لم يترك الإمام الشيرازي جانبا صغيرا أو كبير يمس حياة الناس إلا وتناوله في كتاباته ومؤلفاته المتميزة بعمق المبادئ، والتمسك بالقيم الإنسانية الكبيرة، فالأمم المتميزة هي التي تحرص على طاقات أبنائها بمختلف مستوياتهم ومؤهلاتهم، وتسعى لاستدرار قدراتهم وإن كانت ضعيفة، أو ذات منسوب واطئ، كما هو الحال مع ذوي الاحتياجات الخاصة، فهؤلاء شريحة لها نسبتها ووجودها في أي مجتمع أو أمة، وإهمالهم سيقود إلى نتيجتين كلاهما مؤسف ومؤذٍ في نفس الوقت.

النتيجة الأولى: إنّ ذوي الاحتياجات الخاصة ينتمون إلى الجنس البشري شئنا أم أبينا، وما يُشار له تاريخيا، أن هنالك طاقات خلاقة أظهرها بعض المصابين بعاهات مستديمة، كأن يكون لديه مرض عضوي بالولادة، لكنّ عقله سليم، وقادر على الإبداع والابتكار، فمن غير المناسب أن يتم إهدار طاقات مثل هؤلاء، لأنها تمثل إهدارا لطاقات المجتمع والأمة.

النتيجة الثانية: إن ذوي الاحتياجات الخاصة بشر محسوبين على الشعوب والأمم، وإذا كان هنالك نقص عضوي ما في جسده، فإن عقله يعمل بدقة كما الآخرين، إلا إذا كانت علّته في دماغه، لهذا علينا مراعاة ذوي الاحتياجات الخاصة انطلاقا من كونهم بشر لهم كرامة يجب أن تكون كاملة وغير منقوصة تحت جميع الظروف.

فإذا كان الإنسان يعاني من خلل عضوي في جسده، فهذا لا يعني بأنّه فائض عن الحياة، بل على العكس من ذلك، حيث لوحظ أن من ينقصهم خلل عضوي معين، كأن يكون فاقدا لإحدى حواسّه، (النظر، النطق، السمع وسواه)، غالبا ما يسعى لتعويض هذا النقص بإظهار قدراته في مجالات أخرى، فينجح ناجحا لافتا، لذلك يجب العناية بهم وإظهار الاهتمام المناسب والمطلوب بهم.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه القيم الموسوم بـ (كل فرد حركة وفلسفة التأخّر):

(هنالك أشخاص تخلّفوا عن الحياة مادياً أو معنوياً, جسدياً أو روحياً, من الولادة أو بمرض أو بعرض, أو ما أشبه, كالعجزة والأرامل والأيتام والمعوّقين والمتخلفين عقلياً وأصحاب الأمراض المزمنة والمشوهين, فيجب إبداء العناية الخاصة بهم).

الاستفادة من قدرات ذوي الاحتياجات الخاصة

إننا في حال أظهرنا ما يلزم لمساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة، فسوف نحصل على نتائج مزدوجة تجمع بين الحفاظ على كرامة الإنسان من جهة، وبين الاستفادة من طاقاتهم وابتكاراتهم التي تُسهم بدرجة أو أخرى في تطوير المجتمع، وبهذا نكون قد حققنا هدفين في غاية الأهمية، يتجسدان في الفائدة من قدرات ذوي الاحتياجات الخاصة، والحفاظ على انتمائهم الإنساني، ومثل هذه النتائج الكبيرة من المحال تحقيقها، ما لم يتصدى لها جمعيات أو منظمات تكون مهمتها إبداء الرعاية والاهتمام بذوي الاحتياجات الخاصة، لاسيما إنهم يشكلون نسبة كبيرة، بسبب الحروب وعدم الاستقرار الذي طبع بلداننا منذ عقود طويلة!.

هذه الشريحة نسبة كبيرة منها لم تولد وهي معاقة، فهناك أعداد أو نسبة كبيرة من ذوي الحاجات الخاصة، ولدوا متكاملين، لكن السياسات الشائنة للحكومات الفاشلة، زجّت بهم في حروب طائشة، واحترابات داخلية طاحنة، ألحقت بهم إصابات ما كان لها أن تحدث لو لا تلك السياسات المستهجنة، لهذا على الدول والحكومات الإسلامية وحكامها أن يتحملوا المسؤولية كاملة تجاه هذه الشريحة المغبونة.

لهذا يركّز الإمام الشيرازي على هذه النقطة قائلا:

(يجب أن تؤسَّس جمعيات لأجل التخفيف عن مشاكل ذوي الاحتياجات الخاصة، كما يجب احترام الإنسان, ووقايته من السقوط النفس ومساعدته على تجنّب الإنسان في بعض المشاكل ومد يد العون له).

لقد عرفنا أن الحروب والفتن والاضطرابات، والمواجهات الداخلية والخارجية، لها نسبة كبيرة في إلحاق الضرر بكثير من أفراد الشعب أو الأمة، وهذه الأسباب غالبا ما تتسبب بها سياسات الحكومات الفاشلة، فحريّ بمؤسسات هذه الحكومات معالجة أخطائها بنفسها، ومن ذلك تقديم العون والتعويض والتعليم لذوي الاحتياجات الخاصة، على أن لا ينحصر ذلك بالدولة أو الحكومة، فالمؤسسات والجمعيات والمنظمات الخيرية المدنية أو الدينية تقع عليها نسبة كبيرة من الوقوف إلى جانب ذوي الاحتياجات الخاصة، والاستفادة من طاقاتهم كلٌ بحسب قدراته.

