عندما كنت أعمل في "الشركة العربية للجيوفيزيقا والمساحة –أركاس- من عام 2000م حتى 2017م كان في بعض السنوات قد تولّى إدارة المشتريات أحد الموظفين من مدينة جدة واسمه (حسين قربان) وهو من إخواننا أهل السنة، وتربطه قرابة ما مع المدير العام والعضو المنتدب للشركة – وقتئذٍ - المهندس حبيب الله بن مظفر مرغلاني، وكنت في بعض الأوقات أزوره في مكتبه نتبادل أطراف الأحاديث، سواء في شؤون العمل، أو في أحداث الساعة، أو في أحوال الشيعة في المنطقة والحالة السلمية التي يتميزون بها في التعايش مع إخوانهم أهل السنة والتأثير الإيجابي العجيب من مراجعنا العظام في كربلاء والنجف وقم على شيعة الخليج وأهمية الحفاظ على الحالة السلمية والتعايش والتواصل، ونبذ العنف والتدابر والقطيعة، وعلى رأسهم المرجع الأعلى آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي.

كنت وقتئذٍ أعمل منسقاً للتأمينات الاجتماعية في إدارة شؤون الموظفين قبل أن تتحول إلى إدارة الموارد البشرية، وكان يتولى إدارتها الموظف سلمان المسعري من "دارين" المجاورة لجزيرة تاروت المعروفة بعراقتها التاريخية، وكنت أتولى إضافة إلى عملي الرئيس تنسيق ما يتعلق بالشؤون القانونية لما يختص وإدارة الموظفين، من تحقيقات وجزاءات وقضايا وشكاوى وما إلى ذلك، حتى إنني أحمل عدة تفاويض مصدقة لمراجعة التأمينات الاجتماعية، ومكتب العمل، والهيئة الإبتدائية، والهيئة العليا للمنازعات والقضايا العمالية بالرياض، وكذلك شرطة المنطقة الشرقية، وكنت ناجحاً – ولله الحمد - في مجال عملي وإلا لما أُسنِدت إليّ مهام التحقيقات الإدارية أكثر من عشر سنوات إضافة إلى عملي الرئيس كمنسق لمعاملات التأمينات الاجتماعية للشركة.

واللطيف أنني كنت أتمثل ببعض أقوال الإمام الشيرازي "قده" في أهمية النجاح في العمل أياً كان وفي أي مجال، وقد قرأت العديد من أمثال هذه الأقوال والنصائح في مختلف كتبه وبمختلف الأساليب التعبيرية.

ذات يوم في إحدى جلساتنا في مكتبهِ كان يتحدث معي عن علماء الشيعة وأنهم يتبنون الإرهاب ويثيرون النعرات المذهبية والطائفية، وذكر لي بعض الأحداث هنا وهناك، ولكنني تحاشيت أن أدخل معه في تفصيلات مملة عن هذه الموضوعات، بل تحدثت معه بشيء من التركيز عن شخصية آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي "قده" وقلت له: هذا العالم الكبير والمرجع العظيم يعتبر بمثابة رجل السلام الأول في العالم بالقرنين العشرين والواحد والعشرين، وهذا ليس من فراغ أبداً وإنما من أطروحات علمية كتبها منذ كان في كربلاء حتى قم المقدسة.

فاندهش من هذا الكلام، وطلب مني التحدث عنه باختصار وعن مشروعه السلمي في العالم الشيعي، وهل له أثر واضح على العالم السني، فقلت له: نعم هو عالم شيعي كبير، ومرجع تقليد يُقلد في العديد من الدول كإيران والعراق والخليج ولبنان وغيرها، وصاحب أكبر موسوعة فقهية حتى الآن، وذكرت له أنه كان مُطارداً من قبل النظام البعثي العميل في العراق، فاضطر للخروج إلى لبنان ومن ثم إلى الكويت حيث قضى فيها تسع سنوات ثم خرج إلى عشّ آل محمد (ص) قم المقدسة.

