بقلم: إيمي ماكسمِن

صرح باحثون في إحدى الشركات المتخصصة في التقنيات الحيوية في دولة جنوب أفريقيا بأنهم شارفوا على الانتهاء من عملية لمحاكاة إنتاج لقاح حمض نووي ريبي مرسال، مضاد لمرض «كوفيد-19»، دون تدخل من شركة «موديرنا» Moderna، المنتِج الأصلي لهذا اللقاح.

إذ أنتجتْ شركة «أفريجِن بيولوجيكس آند فاكسينز» Afrigen Biologics and Vaccines، التي يقع مقرها في مدينة كيب تاون، بضع ميكرولترات فقط من اللقاح، بالاستناد إلى بياناتٍ استعانتْ بها شركة «موديرنا» في تصنيع جرعات لقاحها. بَيْدَ أنّ هذا الإنجاز يُعد نقطة فارقة في مبادرة كبرى أطلقتها منظمة الصحة العالمية (WHO)، تمثلتْ في إنشاء مركز لتناقل التقنيات يستهدف بناء قدرات تصنيع اللقاحات في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنه خلال جائحة «كوفيد-19»، فإن الجهات المطورة للقاحات الحمض النووي الريبي المرسال — وهي شركة «موديرنا» التي يقع مقرها في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس الأمريكية، وشركة «فايزر» Pfizer التي يقع مقرها في مدينة نيويورك، وشركة «بيونتيك» BioNTech التي يقع مقرها في مدينة ماينز الألمانية — أرسلتْ أكثر من 70% من جرعاتها إلى دول غنية، بحسب تحليل لتوزيع اللقاحات. من جهة أخرى، تأخر وصول الملايين من جرعات لقاحات الجائحة إلى البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل التي كانت قد اشترت هذه الجرعات أو ظفرت بوعود بالحصول عليها. تعقيبًا على ذلك، يقول مارتن فريد، مسؤول منظمة الصحة العالمية المعنيّ بتنسيق جهود مركز تناقل التقنيات: "لا تزال اللقاحات التي أنتجتها شركة «موديرنا» وشركتا «فايزر» و«بيونتك» تُرصد بالدرجة الأولى للبلدان الأكثر ثراءً فقط". وتابع كلامه قائلًا: "هدفنا هو تمكين البلدان الأخرى من تصنيع لقاحاتها".

مشروع مستقل

ما زالت خطوات كثيرة تنتظر تنفيذها قبل الشروع في توزيع لقاح الحمض النووي الريبي المرسال الواعد، الخاص بشركة «أفريجِن»، على الشعوب في قارة أفريقيا وخارجها. ولا شك أن اللقاح لن يساعد في كبح جماح الجائحة هذا العام. مع ذلك، فقد أعربت منظمة الصحة العالمية عن أملها في أن ترسي عملية إنتاجه الأساس لاتساع نطاق توزيع صناعة لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال على الصعيد العالمي.

كما أعرب جيرهارد بوكيس، كبير العلماء في شركة «أفريجِن» — التي تعد النواة الرئيسة لمركز تناقل الخبرات الذي أسسته منظمة الصحة العالمية — عن اعتزازه بتقديمه المساعدة في المرحلة الأولى من الخطة، والتي تضمنت إنتاج الحمض النووي الريبي المرسال الذي يُرَمِّز جزءًا مُعَدَّلًا من فيروس كورونا «سارس-كوف-2»، وتغليف هذا الحمض بجسيمات نانوية دهنية تنقل اللقاح إلى خلايا من يتلقون تطعيمًا به. فيقول: "لم نحصل على مساعدة من كبرى الجهات المُنتِجة للقاحات «كوفيد». من ثم، نهضنا بالمهمة بأنفسنا لنُثبت للعالم أن بالإمكان النجاح في تحقيقها، بل وتحقيقها هنا في القارة الأفريقية".