ومما يجب القيام به والمبادرة الرسمية والمدنية لتقديم ما يلزم من إسناد لهذه الشريحة، إنشاء المدارس المتخصصة بذوي الاحتياجات الخاصة، كالصُمّ والبُكم وغيرهم، هؤلاء يمكن تعليمهم والنهوض بوعيهم وثقافتهم ومعارفهم، من خلال إنشاء مدارس متخصصة تتواءم مع قدراتهم الذهنية والجسدية، ويمكن من خلالها وضع أقدامهم في المسالك الصحيحة للاندماج المجتمعي، ومن المهم أيضا توفير أماكن الإقامة المناسبة التي يجدون فيها ما يبتغونه من مأكل ومشرب ومنام وأمان تام.

الإمام الشيرازي يؤكد ذلك بقوله:

(يمكن ذلك بفتح المدارس الخاصة, كمدارس المكفوفين, والمتخلفين لساناً أو أذناً, أو ما أشبه, لمساعدتهم حسب القدرة, وإيوائهم في محلات خاصة تناسب الكرامة الإنسانية, وإسعافهم بالدواء والملابس).

خطوات لإتمام الاندماج المجتمعي

المجتمع المتكامل يجب أن لا يهمل أية شريحة من شرائحه أو مكوناته، وكما ذكرنا فإن الحروب وسياسات الحكام المرضى بالطغيان، أدخلوا البلدان الإسلامية في حروب واحتراب داخلي، مضافا إلى ذلك أساليب القمع التي استخدموها مع الناس، فانتشرت حالات الإعاقة على نحو كبير يفوق المجتمعات التي لم تدخل حروب ولم تعانِ من حكام مستبدين، لهذا يجب الانتباه إلى هذه الشريحة المهمّشة، ومنحها حقوقها والتعويضات المادية والمعنوية التي تستحقها.

كيف يتم ذلك، سؤال في غاية الأهمية، يأتي من ضمن الحلول التي يجب أن تعالج ما تعرض له ذوي الاحتياجات الخاصة من ظلم، فالمشكلة تم رصدها وفهمها وهي مشكلة حالات الإعاقة المتزايدة في المجتمع، والأسباب أيضا تم تأشيرها وعرضها وتحديدها بدقة، أما النتائج فهي واضحة للعيان، الجميع يرها ويطلّع عليها في كل حين، حيث أفرزت الآلاف من حالات العوق العضوي الجسدي أو الذهني والنفسي، ما تبقى هو الحلول التي يجب أن تكون فاعلة ودقيقة ومخلصة.

إنها تكمن في مد يد العون إلى أفراد هذه الشريحة، ومساعدتهم على الاندماج بسلاسة بالمجتمع، وإعادة الثقة بأنفسهم، وبالآخرين من أفراد المجتمع، وبمؤسسات الدولة المختلفة، والمنظمات المحلية والدولية المتخصصة بهذه الشريحة والإسهام في معالجة مشكلاتها، وهذه المساعدة يمكن أن تأخذ أشكالا وطرائق متعددة يقترحها الإمام الشيرازي على ذوي العلاقة بتنفيذها، كالحكومات والمنظمات الرسمية والمدنية على حدٍ سواء.

يقول الإمام الشيرازي: (تزويج عزابهم من كلا الجنسين, وتجميل المشوهين منهم, وتهيئة الأرجل والأيدي والأعين الصناعية لهم, وإقامة برامج ترفيهية لهم لتخفيف آلامهم, إلى غير ذلك).

ولا تنتهي حالات الاهتمام عند هذا الحد، فهناك العلم والمعرف والتعليم، وهذه الشريحة بحاجة لا تقل عن الآخرين للتعليم والثقافة والوعي والتطور، فالكثير منهم يمتلكون عقولا تقدح ذكاءً، والكثير منهم تميزوا بمواهبهم التي تفوق مواهب كثيرة لغير المصابين بأية عاهة جسدية أو ذهنية، هذا يوجب على الجميع، بحسب المسؤولية والمركز، أن يقوموا بواجباتهم تجاه هذه الشريحة من خلال إيصال العلم إليهم وجعله في متناول أيديهم عبر فتح المكتبات الخاصة بهم، والإطلاع على الأفكار بمختلف توجهاتها، حتى يكونوا قادرين على مواجهتها.

(تشييد المكتبات الخاصة بهم لأن المكتبة ترفع المستوى الثقافي للأمّة، كما يجب الإطلاع على العلوم الباطلة لردّها كالأديان المزيّفة والمبادئ الهدّامة).

في الخلاصة، نحن نقف إزاء مشكلة لا يمكن تجاهلها، وهي تتعلق بذوي الحالات الخاصة، وعلى الجهات المسؤولة أن تقوم بكامل دورها لتعويض هؤلاء، وجعلهم يندمجون بالمجتمع، ويقومون بدورهم المتكامل في الحياة بكرامة محفوظة.

انقر لاضافة تعليق