوره التنفيذي لاختيار الإمام علي لمهمة قيادة الأمة، ورغم الدسائس والمؤامرات التي حيكت ضد بوادر الحق وأهله، فإن الحق بقي عاليا، ولا شيء يعلو عليه، حين حفظ التأريخ لإمامنا وولينا علي عليه السلام مكانته العظيمة في قلب التاريخ.

يقول الشيرازي:

(لقد بقى الإمام أمير المؤمنين - عليه السلام- ورغم أنوف أعدائه علماً من أعلام الدين وركناً من أركان الهدى والتقى، ليس عند شيعته فقط بل وحتى عند الآخرين، انه -عليه السلام- بقي على ما عرّفه الله ورسوله مفخرة للإسلام والإنسانية على مرّ العصور وكرّ الدهور).

معضلة الاختيار بين الحق والباطل

من ضمن الدروس التي يمكن أن يحصل عليها السياسي الإسلامي المعاصر، من تجربة الإمام علي السياسية، فهمه لذلك الصراع المزمن أو الأزلي بين ثنائية الحق/ الباطل، حيث لا يتوقف عند زمن محدد، فهو صراع لا نهائي، وعلى الناس أن تختار الانتساب إلى هذا المعسكر أو ذاك، وعلى العقول أن تميز بين الصالح والطالح، وبين الدنيوي الزائل والأخروي الخالد، والقادة السياسيون أول الناس الذين عليهم أن يعوا هذه الحقيقة، حتى يكون أداءَهم السياسي الإداري محميات من نزوات النفس وهفوات العقول، وضعف القلوب الذي قد يودي بهم إلى حافة الانحراف.

السياسي المسلم مطالَب باستثمار مناسبة عيد الغدير بما يصحح أخطاءَه ويلزمه بالأداء الصحيح في صناعة القرار وإدارة شؤون الناس، وفي حال تحقّق هذا فإن قيمة المسلمين ستعلو بين أمم العالم أجمع، ولا مجال للتذبذب بين الحق والباطل، بل على القائد السياسي صاحب البصيرة السليمة، أن يميز الحق وينضم إليه بقوة، من خلال اتخاذ القرارات الصائبة وتطبيقها العادل بين الناس.

يقول الإمام الشيرازي: (إنّ صاحب البصيرة النافذة إذا أعطيت له حرية الاختيار بين الحق والباطل، ورفعت عنه جميع العقبات والحواجز، فإنه ـ وبلا شك ـ سوف يختار طريق الحق؛ لأنّ إتباع الحق يؤدي به إلى السعادة في الدنيا، والى الجنة والنعيم الدائم في الآخرة. وطبيعة الإنسان العاقل أن يختار طريق الأمان والسلام، الذي هو طريق الحق).

وكما هو الحال على السياسي، وأهمية سبر أغوار التجربة السياسية والقيادية، لقائد المسلمين الإمام علي عليه السلام، ووجوب فهمه لوقائع الغدير، والتمييز الدقيق بين الحق والباطل، فكذلك من الواجبات المهمة على شيعة أمير المؤمنين عليه السلام، أن يحتفلوا في هذا اليوم، وأن يظهروا بجلاء تام معالم الفرح، إعلاءً للحق وقهرا للباطل وأصحابه، ولابد أن يفهم السياسيون من قادة المسلمين، أن لديهم النموذج الأمثل للحكم الصحيح، وما عليهم سوى الاسترشاد به، متمثلا بحكم الإمام علي عليه السلام، وعلى الجميع إعلان الاحتفال بصورة جلية في هذا اليوم المبارك، يوم ينتصر الحق على الباطل الذي تنكشف وتتعرى كل أساليبه ومغالطاته.

الإمام الشيرازي يقول في هذا الشأن: (كان الأئمة من أهل بيت رسول الله - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- يوصون شيعتهم بالاحتفال بهذا العيد العظيم وإظهاره بأبهى المظاهر، فهم -عليهم السلام- كانوا يجعلونه يوما فريدا ومشهودا بين أهليهم وذويهم).

مما تقدّم من توضيحات، وآراء، يتّضح بأننا ملزمون بالاحتفال بعيد الغدير، تمسكا بالحق، ومعاداةً للباطل، هذا من جانب، كما أن على قادتنا السياسيين أن يدرسوا ويطلعوا على سيرة الإمام علي عليه السلام، كي يتسنى لهم الاحتماء من مغريات السلطة وأداء مهماتهم بما يبقيهم محميين من العقاب الشديد يوم لا ينفع مال ولا بنون.

انقر لاضافة تعليق