وجدير بالذكر، أن منظمة الصحة العالمية لدى تدشينها لمركز تناقل تكنولوجيا الحمض النووي الريبي المرسال في جنوب أفريقيا في يونيو الماضي، كانت قد طلبت من الشركات «موديرنا» و«فايزر» و«بيونتيك» المساعدة في تدريب الباحثين في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل على كيفية صنع لقاحات «كوفيد-19» الخاصة بها. إلا أن الشركات الثلاث لم تستجب لهذا الطلب. وعليه، قررت منظمة الصحة العالمية المضي قدمًا في خطتها دون مساعدة تلك الشركات. ويقول فريد إن منظمة الصحة العالمية اختارت محاكاة تصنيع لقاح شركة «موديرنا» نظرًا لتوفُّر المزيد من المعلومات المعلنة حول عملية تطويره، مقارنةً بلقاح شركتي «فايزر» و«بيونتك»، بالإضافة إلى أن شركة «موديرنا» تعهدت بعدم إنفاذ براءات اختراعاتها في أثناء الجائحة. ولم تستجب شركة «موديرنا» لطلبات مُقَدَّمة من دورية Nature بالتعليق على قرار منظمة الصحة العالمية بمحاكاة تصنيع لقاحها.

وبالاستعانة بتمويلات من دول من ضمنها فرنسا وألمانيا وبلجيكا، بدأ باحثون من جنوب أفريقيا في تنفيذ المشروع تدريجيًا في أواخر شهر سبتمبر الماضي. إذ تولى فريق بحثي من جامعة فيتفاترسراند في مدينة جوهانسبرج بجنوب أفريقيا زمام المبادرة باتخاذ الخطوة الأولى، ألا وهي: صنع جزيء حمض نووي يخدم كنموذج يُستخدم في عمليات تخليق الحمض النووي الريبي المرسال. وعلى الرغم من أن قيام شركة «موديرنا» بتسجيل براءة اختراع تسلسل هذا الحمض النووي محل جدل، فقد أدرجه باحثون من جامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا الأمريكية في قاعدة البيانات المنشورة على الإنترنت «فايرولوجيكال دوت أورج» Virological.org في شهر مارس من العام الماضي.

ويعلق باتريك أربوثنوت، مدير أبحاث العلاج الجيني في جامعة فيتفاترسراند، على ذلك قائلًا: "لم يردعنا ذلك، لأن تخليق الحمض النووي الريبي المرسال هو تقنية تُعد نوعًا ما غير مسجلة الملكية". وعلى الرغم من تأخر شحن المواد الخام اللازمة لتنفيذ المهمة، أتمها الفريق خلال عشرة أسابيع، وأرسل زجاجات الحمض النووي الريبي المرسال إلى شركة «أفريجِن» في مطلع شهر ديسمبر الماضي.

استراتيجية تمكين

وخلال هذه الفترة، مع تنامي أنباء خطط محاكاة لقاح «موديرنا» إلى علم باحثين من شتى أنحاء العالم، بعثوا برسائل بريدية إليكترونية إلى باحثي شركة «أفريجِن» لمد يد المساعدة. وبعض هؤلاء الباحثين الذين راسلوا الشركة كان يعمل في معاهد الصحة الوطنية الأمريكية، وأجرى أبحاثًا تأسيسية بشأن لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال. تقول بيترو تيربلانش، المديرة الإدارية لشركة «أفريجِن»: "كان هذا حدثًا فريدًا من نوعه". وأردفت قائلة: "أعتقد أن الكثير من العلماء شعروا بالإحباط جراء ما حدث في توزيع اللقاحات، وأرادوا المساعدة في إنقاذ العالم من هذه المعضلة".

وفي الخامس من يناير الماضي، أنجز باحثو شركة «أفريجِن» جزءًا صعبًا آخرًا من المهمة. فقد غلَّفوا الحمض النووي الريبي المرسال بجسيمات نانوية دهنية مصنوعة من خليط من الدهون. ويقول بوكيس إن الفريق البحثي لم يستخدم حتى الآن الخليط الدهني الخاص بشركة «موديرنا»، وإنما استخدم خليطًا أتاحته مباشرة جهة تصنيع الآلة التي يستخدمها مُختَبَر الفريق لإنتاج الجسيمات النانوية الدهنية. ويعتزم فريق شركة «أفريجِن» البحثي استخدام الخليط الدهني الخاص بشركة «موديرنا» فور وصول أداة تحليلية أخيرة. بعد ذلك، سيتولى الفريق تحليل التركيبة المصنَّعة للتأكد من أنها نسخة قريبة حقًا من لقاح «موديرنا».

