الهدفية كبوصلةٍ للنجاح

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

نقيضان لا يلتقيان وإن تجاورا أو تقاربا، فالمسافة الفاصلة بينهما تجعل من المحال تلاقيهما، هذان النقيضان هما: الهدفية والعدمية.

شتان ما بين الاثنين، الأول ينتمي لكل ما هو جيد وخير ونجاح وتخطيط وتفاؤل وتفوق وإنتاج، والثاني يدور في فلك الضياع والخمول واللامبالاة والتشاؤم والفشل، لذا خلق الله الإنسان والكائنات الأخرى والكون كلّه لهدف، وانطلاقا من هذه الحقيقة، فلا يمكن أن يكون وجود الإنسان عدميا أو عبثيا، بل هو هدفيّا بحتا لدرجة إنه لا يقبل أي احتمال آخر، إذا احتكمنا إلى المنطق والفرضيات والبراهين.

فالكون وراءهُ هدف، والإنسان خُلِق لهدف، وعليه أن يكون هدفيّ، أو يتسم بالهدفية التي تبعد عنه العدمية بشكل تام، وبهذه الطريقة يصبح الفرد والجماعة، والعالَم بأسره، منتمٍ إلى الهدفية وليس إلى نقيضها العدمية، ولذلك يجب أن يضع الإنسان أهدافه، ويعرفها ويفهمها، حتى يمكنه تحديد طرق وأساليب الوصول إليها، عبر بوصلة الهدفية التي ستقود الإنسان إلى أهدافه، وفق منطق السعي وقانون (مَنْ جدَّ وجد).

وهذا يلزم الإنسان صاحب الهدف والمتمسك بالهدفية، والمجافي للعدمية أن يكرّس كل خياراته وموارده ومؤهلاته للمضيّ نحو هدفه، ولا تشغله التفاصيل الجانبية التي قد تكون سببا كافيا لإلحاق الفشل به، ومنعه من وصول أهدافه، أو وضع العراقيل في طريقه، فيتلكّأ عن الوصول للهدف بسبب عدم التركيز على البوصلة الهدفية.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه القيّم الذي يحمل عنوان (إلى العالَم):

(إذا كان سعينا إلى الهدف أمراً واجبا، وإن كان الهدف بمثابة نجاة البشر من مصاعب الدنيا ومهالك الآخرة، فينبغي أن تُصبّ كل النشاطات في الطرق التي تصل بنا إلى هذا الهدف، ويجب أن لا يلتفت الإنسان إلى اليمين أو إلى الشمال إطلاقاً، لأن الالتفات يستهلك بعض النشاطات ويبددها في مسارات لا تقودنا إلى الهدف).

التأثيرات السلبية للفلسفة العدمية

ما هي الأسباب التي تمنع الإنسان من أن يكون صاحب هدف في الحياة؟، وماذا سينتج عن هذه الأسباب وكيف يمكن معالجتها والحدّ من تأثيراتها السلبية على الفرد والمجتمع؟، أسباب كثير تمنع الإنسان من أن يكون هدفيّ النظرة والتفكير والسلوك، منها البيئة الاجتماعية التي يترعرع فيها، وطبيعة الثقافة التي ينهل منها، وقد تكون هنالك أسباب ذاتية، مثل الميول إلى الراحة، والجهل بأهمية الهدفية في حياة الإنسان، بالإضافة إلى الظروف الاقتصادية والتعليمية وسواها.

لذلك على الإنسان أن يخطط ويبرمج مساعيه التي يقدمها في طريق الوصول إلى أهدافه، مثل استثمار جميع طاقاته وعدم التفريط بها، واعتماد مبدأ الأهم ثم المهم في خارطة الانجازات، وعدم استهلاك طاقاته في مشاريع غير ذات جدوى، ولا طائل من التمسّك بها.

يؤكد الإمام الشيرازي على: (إن الهدف يحتاج إلى جمع كل الطاقات وليس تشتيتها، وعلى الأقل يكون الأمر من باب (الأهم والمهم)، ومن المعلوم أن العاقل لا يصرف طاقته في المهم إذا دار الأمر بينه وبين الأهم).

ودائما يكون الإنسان الهادف أو الهدفي حريصا على وقته، وغير مستعد لهدر الأيام أو الساعات وحتى الدقائق من دون جدوى، لأن الإنسان الهدفي يتحرك بحماس ونشاط لا يتوقف، وهذه الحركة محكومة بالتخطيط والأهداف التي يمضي إليها بثبات وقوة، مسترشدا ببوصلته الهدفية التي قلّما تخطئ أو تنحرف إلى مسارات مجهولة أو غير معروفة.

الإمام الشيرازي يقول في كتابه نفسه: (لهذا نلاحظ أن الهادفين، سواءً كانوا دينيّين كالأنبياء والأوصياء، أم زمنيّين كالقادة الثوار، يقصدون الهدف ولم يصرفوا وقتهم إلاّ في المهام التي تقودهم إليه).

