منوعات - صحة

كيف ينتشر جدري القرود؟

بقلم: ماكس كوزلوف

بالتزامن مع الارتفاع المستمر في أعداد الحالات المصابة بجدري القرود عالميًا، تتبدَّى أمام الباحثين مجموعة من المعلومات الجديدة عن طريقة انتشار المرض. فوفقًا لمجموعة من الدراسات الجديدة، تأكَّدت التوقعات المبكِّرة بأن طريقة انتقال الفيروس الأساسية بين المصابين والمخالطين هي التلامس الجلديّ المتكرر.

يقول أوريول ميتجا، باحث الأمراض المعدية في مستشفى جرمانس ترياس إي بوخول بمدينة برشلونة في إسبانيا، الذي شارك في واحدة من هذه الدراسات الأخيرة، والمنشورة في دورية «ذا لانست» The Lancet1: "حينما ننظر إلى هذه الدراسات مجتمعة، نجد أن الأعراض الإكلينيكية للمرض تتشابه في كلّ مكان، لكنها تثير الدهشة في الوقت نفسه". ويرجع ذلك إلى أن أعراض المرض ونمط انتشاره لا تشبه ما كان الباحثون قد لاحظوه في غرب إفريقيا ووسطها، حيث تسبَّب فيروس جدري القرود، على مدار عدة عقود، في حالات تفشٍّ مستمرة وإن كانت معزولة.

ومنذ بدايات شهر مايو الماضي، انتشر جدري القرود في أكثر من 90 دولة، وتسبب في أكثر من 39 ألف حالة إصابة بالعدوى، سُجّل ثلثها تقريبًا في الولايات المتحدة وحدها. دفع الانتشار السريع للفيروس منظمة الصحة العالميّة، في الثالث والعشرين من يوليو، إلى إعلان أعلى درجات التأهب على صعيد الصحة العامة، وتبعهم في ذلك الرئيس الأمريكيّ جو بايدن، في الرابع من أغسطس، مُعلنًا حالة طوارئ الصحة العامة على مستوى الولايات المتحدة.

ورغم وجود نسبة من النساء والأطفال بين المصابين بعدوى الفيروس منذ مايو الماضي، فأغلب الحالات التي ظهرتْ حتى الآن كانت من الرجال ممارسي الجنس مع رجالٍ آخرين (اختصارًا: MSM)، وخاصة الذين يمارسون الجنس مع شركاء جنسيين متعددين، أو أولئك الذين مارسوا الجنس مع أفراد مجهولي الهوية. ويشير ميتجا إلى احتمالية استغلال الفيروس لشبكات العلاقات الجنسية الكثيفة في مجتمع الرجال ممارسي الجنس فيما بينهم كي يستفحل في الانتشار. وكلما استمرّ تفشي الفيروس، زادت احتمالات انتقاله إلى مجتمعات أخرى، بل وأيضًا إلى الحيوانات البريّة، التي يحذر العلماء أنها قد تتحوَّل إلى مستودعاتٍ فيروسيّة قادرة على إصابة البشر بالعدوى على نحو متكرر.

عندما يُصاب الشخص بعدوى فيروس جدري القرود، فإن أعراضًا شبيهة بأعراض الإنفلونزا قد تظهر عليه، إلى جانب تضخُّم العُقَد الليمفاويّة، وظهور آفات جلديّة مميَّزة الشكل تمتلئ بالسوائل. ورغم أن بعض الباحثين يذهبون إلى احتمالية أن يكون فيروس جدري القرود قادرًا على الانتشار عبر الرذاذ التنفسيّ أو الجسيمات التي يحملها الهواء، مثل فيروس «سارس-كوف-2» SARS-CoV-2، فإن ميتجا، وزملاءه، أبلغوا أن العينات المسحوبة من الآفات الجلديّة، التي حصلوا عليها من المرضى عند تشخيصهم بالمرض، كانت تحتوي على نسبة من الحمض النوويّ الفيروسيّ تزيد كثيرًا عن نسبتها في العينات المأخوذة من الحَلق1، حتى إن تلك الآفات بدت «مكتظة بالفيروسات» مقارنة بعيَّنات الحلق، حسبما تقول الباحثة بوجوما تايتانجي، طبيبة الأمراض المُعدية بجامعة إيموري في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا الأمريكيّة، والتي لم تشارك في الدراسة.

كشفت العديد من الدراسات2،3، من بينها دراسة ميتجا، أن نسبة قليلة فحسب من بين حالات العدوى جاءت من طريقٍ آخر غير ممارسة الجنس مع الشخص المُعدي الذي يعيش في المنزل نفسه. وتقول تايتانجي إن هذه النتيجة، التي تؤيُّدها البيانات المتاحة لنا عن الحِمل الفيروسيّ، تشير إلى أن الرذاذ التنفسيّ والجسيمات التي يحملها الهواء ليستْ في الغالب هي الطريقة الأساسيّة لانتقال العدوى. وإذا أيدتْ مزيد من الدراسات هذه النتيجة، حسبما تضيف تايتانجي، فربما يثير هذا التساؤل عمَّا إذا كان من الضروريّ عزل المصابين طوال فترة العدوى كاملة، الأمر الذي قد ينطوي على صعوبات حقيقية؛ نظرًا لأن التعافي من المرض يستغرق على ما يبدو فترة تصل إلى شهر كامل.