ويُتوقع أن تتمثل المجموعة التالية من التحديات في زيادة إنتاج اللقاح زيادةً كبيرةً. ففي ذلك الصدد، يقول جيسون ماكليلان، عالم الأحياء البنيوية من جامعة تكساس في مدينة أوستن الأمريكية، والذي كانت أبحاثه ركيزة لتطوير العديد من لقاحات «كوفيد-19»، إنه ليس مندهشًا من أن باحثي دولة جنوب أفريقيا نجحوا على ما يبدو في صنع نسخة من لقاح شركة «موديرنا»، بَيْدَ أنّه يضيف أن زيادة إنتاج الجرعة الأولى من اللقاح تتطلب الكثير والمزيد من الابتكارات من جانب جهات التصنيع.

وفيما يخص المرحلة التالية من المشروع، يُتوقع أن تتعلم شركات عديدة في الجنوب العالمي من شركة «أفريجِن» أساليب إنتاج اللقاح وأن تحاول إنتاج دفعات منه بنفسها، تمهيدًا لاختبار جرعاته على القوارض. وتتوقع منظمة الصحة العالمية أن تصبح نسخة لقاح شركة «موديرنا» جاهزة لتجارب المرحلة الأولى التي تُجرى على البشر بحلول نهاية شهر نوفمبر المُقبِل.

ويبقى مصير اللقاح خلال العام المقبل غامضًا. لكن في ذلك السياق، صرح تشارلز جور، مدير مجمع براءات اختراع الأدوية في مدينة جنيف بسويسرا — وهي منظمة تتعاون مع المركز سالف الذكر وتكرِّس خدماتها لتوسيع نطاق الوصول إلى الأدوية واللقاحات في جميع أنحاء العالم — بأن المبادرة لا تعتزم إطلاقًا انتهاك براءات اختراع شركة «موديرنا». وأوضح جور أن الأبحاث المختبرية لا تخضع عمومًا لقواعد براءات الاختراع.

ويأمل جور أن تجيز شركة «موديرنا» براءة اختراع اللقاح فور أن يصبح جاهزًا للاستخدام، أو أن تسنح بحلول ذلك الوقت بدائل، بإمكان الشركات إنتاجها دون خشية التعرض للملاحقة القضائية. ويعمل العلماء في العديد من الجامعات حاليًا على تطوير الجيل التالي من لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال، والتي قد يكون صنعها أقل تكلفة أو قد لا تتطلب ظروفَ تخزين شديدة البرودة كتلك اللازمة للقاح شركة «موديرنا» واللقاح الذي أُنتج بالتعاوُن بين شركتي «فايزر» و«بيونتِك».

وعلى الرغم من أن الوتيرة التي تمضي بها هذه الجهود لن تلبي الحاجة المُلِحّة للقاحات في جميع أنحاء أفريقيا، فإن العديد من باحثي القارة متحمسون لها. فقد تبيّنت خلال الجائحة خطورةُ الاعتماد على الحصول على اللقاحات من البلدان والشركات الغنية؛ إذ لم يكتمل تطعيم إلا 10% فقط من شعوب القارة السمراء. وتهدف هذه المبادرة إلى مساعدة الدول على حماية أنفسها. وهنا، يوضح أولوسوجي أديي، رئيس منظمة «النظم الصحية المرنة»، في العاصمة الأمريكية واشنطن، أن "الخلل الراهن على صعيد الصحة العالمية يتأتى من وجود اختلالات في توازن القوى". ويضيف قائلًا: "سينبع علاج المشكلة من تطوير بلدان الجنوب العالمي لقدراتها وتحملها المسؤولية عن صحة شعوبها".

اضف تعليق