هكذا هو الإنسان المؤمن بأهدافه، فهو دائما في عجالة من أمره، لأنه دائما يشعر بقلة الوقت، وسرعة الزمن، وهو قلق من دائما من هذا الشعور الذي يحاصره حتى في ساعات نومه، فقد عُرف عن الإمام الشيرازي بأنه كان لا ينام في اليوم سوى (2) ساعتين، ولنا أن نتصور إنسانا يكدّ ويعمل ويخطط ويفكر وينتج (22) ساعة في اليوم ولا ينام سوى ساعتين.

أما الزعيم الهندي فقد كان مشهورا في تحركاته واجتماعاته وجولاته التي شملت الهند عرضا وطولا، شرقا وغربا، جنوبا وشمالا، يمضي في حركة دؤوب ونشاط لا يكلّ حتى يكون قادرا على الإيفاء بالتزامه تجاه الأهداف العظيمة التي خطط لها، فهو غير مستعد مطلقا للتفريط بوقته، أو الانشغال بالصغائر غير المجدية، ودائما كان يشعر أن الزمن مقدّس وعليه أن لا يفرّط به، شأنه شأن العظماء الذي قدّموا لشعوبهم وأممهم وللإنسانية أعظم المنجزات.

لذا يؤكد الإمام الشيرازي قائلا:(إن غاندي مثلا أثناء الحركة التحررية كان يصبُّ كل جهده في الحركة، وكانت تجمعات حزب المؤتمر إما في البيوت أو الصحاري أو المؤسسات الموجودة سابقاً. وهكذا كان حال الحركيين في استقلال إيران والعراق وجنوب أفريقيا وغيرها).

خطوات لصناعة أجيال مبدعة

بمعنى أن سمات الثوار الخالدين كانت تتمحور حول الهدفية، وتتخذ من مبادئ احترام الوقت، والتخطيط، وتوجيه البوصلة الحركية بدقة، ومقارعة اليأس والأنانية وكل الصفات الفردية البائسة، سمات وصفات يتميز بها قادة الفكر والنضال الإنساني الأخلاقي الهدفي على مرّ التاريخ.

وهذا ما يحتاجه المسلمون اليوم والعرب، ومن بينهم العراقيون، إننا بحاجة إلى تحديد أهدافنا بالضبط جماعات أو أفراد، كما أننا لا نملك المزيد من الفرص كي نهدرها، خصوصا إن العالم من حولنا يحقق قفزات متواترة في مجالات التقدم التقاني أو غيره، وهذا يجعل منّا في موقف غاية في الصعوبة، فلا مجال أمامنا سوى صناعة وتعضيد الهدفية، وبناء الإنسان الهدفي، وتقليل الاتكال والعدمية.

كما أننا مطالبون بصناعة الشخصية الهدفية بكل صفاتها وقدراتها، خصوصا عدم التركيز على التفاصيل الجزئية التي لا تجدي نفعا، فقط تسبب الانشغال والتأخير لا أكثر، فالهدفية الكليّة يجب أن تكون في مرمى ما نخطط له وما نروم الوصول إليه، ولابد أن يتمتع الإنسان الهادف بنفس كبيرة، قادرة على التحمّل والإبداع والإنجاز والتميز، وهذا لا يمكن أن يُنجَز بشخصية ضعيفة تشغلها الجزئيات أكثر من الكليات.

هذا ما يؤكد عليه الإمام الشيرازي في قوله: (إن التخلّص من التفاصيل الجزئية والأمور الوقتية، والانشغال بالأمور الكلية والهدفية، بحاجة إلى تعقّل كافٍ ونفس كبيرة قادرة على تجاوز الجانبيّات).

ولكي نجاري أمم العالم الأخرى علينا أن نتحلى بصفات الإنسان العصري الذي يحترم الوقت، وينبذ الاتكال، ويرفض التلكّؤ، ويعرف ما يريد، ويسعى بذكاء إلى أهدافه عبر خطوات مهمة فردية وجماعية هي:

- أن يتحول المسلمون من الكسل إلى النشاط.

- أن يتحلى المسلمون بثقافة التفاؤل بدلا من ثقافة القنوط والتشاؤم.

- أن نفهم بدقة من يدور حولنا في العالم.

- أن نبدأ بتربية الأجيال الجديدة التي تُبنى على أسس الحركية والهدفية الرافضة للعدمية.

- أن نطور مهارات شبابنا الفكرية والعلمية والعملية بكل السبل المتاحة.

- أن توضع خطط منتظمة ومتخصصة من قبل خبراء متخصصون، لتنظيم مواردنا وطاقاتنا، ومواكبة الأمم الأخرى في انجازاتها.

عبر هذه الخطوات وغيرها، سوف يتحول الإنسان لدينا من متلكّئ خائف متردد اتكالي كسول، إلى عكسه تماما، وذلك من خلال التخطيط الصحيح لخلق أجيال تحكمهم الهدفية كبوصلة لا تخطئ مساراتها الصحيحة.

انقر لاضافة تعليق