ومن ناحيتها، تشير جيسيكا جاستمان، طبيبة الأمراض المُعدية في جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك، إلى أنه لا يزال ينقصنا بيانات تفصيلية عن التغيَّرات التي تطرأ على الحِمل الفيروسيّ للمصابين بمرور الوقت. ورغم أن ميتجا وزملاءه، حسبما تقول جاستمان، لم يرصدوا إلا نسبًا صغيرة من الحمض النوويّ الفيروسيّ في عينات الحَلق، التي جمعوها من المصابين في وقتٍ مبكرٍ من إصابتهم بالعدوى، فمن المحتمل أنهم كانوا سيجدون المستويات الفيروسيّة أعلى، في حالة جمع العيِّنات في وقتٍ آخر من الإصابة، سواء أكان وقتًا متأخرًا أم حتى مبكرًا منها.

من غير المعروف كذلك ما إذا كان جدري القرود يعتبر مرضًا منقولًا جنسيًا بالمعنى المُطلق، بمعنى أنه ينتقل من شخصٍ إلى آخر عبر الدم أو السائل المنويّ أو سوائل الجسم الأخرى، أثناء ممارسة الجنس. لكن العديد من الدراسات أثبتتْ ظهور الحمض النوويّ لفيروس جدري القرود في السائل المنويّ للمصاب بالفيروس، لمدة تصل إلى عدة أسابيع بعد إصابته بالعدوى. كما استطاعتْ دراسة أخرى عزل فيروسات ناقلة للعدوى من سائل منويّ لفردٍ واحدٍ بعد ظهور الأعراض عليه بستة أيّام.

وحتى إذا كان هذا الفيروس من الفيروسات المنقولة جنسيًا، فمن غير المؤكد حجم الدور الذي تلعبه طريقة انتقال العدوى هذه، مقارنة بانتقال العدوى عن طريق التلامس الجلديّ اللصيق مع المصاب أو استنشاق الجسيمات التنفسيّة الصادرة منه، الأمر الذي يحدث أثناء ممارسة الجنس أيضًا. وإذا استطاعت دراسات أخرى العثور على فيروسات ناقلة للعدوى في السائل المنويّ للمصابين، فيجب علينا معرفة الفترة التي تبقى فيها هذه الفيروسات داخل السائل المنوي. فثمة فيروسات، مثل فيروس الـ«إيبولا» Ebola، قادرة على البقاء في السائل المنويّ شهورًا، بل وحتى سنوات، بعد الإصابة بالعدوى، وهو الأمر الذي زاد من تعقيدات الجهود الساعية لمنع حدوث حالات التفشي الوبائيّ لهذه الفيروسات. وحتى يصل الباحثون إلى مزيد من المعلومات، فإن وكالة الأمن الصحيّ البريطانيّة توصي المصابين باستخدام الواقيات الذكريّة في ممارسة الجنس، لمدة ثمانية أسابيع بعد إصابتهم بالعدوى.

وبالنسبة للمصابين الذين فحصهم ميتجا، وزملاؤه، لاحظ الباحثون أن ظهور نسبةٍ كبيرة من الآفات في الفم والحَلق كان يرتبط بممارسة المصابين للجنس عن طريق الفمّ، وأن ظهور نسبة كبيرة من الآفات الجلديّة حول فتحة الشرج وداخلها كان يرتبط بممارسة المصابين للجنس عن طريق الشرج كطرفٍ متلقٍّ. وتُعلّق تايتانجي قائلة: إنه بالنظر إلى كل هذه النتائج، يجب على مسؤولي الصحة العامّة ألّا يتحرَّجوا من مناقشة الإصابات المرتبطة بممارسة الجنس في جلسات الإرشاد الصحيّ.

لكن جاستمان تنبِّه إلى أنه ليس بالإمكان الحصول على مزيد من البيانات المستقاة من دراسات مُحكمة التصميم في وقتٍ قريب كما نأمل، إلى جانب أن بعض الباحثين قد عبّروا بالفعل عن قلقهم من أن التفشّي الوبائي للمرض قد تجاوز نقطةَ الاحتواء، نظرًا إلى شيوع الأخبار عن عدم كفاية مخزونات اللقاحات، وصعوبات الحصول على علاجات مضادة للفيروسات، إضافة إلى عدم كفاية الاختبارات الفيروسيّة. وتشير جاستمان كذلك إلى محدودية التمويل والدوافع لدراسة مرض جدري القرود، مقارنة بدراسات مرض «كوفيد-19»، مضيفة: "نحن لا نملك مخصصات كافية تماثل مخصصات «عمليّة السرعة القصوى» Operation Warp Speed، وهي العمليّة التي استهدفتْ دعم تطوير الولايات المتحدة للقاحات «كوفيد-19» أثناء الجائحة.

اضف تعليق