وهناك واصل نشاطاته المتعددة كزعيم ديني ومرجع أعلى جدد في أبحاثه الفقهية والأصولية وتبحّر في مختلف العلوم والمعارف والثقافات، وكاتب أصيل ومربّي للأجيال وإمام جماعة في مقر إقامته، وأستاذٍ مشهورٍ للبحث الخارج في الأصول والفقه، ومفكر إسلامي مواكب لكل ما هو جديد في عالم الفكر، ومتابع لأشهر ما يصدر من الكتب والأطروحات، وقارئ نَهِمٍ في مجال اختصاصاته بل وحتى في غير مجالات اختصاصاته الرئيسة، واجتماعي من الطراز الأول فهو يحب التواصل مع الكثير من معارفه وأصدقائه في مختلف دول العالم، ليس من الشيعة فقط بل حتى من مختلف المذاهب السنية، بل حتى من الأديان الأخرى، ولا يؤثر ذلك على برنامجه اليومي أبداً، كل ذلك بسبب تنظيمه لوقته وتنظيمه لأعماله اليومية والأسبوعية والشهرية، بل وحتى السنوية، ويسير وفق خطّة مدروسة في ذهنه لا يمكن لأي منغص أو ظرف ما أن يغيّر هذه الخطة أو يحرفها عن الغايات التي ينشدها.

كان هذا فحوى حديثي مع زميلي الموظف ( حسين قربان ) مدير المشتريات في الشركة، فتعجب أيّما تعجّب، وأتذكر أنه سألني عن شخصية هذا العالم هل هو من علماء الدنيا الذين لا يهمهم إلا الكسب المادي من خلال المنصب الديني، فقلت له: يكفي أنه لا يملك بيتاً على الإطلاق، بل لا يملك أيّ شيء، وإنما يعيش في وقفٍ إسلامي، أما الأموال الشرعية التي تصله فيصرفها في مصارفها الشرعية، ولا يميّز نفسه ولا أهله ولا عياله على الغير أبداً، حتى الكتب التي تصل إليه كهدايا من كُتّابها يقرأها أو يطالعها ومن ثم ينقلها إلى مكتبة عامة مفتوحة للقرّاء والباحثين، وهو من العلماء القلائل المشهورين بزهدهم وإعراضهم الحقيقي عن الدنيا الدنيّة وما فيها من زخارف ومغريات، ولا يحمل إلا هم الإسلام والمسلمين وما وصلوا إليه من حال متردٍّ بسبب السياسات الخاطئة التي ارتكبها الساسة عبر العصور منذ أفول شمس الحضارة العربية والإسلامية بشكل عام.

فقال لي بما معناه: عجباً لهذا العالم الربّاني فهناك فرق بينه وبين علماء الدنيا الذين يكدسون الملايين، ويبنون البنايات ويخزنون الصكوك، ويقومون بحث شبابنا للقيام بالعمليات الإرهابية هنا وهناك ضد الأبرياء، فهم على العكس تماماً في حال مقارنتهم بهذا العالم الرباني الكبير.

فقلت له: هذا العالم الجليل ليس منهم، ولو أعطيتك بعضاً من كتبه لكي تقرأها لرأيت العجب العجاب، وبالذات في موضوع السلم واللاعنف والتواصل مع جميع المسلمين بالتي هي أحسن، فهو مدرسة متكاملة في هذه المواضيع وغيرها.

وفي اليوم التالي أحضرت له كتاب (اللاعنف في الإسلام) ط 2002م، وتصفحه وقرأ بعض عناوينه فأعجب به وطلبه مني، فقلت له: هو هدية لك، فأخذه مسروراً وقد ارتسمت على ثغره ابتسامة الرّضا.

أبوعلي
السعودية
هذه الشخصية الفدة للمقدس أية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي لم يتعرف علبها حتى أبناء طائفته ولم يستفيدوا من علومه الكثيرة فعاش مظلوماً ومات مظلومأ وظلم ذوي القربة أشد مضاضةً رحمه الله برحمته وأسكنها الفسيح من جناته وحشرها مع محمداً وآل محمد عليهم السلام2019-05-17
انقر لاضافة تعليق